أنقرة- في محطة جديدة من مساعي كسر الجمود السياسي في جزيرة قبرص، التقى اليوم الأربعاء، رئيس قبرص نيكوس كريستودوليدس والزعيم القبرصي التركي طوفان إرهورمان ، في مقر إقامة الممثل الخاص ل لأمم المتحدة وسط المنطقة العازلة.
وجاء اللقاء، تحت رعاية مبعوثة الأمم المتحدة الشخصية ماريا أنخيلا هولغوين، في إطار جهود متواصلة لإحياء مفاوضات السلام المتوقفة منذ سنوات.
وخرجت هولغوين بتصريحات اتسمت بالحذر، مؤكدة أنها "غير محبطة" رغم بطء التقدم، ومشددة على الطابع الديناميكي للعملية السياسية.
وكانت قبرص قد شهدت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، جولة غير رسمية من محادثات السلام برعاية الأمم المتحدة، جمعت للمرة الأولى الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس بالزعيم القبرصي التركي المنتخب حديثا طوفان إرهورمان، اقتصرت على التمهيد لعقد اجتماع غير رسمي موسع بإشراف الأمين العام للأمم المتحدة، دون الانتقال إلى مفاوضات رسمية.
وقد اصطدمت المساعي حينها بعقبة الخلافات العميقة حول الإطار السياسي للحل، إذ تمسك الجانب القبرصي التركي، مدعوما من أنقرة، بخيار حل الدولتين، مقابل رفض قاطع من الجانب اليوناني، مما أدى إلى تجميد المسار التفاوضي دون تحقيق اختراق يذكر.
قدم الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس خلال الاجتماع مقترحا من 5 نقاط، يهدف إلى كسر الجمود واستئناف المفاوضات المتوقفة منذ سنوات، يتمثل في:
وفي ختام اللقاء، اتفق الجانبان على تكليف فريقي التفاوض بترتيب اجتماع ثنائي جديد بين كريستودوليدس وإرهورمان يُعقد خلال الأسبوعين المقبلين دون حضور المبعوثة الأممية، لمواصلة البحث في سبل تفعيل المسار التفاوضي.
في المقابل، تمسك الزعيم القبرصي التركي طوفان إرهورمان برؤية واضحة لاستئناف العملية السياسية، كان قد طرحها منذ لقائه الأول مع كريستودوليدس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وتقوم هذه المنهجية على 4 شروط رئيسية:
من جانبه، أبدى كريستودوليدس تفهما للمطالب التركية القبرصية، مؤكدا أن نسبة كبيرة من التوافقات السابقة لا تزال صالحة ويمكن أن تمثل 80 إلى 90% من الحل المنشود، إن وافق الطرف الآخر على تثبيتها.
يرى المحلل السياسي التركي علي فؤاد جوكشه أن أنقرة لا ترى مانعا من استمرار المشاورات بين زعيمي شطري الجزيرة، ما دامت لا تفضي إلى واقع يمس الكيان القبرصي التركي بشكل يهدد بقاءه أو مصالحه الإستراتيجية. ويضيف أن الرئيس القبرصي التركي طوفان إرهورمان يتحرك بدوره ضمن هذا الفهم في مقاربته للمفاوضات.
وفي قراءته للموقف القبرصي اليوناني، شدد جوكشه في حديث للجزيرة نت، على أن القيادة في الجنوب لم تبد يوما ارتياحا لوجود القبارصة الأتراك، مستعيدا تاريخا من المواقف الرافضة للتقاسم السياسي.
وقال إن الرئيس القبرصي السابق مكاريوس "كرس حياته لسلب الجزيرة من الأتراك وضمها إلى اليونان، لكن المنية حالت دون تحقيق ذلك". واعتبر أن النهج ذاته لا يزال قائما.
وفي معرض حديثه عن اللقاء الأخير بين إرهورمان وكريستودوليدس، أشار جوكشه إلى أن الطرفين اتفقا مسبقا على عدم استخدام الإعلام كمنصة للردود، إلا أن كريستودوليدس خرج عقب اللقاء ليعتبر الوجود العسكري التركي تهديدا.
كما استنكر جوكشه نشر وسائل إعلام قبرصية يونانية صورة للرئيس القبرصي وهو يزور منزل مؤسس منظمة "إيوكا" العسكرية المتهمة بارتكاب مجازر ضد الأتراك، واقفا أمام صورته وسلاحه. وبرأي جوكشه، تعكس هذه المشاهد حقيقة النيات في الجانب اليوناني الذي "يرفض حل الدولتين، ويعارض بقاء القوات التركية"، وبالتالي، فإن "التعويل على نتائج حقيقية من هذه الجولة التفاوضية يبدو بلا جدوى".
من جانبه، يرى الأكاديمي والمحلل السياسي محمد يوجا أن مجرد إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين الطرفين في قبرص يمثل بحد ذاته قيمة بناءة، خصوصا في النزاعات المجمدة التي تحظى بحمولة رمزية عالية.
ويوضح يوجا للجزيرة نت، أن هذا النوع من اللقاءات يمكّن الجانبين من عرض مواقفهما بوضوح، وتقليص هامش سوء الفهم أو التصعيد الإعلامي، مما يسهم في منع تدهور المناخ السياسي رغم محدودية نتائجها المتوقعة.
ويستدرك أن احتمالات تحول هذه الاتصالات إلى مفاوضات جادة وذات نتائج ملموسة تظل محدودة في الظروف الراهنة، بسبب التناقض الجوهري في مواقف الطرفين.
ويضيف يوجا أن تركيا لا يمكن أن تتخلى عن حقوقها كدولة ضامنة في الجزيرة، ولا عن تصورها الخاص للأمن، ما يجعل مقاربة "حل الدولتين" أكثر واقعية في ضوء المعطيات الإقليمية والدولية الراهنة.
وانطلاقا من ذلك، يرى أن تحقيق اختراق نوعي في الملف القبرصي سيظل مستبعدا في الأمد القصير ما لم يحدث تحول جذري في قناعات ومحددات كلا الطرفين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة