آخر الأخبار

سيناريوهات الضربة الأمريكية وحتمية الرد الوجودي إيرانيا

شارك

تتقاطع قراءات المحللين السياسيين والعسكريين عند نقطة حرجة تشير إلى أن المنطقة باتت تقف على أعتاب تحول إستراتيجي غير مسبوق، حيث يسود اتفاق بين الخبراء على "حتمية الضربة" الأمريكية لإيران، معتبرين أن المسار الذي بدأ منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018 وصولا إلى التصعيد الحالي، لم يكن يهدف إلى التهدئة في أيٍّ من محطاته، بل كان تمهيدا لعمل عسكري باتت ملامحه تلوح في الأفق كخيار لا مفر منه.

وفي سياق هذا التصعيد، تواصل الولايات المتحدة تعزيز حشودها العسكرية في المنطقة، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن وصول حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" ومجموعتها الضاربة إلى مياه الشرق الأوسط، لتنضم إلى أساطيل من السفن الحربية، وأسراب من المقاتلات والقاذفات الإستراتيجية (بي 62)، ومنصات الحرب الإلكترونية والسيبرانية.

وهذا التحشيد الضخم، كما يراه المحللون، ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو "بنك أهداف" متنقل ينتظر ساعة الصفر لتنفيذ عمليات تهدف إلى شل القدرات الإيرانية الإستراتيجية.

ومن ثم تتنوع سيناريوهات الضربة المرتقبة بين "الضربة القاضية" التي تستهدف رأس الهرم القيادي والمنشآت الحيوية، وبين موجات من الهجمات العنيفة والمفاجئة التي تهدف إلى خلق حالة من "الفوضى المؤسسية".

وفي المقابل، تبرز سيناريوهات الرد الإيراني التي لم تعد تقتصر على "الرد المتماثل"، بل انتقلت إلى مربع "الدفاع الوجودي"، حيث تلوح طهران باستهداف مصادر إطلاق النار، وإغلاق الممرات الملاحية الدولية، وتحويل القواعد الأمريكية في المنطقة إلى أهداف مشروعة، في معركة يصفها المحللون بأنها "معركة من أجل البقاء".

موجة الصدمة.. سيناريوهات الضربة الأمريكية

تُجمع قراءات المحللين العسكريين على أن أي عمل أمريكي ضد إيران سيتخذ شكل "موجة الصدمة قاصمة"، اعتمادا على التفوق التكنولوجي والاستخباراتي لشل مفاصل الدولة الإيرانية، وتجنب الدخول في حرب استنزاف طويلة.

إعلان

وهذا التحرك، الذي يأتي في سياق حشد عسكري أمريكي ضخم يشمل حاملات طائرات وأسرابا من القاذفات الإستراتيجية، يؤكد أن واشنطن تهدف إلى فرض تكلفة أحادية الجانب على طهران.

ويوضح الأكاديمي والخبير في سياسة الشرق الأوسط محجوب الزويري أن المسار التصعيدي الذي بدأ منذ عام 2018 لم يترك مجالا للتهدئة، مشيرا إلى أن احتمالية الضربة العسكرية تكاد تكون مؤكدة.

ويضيف الزويري -في تصريحات للجزيرة نت- "أننا أمام مسار عسكري واضح لا يسعى للتهدئة، حيث تبلغ احتمالية الضربة العسكرية قرابة 100%، وهي ضربة ستعتمد بشكل كلي على التفوق الاستخباراتي والتقني لشل مفاصل الدولة الإيرانية."

وهذا الرأي يؤكده أيضا الباحث في القضايا الأمنية والسياسية فايز الأسمر، مبينا أن الحشد العسكري الأمريكي المتنوع يمثل "بنك أهداف" واسعا، وأن العمليات الأمريكية ستكون سريعة وقاصمة، وتستهدف شل القدرات الإيرانية الهجومية والدفاعية، مشيرا إلى أن الهدف هو تحقيق "موجة الصدمة الأولى" التي تشل القيادة الإيرانية.

وتتمحور سيناريوهات الضربة الأمريكية -حسب المحللين- حول محاور عملياتية دقيقة، مثل:


* الضربة الحاسمة التي تستهدف القيادات العليا (الدينية والسياسية) والمنشآت الحيوية، حيث يُستدعى هنا نموذج اغتيال قاسم سليماني، مع التركيز على استهداف شخصيات بارزة مثل المرشد الأعلى علي خامنئي.
* شل الاتصالات والقيادة، ويُتوقع تعطيل نظام الاتصالات الإيراني بالكامل لقطع تواصل القيادات المدنية والعسكرية، وخلق حالة من الفوضى والادعاء بانهيار النظام.
* استخدام القنابل الذكية، وهنا يبرز الحديث عن استخدام قنابل متطورة مثل (بي 62) القادرة على اختراق التحصينات العميقة، بالإضافة إلى قنابل أقل تطورا يتم اختيارها بناءً على نوع الهدف.
* التركيز على القدرات النوعية، مثل استهداف المنشآت النووية، ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية، ومراكز القيادة والسيطرة.

النظام في إيران ونفق السقوط

يرى المحللون أن الهدف الإستراتيجي للضربة يتجاوز تدمير القدرات العسكرية إلى إحداث تغيير جذري في بنية النظام، حيث أدت العقوبات القصوى إلى إضعاف قبضته على السلطة، مما يجعله عرضة للانهيار الداخلي.

ولهذا يشير الأكاديمي والخبير في سياسة الشرق الأوسط إلى أن النظام الإيراني بات في وضع لا يُحسد عليه، وأن العقوبات أثرت عليه بشكل كبير، مما يجعله أقرب إلى "سيناريو العراق" في مطلع التسعينيات.

وأوضح الزويري أن "النظام الإيراني يدخل حاليا في ما يمكن تسميته (نفق السقوط)، حيث تضعه العقوبات القصوى والعزلة الدولية في مأزق يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السلطة والشعب، مما يمهد الطريق لانهيارات داخلية."

وربما يؤدي سقوط النظام إلى سيناريوهات أكثر سوءا، ويوضحها المتحدث نفسه في ما يلي:


* سيناريو الفوضى: سقوط النظام بالكامل نتيجة قوة أمريكية أو عوامل داخلية، مما يؤدي إلى تمرد في القواعد العسكرية والمؤسسات الأمنية.
* سيناريو التقسيم: ظهور مطالبات عرقية ومذهبية بالاستقلال، مثل الأكراد والبلوش، مما يهدد وحدة الخارطة الإيرانية، وهو سيناريو غير مستبعد.

ومع ذلك، يعود الزويري إلى القول إن مسألة تفكيك النظام لن تكون كافية بالعمل العسكري وحده، بل تتطلب عملا استخباراتيا مؤثرا وعميقا لإحداث شرخ عمودي في أركان النظام، لا سيما مع التحالف القوي بين المؤسستين الدينية والعسكرية.

الرد الإيراني مقابل التهديد الوجودي

لم يعد الرد الإيراني المحتمل يندرج تحت إطار "الرد المتماثل" أو المحدود، بل تحول إلى إستراتيجية "للدفاع الوجودي"، حيث تدرك طهران أن أي تحرك عسكري أمريكي يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة بالكامل. وهذا الإدراك يمنح الرد الإيراني طابعا مختلفا ومنطقا جديدا يركز على البقاء والردع الفعال.

إعلان

وهذا ما يوضحه الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار، مبينا أن الرد الإيراني لن يقتصر على الرد المحدود، بل سيخضع لمنطق "البقاء والدفاع الوجودي"، وسيكون مختلفا تماما عن الردود السابقة مثل التي أعقبت اغتيال سليماني

ويضيف دهقاندار -في تصريحات للجزيرة نت- أن "أي تحرك أمريكي عملي على أهداف إيرانية، فإن رد طهران سيكون خاضعا لمنطق البقاء، ولن يكون ضمن إطار رد الفعل المتماثل أو مجرد رد فعل محدود."

من جانبه، يؤكد المحلل السياسي الإيراني رضا غبيشاوي أن الرد الإيراني سيستهدف مباشرة "مصدر الهجمات"، ولن يقتصر على القواعد الأمريكية في العراق كما حدث في قاعدة " عين الأسد"، بل سيشمل جميع القواعد الأمريكية في المنطقة.

وتتمحور إستراتيجية الرد الإيراني -حسب المحللين- وفق الآتي:


* استهداف أمن الطاقة: استهداف خطوط النفط ومنصات الطاقة في الخليج لرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية على واشنطن، وهي أهداف تثير أعلى درجات الحساسية الإستراتيجية لدى الولايات المتحدة.
* إغلاق الممرات الملاحية، والتهديد بالسيطرة على مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لإمدادات الطاقة العالمية لتعطيل الملاحة.
* الرد غير المتماثل واستخدام تكتيكات "حرب الأيام 12" التي أعقبت الضربات الإسرائيلية الصيف الماضي، لضمان عدم قدرة واشنطن على فرض تكلفة أحادية الجانب على إيران.

مصدر الصورة

دول المنطقة وسيناريوهات الرد

تضع طهران دول الجوار أمام مسؤولياتها، حيث وجهت تحذيرات علنية وصريحة بأن أي تسهيلات تُقدم للقوات الأمريكية ستجعل من تلك الدول طرفا في الصراع. وهذا التحذير يهدف إلى تقييد حرية الحركة الأمريكية، ويجعل دول المنطقة في "فوهة المدفع" في حال اندلاع مواجهة شاملة.

وهذا ما أكده محمد أكبر زادة المساعد السياسي لقائد القوة البحرية في الحرس الثوري قائلا "أي دولة جارة تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن هجوم ضدنا، ستُعتبر دولة معادية وسيتم التعامل معها كهدف مشروع". حسب تصريحات نقلتها عنه وكالة "فارس" الإيرانية.

ولذلك يشير غبيشاوي إلى أن بعض الدول الخليجية بدأت بالفعل إرسال إشارات بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها للهجوم على إيران خوفا من التبعات التدميرية.

ويرى المحللون أن القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج ستتحول إلى أهداف مباشرة للصواريخ والمسيرات الإيرانية، مما يضع أمن واستقرار هذه الدول على المحك.

حلفاء إيران بالمنطقة

ويبقى دور " محور المقاومة" محل تساؤل كبير في هذه المواجهة، حيث يرى المحللون أن تحرك الحلفاء الإقليميين سيكون "غير متماثل ومجزأ"، نظرا للضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها هذه الجماعات، مما يقيد قدرتها على التحرك الفعال.

ويوضح دهقاندار أن التحرك الملموس من قبل الحلفاء الإقليميين "سيكون غير متماثل ومجزأ؛ فبينما قد يكتفي البعض برسائل رمزية، سيكون الفعل الملموس في البحر الأحمر عبر الحوثيين لضرب الاقتصاد العالمي."

ويشير الباحث في الأمن الدولي إلى أن حلفاء إيران في العراق ولبنان يواجهون ضغوطا داخلية ودولية قد تقيد حركتهم؛ فحزب الله في لبنان يواجه ضغوطا لنزع سلاحه، والجماعات المسلحة في العراق منشغلة بترتيبات الحكومة الجديدة.

ومع ذلك، يتوقع المتحدثون أن يكون التحرك من قبل الحلفاء كالتالي:


* الحوثيون في اليمن: تنفيذ عمليات مؤثرة في البحر الأحمر تستهدف الملاحة الدولية لزيادة الضغط العالمي.
* فصائل المقاومة في العراق: تنفيذ هجمات "منخفضة الكثافة" ورمزية ضد المصالح الأمريكية لتعزيز مصداقية الرد.
* حزب الله: قد يلتزم "بالصمت الإستراتيجي" أو الرد المحدود لتجنب تدمير لبنان بالكامل، ما لم يشعر النظام في طهران بتهديد وجودي نهائي.

وفي الأخير، يبدو أن المشهد يتجه نحو "ساعة الحقيقة"، حيث تلتقي الحشود الأمريكية بالمنطقة مع الإصرار الإيراني على البقاء، في صراع لن تقتصر آثاره على حدود الجغرافيا الإيرانية، بل ستمتد لتعيد رسم خارطة النفوذ والقوة في الشرق الأوسط بأكمله.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا