في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد الموت المفاجئ بين الشباب حدثًا نادرًا يمر كاستثناء صادم، بل ظاهرة صحية تثير قلق الأطباء والباحثين حول العالم، مع تصاعد أعداد الوفيات الناتجة عن توقف القلب المفاجئ لدى فئة يفترض أنها في ذروة العمر والصحة.
وخلال السنوات الأخيرة، تعالت الأصوات المطالبة باتخاذ إجراءات وقائية مبكرة تجاه الارتفاع الملحوظ في وفيات الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عامًا، خصوصًا تلك المرتبطة بما يُعرف طبيًا بـ "الموت القلبي المفاجئ" (Sudden Cardiac Death)، وهو السبب المسؤول عن نحو ثلثي حالات الوفاة المفاجئة بين الشباب.
ورغم أن اضطرابات القلب لا تزال تحصد النسبة الأكبر من الوفيات بين كبار السن فوق 65 عامًا، فإن الزيادة النسبية المسجلة بين الفئات الأصغر عمرًا، خاصة دون 35 عامًا، دفعت المختصين إلى دق ناقوس الخطر.
وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 60% من المصابين بتوقف القلب المفاجئ ممن تقل أعمارهم عن 40 عامًا يفارقون الحياة قبل الوصول إلى المستشفى، بينما تتراوح نسبة النجاة بين 9% و16% فقط بين من يتمكنون من تلقي الرعاية الطبية.
وتُشكّل أمراض القلب والأوعية الدموية نحو 33% من إجمالي الوفيات عالميًا، ما يجعلها السبب الأول للوفاة على مستوى العالم.
تختلف معدلات الوفاة المفاجئة بين الشباب من دولة إلى أخرى، لكن معظم التقارير الطبية تشير إلى اتجاه عالمي متصاعد يستحق الانتباه.
ففي المملكة المتحدة، كشفت منظمة "مخاطر القلب بين الشباب" (CRY) عن تسجيل 12 حالة وفاة أسبوعيًا بسبب توقف القلب المفاجئ بين شباب أصحاء لم يكونوا يعلمون بإصابتهم بأي مرض قلبي.
أما في إيطاليا، فيُسجل نحو ألف وفاة سنويًا بسبب توقف القلب المفاجئ.
وفي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة اعتمدت على بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) تسجيل 10,516 وفاة بسبب توقف القلب المفاجئ بين الفئة العمرية من 25 إلى 44 عامًا خلال الفترة الممتدة بين 1990 و2020، بمتوسط 478 وفاة سنويًا.
كما كشف تحليل رصدي نُشر في مجلة جمعية القلب الأمريكية (Journal of the American Heart Association) في فبراير/شباط 2026، وشمل نحو 946 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و54 عامًا، عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الوفاة بين الشباب الذين أُصيبوا لأول مرة بنوبة قلبية أو جلطة قلبية.
وفي آسيا، أظهرت دراسة هندية نُشرت في ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد تحليل 2214 حالة وفاة، أن 103 حالات وفاة مفاجئة كانت بين شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و45 عامًا، بينها 40 حالة ناجمة عن أمراض القلب والشرايين.
أما الصين، فقد أعلن المركز الوطني لأمراض القلب تسجيل نحو 540 ألف حالة وفاة بسبب توقف القلب المفاجئ، مع ارتفاع لافت في نسبة الوفيات بين الشباب من 18 إلى 35 عامًا، من 12% عام 2015 إلى 28% عام 2024.
وفي الشرق الأوسط، ورغم ندرة الدراسات، أظهرت دراسة لبنانية نُشرت في يناير/كانون الثاني 2026 أن 35% من أطباء الرعاية الأولية المشاركين أكدوا فقدان مريض شاب واحد على الأقل بسبب الموت القلبي المفاجئ.
وعالميًا، تشير تقديرات الاتحاد العالمي للقلب إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية تتسبب بوفاة 1.4 مليون شخص سنويا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع ارتفاع نسبتها بنحو 48% خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
كما تمثل الوفاة المفاجئة المرتبطة بأمراض القلب نحو 50% من الوفيات القلبية عالميا، بما يعادل قرابة 4 ملايين وفاة سنويا.
تُعرّف منظمة الصحة العالمية الموت المفاجئ بأنه وفاة طبيعية تحدث بشكل غير متوقع وخلال وقت قصير من بدء الأعراض، دون تدخل خارجي.
ويُشخّص الموت المفاجئ عادة إذا حدثت الوفاة خلال ساعة واحدة من ظهور الأعراض بوجود شهود، أو خلال 24 ساعة من آخر مرة شوهد فيها الشخص حيًا في حال عدم وجود شهود.
وغالبًا ما تسبق الموت القلبي المفاجئ أعراض تحذيرية قد تستمر لدقائق، مثل:
ويلاحظ الأطباء أن ألم الصدر يكون أكثر شيوعًا لدى من تجاوزوا 30 عامًا، بينما تبرز حالات الإغماء والدوخة أكثر لدى من هم دون ذلك العمر.
كثيرًا ما تختلط المفاهيم بين النوبة القلبية والسكتة الدماغية وتوقف القلب المفاجئ، رغم أن لكل منها طبيعة مختلفة تمامًا.
فالنوبة القلبية تحدث نتيجة انسداد أحد الشرايين التاجية المغذية لعضلة القلب، ما يؤدي إلى تلف جزء من العضلة بسبب نقص التروية الدموية.
أما السكتة الدماغية الإقفارية فتحدث بسبب انقطاع تدفق الدم إلى جزء من الدماغ نتيجة جلطة داخل أحد الشرايين.
وتترافق النوبة القلبية غالبًا مع ألم ضاغط في الصدر، وتعرق بارد وغثيان ودوار، بينما تظهر السكتة الدماغية بأعراض مثل اضطراب الكلام، وضعف أحد الأطراف، وتدلي أحد جانبي الوجه، واضطراب الرؤية والتوازن.
أما توقف القلب المفاجئ فهو الأخطر، إذ يفقد المصاب وعيه فجأة ويتوقف التنفس والاستجابة بشكل كامل.
قد يسقط شاب رياضي يتمتع بصحة جيدة فجأة دون أي تاريخ مرضي معروف، وهنا تبدأ الأسئلة الصادمة: كيف يتوقف القلب بلا مقدمات؟
يوضح الأطباء أن السبب الأبرز لتوقف القلب المفاجئ لدى من تقل أعمارهم عن 35 عامًا يعود غالبًا إلى اضطرابات كهربية القلب أو أمراض عضلة القلب الوراثية، بينما ترتبط الحالات فوق 35 عامًا أكثر بأمراض الشرايين التاجية وتصلب الشرايين والجلطات القلبية.
واللافت أن نحو 30% من حالات الوفاة القلبية المفاجئة لدى الشباب تبقى بلا تفسير واضح حتى بعد إجراء تشريح وتحاليل شاملة.
تشير دراسات من أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة إلى أن ما بين 40% و41% من حالات الوفاة القلبية المفاجئة لدى من هم دون 35 عامًا لا يظهر لها سبب واضح حتى بعد الفحوصات الطبية الدقيقة.
ويرجّح الباحثون أن اضطرابات نظم القلب الأولية تقف خلف نسبة كبيرة من هذه الحالات.
تمثل اعتلالات عضلة القلب ما بين 15% و30% من حالات الموت القلبي المفاجئ لدى الشباب، وغالبًا ما ترتبط بطفرات جينية تؤثر على بنية القلب أو نظامه الكهربائي.
وتشير الأبحاث إلى أن نحو 1% من الأشخاص الأصحاء يحملون طفرات جينية قد ترفع خطر الوفاة القلبية المفاجئة بمعدل يزيد أكثر من 3 مرات مقارنة بغيرهم.
ومن أبرز هذه الاضطرابات:
وبعض هذه المتلازمات قد لا يُظهر أي أعراض قبل حدوث الوفاة المفاجئة مباشرة.
ورغم ندرتها، قد تؤدي ضربة قوية على الصدر أثناء الرياضة أو الحوادث إلى اضطراب كهربائي قاتل في القلب يسبب رجفانًا بطينيًا وتوقفًا مفاجئًا للقلب.
تلعب الوراثة دورًا محوريًا، إذ ترتبط 60% إلى 75% من حالات الوفاة القلبية المفاجئة لدى الشباب بعوامل وراثية، ما يجعل الفحوصات المبكرة ضرورية لمن لديهم تاريخ عائلي مرضي.
أظهرت دراسات دانماركية أن خطر الموت القلبي المفاجئ يرتفع بنحو 3.7 مرات لدى مرضى السكري من النوع الأول، و6.5 مرات لدى مرضى النوع الثاني، خصوصًا لمن هم دون 50 عامًا.
يرتبط ارتفاع ضغط الدم بزيادة اضطرابات النبضات القلبية وعدم انتظام ضربات القلب، ما يرفع احتمالات التوقف القلبي المفاجئ.
أكدت تقارير أمريكية أن التدخين يرفع خطر الموت القلبي المفاجئ إلى ثلاثة أضعاف.
أما السجائر الإلكترونية، فرغم أن تأثيرها الكامل لا يزال قيد الدراسة، فإن الأبحاث تشير إلى أن بعض مكوناتها الكيميائية قد تُربك كهربية القلب وتزيد خطر اضطراب النظم القاتل.
مع انتشار مشروبات الطاقة بين الشباب، بدأت التقارير الطبية تربطها باضطرابات نظم القلب وارتفاع ضغط الدم وحتى الجلطات القلبية.
وتحتوي هذه المشروبات على جرعات مرتفعة من الكافيين والمنبهات والسكريات، ما قد يرهق القلب خصوصًا عند الإفراط في استهلاكها.
وفي إحدى الحالات المنشورة عام 2025، تعرض شاب يبلغ 24 عامًا لتوقف قلب مفاجئ بعد ساعات من تناوله كمية كبيرة من مشروبات الطاقة، نتيجة رجفان بطيني حاد.
لا يهاجم التوتر النفس فقط، بل قد يمتد تأثيره إلى القلب والأوعية الدموية. فالدراسات تشير إلى أن القلق المزمن يرفع خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة تصل إلى 61%، نتيجة تأثيره على ضغط الدم والكوليسترول وتنظيم الإشارات الكهربائية للقلب.
كما أن ساعات العمل الطويلة والضغط المهني المستمر واضطراب النوم ترتبط جميعها بارتفاع خطر الوفاة القلبية المفاجئة.
وفي تقرير مشترك لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية، جرى ربط العمل لأكثر من 55 ساعة أسبوعيًا بأكثر من 745 ألف وفاة مرتبطة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.
يرتبط الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الوجبات السريعة والمشروبات الغازية واللحوم المصنعة، بارتفاع واضح في خطر أمراض القلب.
وكشفت دراسة أمريكية نُشرت عام 2026 أن الأشخاص الذين يتناولون أكثر من 9 حصص يوميًا من هذه الأطعمة ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بمشكلات قلبية خطيرة بنسبة 67%.
في المقابل، تؤكد الدراسات أن النشاط البدني المنتظم يقلل خطر الموت القلبي المفاجئ بشكل ملحوظ.
فقد أظهرت أبحاث أن ممارسة الرياضة المتوسطة إلى الشديدة لنحو 4 ساعات أسبوعيًا قد تخفض خطر الوفاة القلبية المفاجئة بما يقارب 49%.
من ناحية أخرى، تلعب التكنولوجيا الحديثة -رغم فوائدها العديدة- دورًا مهمًا في التأثيرات السلبية على صحة المستخدمين، إذ تشير الدراسات إلى أن المكوث الطويل أمام الشاشات لا يقلل من النشاط البدني فحسب، بل يغير من العمليات الأيضية في الجسم، فوقت الجلوس الطويل، خاصة أمام الشاشات، يرتبط بزيادة ملحوظة في خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري من النوع الثاني.
وأظهرت التحليلات التلوية (Meta-Analysis) -وهي أسلوب إحصائي كمي يدمج نتائج دراسات مستقلة متعددة تتناول سؤالًا بحثيًا واحدًا، بهدف استخلاص استنتاجات أكثر دقة وموثوقية حول حجم التأثير- أن الأفراد الذين يقضون أكثر من 8 ساعات يوميًا في وضعية الجلوس يواجهون خطرًا متزايدًا للوفاة المبكرة بنسبة تشابه خطر السمنة والتدخين.
كما أدى الارتباط المفرط بالوسائل التقنية إلى ما يعرف بـ "الإحباط الرقمي" وزيادة مستويات القلق، وهو ما يؤثر بشكل غير مباشر على العمر المتوقع عبر السلوكيات الانتحارية أو إهمال الذات.
فهناك علاقة طردية بين زيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق لدى الشباب. إذ إن الاستخدام الكثيف (أكثر من 3 ساعات يوميًا) يعرض المراهقين لخطر متزايد لمشاكل الصحة العقلية، مما يؤدي إلى تراجع الرضا عن الحياة واضطرابات النوم التي تضعف الجهاز المناعي.
علاقة طردية بين زيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق لدى الشباب (بيكسلز)ووفقًا لمراجعة شاملة نُشرت في المركز الوطني لمعلومات التقانة الحيوية، فإن الإدمان الرقمي يرفع أخطار الوفاة الناتجة عن السلوكيات الانتحارية بشكل حاد. حيث تشير الدراسة إلى أن الأفراد الذين يعانون من "إدمان الإنترنت" هم أكثر عرضة بنسبة 2.81 مرة للإبلاغ عن محاولات انتحار مقارنة بأقرانهم.
وفي دراسة حديثة عرضت في الدورة العلمية السنوية للكلية الأمريكية لأمراض القلب، تم الربط بين وقت الشاشة والمؤشرات الحيوية القاتلة. وتقول الإحصائية التي عرضتها الدراسة إن الشباب الذين يقضون 6 ساعات أو أكثر يوميًا أمام الشاشات (خارج نطاق العمل أو الدراسة) لديهم مؤشرات أسوأ بكثير في ضغط الدم، والكوليسترول، ومؤشر كتلة الجسم.
كما أثبتت الدراسة أن قضاء الوقت المفرط على الشاشات هو عامل خطر مستقل يؤدي لتصلب الشرايين والوفاة المبكرة بالسكتات القلبية، حتى وإن كان الشخص يمارس نشاطًا بدنيًا خلال اليوم.
إضافة إلى ذلك أصدرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بيانات تربط بين "وقت الشاشة الكثيف" وغياب العوامل التي تمنع الوفاة المبكرة، حيث بينت أن الشباب الذين يستخدمون الشاشات لأكثر من 4 ساعات يوميًا لديهم احتمالية أقل بنسبة 60% للحصول على نوم كافٍ أي (أقل من 7 ساعات)، مما يرفع خطر الوفاة المفاجئة واضطرابات الجهاز العصبي.
يمكن اتباع مجموعة من الإرشادات الموصى بها لتجنب خطر التعرض لوفاة القلب المفاجئ:
يمكن لعصر التكنولوجيا الذي يفرض نفسه واقعًا نحياه بتسارع منقطع النظير أن يصبح أداة تساعدنا لمواجهة المشكلات الصحية الطارئة والمتسارعة هي الأخرى، فكيف يمكن للتكنولوجيا ممثلةً بالذكاء الاصطناعي -بطل المرحلة الحالية- أن تلعب دورًا في تجنب الموت المفاجئ للقلب:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة