آخر الأخبار

مسارات أدب الرعب في الثقافة العربية من الجن إلى الخيال العلمي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مقاله المرجعي "الرعب الخارق للطبيعة في الأدب" الصادر عام 1927، يقول هوارد لافكرافت، وهو أحد الآباء المؤسسين للرعب في الأدب الحديث: "أقدم وأقوى عاطفة عرفها الإنسان هي الخوف، وأقدم أنواع الخوف هو الخوف من المجهول. هذا الخوف لا ينبع من وحش مرئي، بل من انكسار قوانين العالم المألوف، حين يدرك العقل أن ما ظنه ثابتا لم يكن كذلك وأن خلف الواقع طبقات لا يمكن للعقل الإنساني الإحاطة بها"

أصبحت هذه النظرية المفتاح السحري لكتاب روايات الرعب في العالمين الغربي والعربي، وبقي التحدي الأهم هو أن تجد فتحة الباب المناسبة التي تأخذك لصناعة شخوص وأحداث مرعبة قادرة على استثارة الخوف إلى درجة الرعب في نفس القارئ.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا انتصر المسلسل على الفيلم؟
* list 2 of 2 "الهلال الأسود".. كيف قاد المسلمون الأفارقة ملاحم الصمود والثورة في العالم الجديد؟ end of list

إن الرعب والإثارة أداتان شبيهتان بسهم تخدير، إما أن يصيب هدفه بدقة أو يسقط دون تأثير، وفي العالم العربي، يقف كاتب روايات الرعب أمام تحد كبير وهو أن يكون راميا ماهرا ذا حنكة وخيال، لأنه يستهدف جمهورا خبر رعبا حقيقيا، لا خياليا، في الحروب والمجازر وجرائم المستعمرين على مدى عشرات السنين.

مصطلح الخرافة لدى العرب مرتبط ارتباطا وثيقا منذ القدم بحكايات الجن

الجن، بطل الرعب في الذاكرة العربية

ليس من اليسير تتبع تاريخ روايات الرعب في الأدب العربي في فترة مبكرة من الإسلام أو قبله، خاصة أن التاريخ في تلك الفترة كان شفويا في غالبه، لكن يمكن العثور على حزمة من أحاديث الجن والغيلان بأنواعها في كتب السيرة والتاريخ في العصور الأولى من الإسلام التي تتحدث عن خرافات أبطالها من الجن.
مصطلح الخرافة لدى العرب مرتبط ارتباطا وثيقا منذ القدم بحكايات الجن، ذلك الكائن الخارق في الزمان والمكان والذي له القدرة على افتعال الشر حسب الوعي الجمعي العربي.

يُنسب أصل كلمة خرافة حسب ما جاء في الأثر إلى اسم رجل، وجاء في كتاب "الجليس الصالح" للمعافي بن زكريا أن عائشة رضي الله عنها قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت إحداهن: يا رسول الله، هذا حديث خرافة، قال: "أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجن فمكث فيهم دهرا ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة"

إعلان

تُمثل الحكايات المنقولة عن الجن نواة أدب الرعب العربي، رغم أن تلك الروايات لا تحمل المفهوم الحديث لهذا الصنف الأدبي.

ويقول الكاتب محمد عبد العليم في كتابه "تاريخ الرعب العربي": إن "الأدباء العرب والمصريين بشكل خاص المتخصصين في كتابة الرعب أو الفانتازيا (Fantasy) بشكل أخص، يقتبسون كثيرا من الأفكار والثيمات (Themes) الغربية في أعمالهم، وهذا بالطبع لا خطأ فيه، ولكن قد لا يعلم الكثير منهم أن التراث العربي يمتلئ حتى حافته بثيمات الرعب المخيفة والتي قد تشكل طفرة نوعية في مجال أدب الرعب والفانتازيا إذا ما أحسن استغلالها.

وقد كانت للعرب الكثير من الحكايات والخرافات عن الجن حفظتها لنا كتب التاريخ والأدب. كانت العرب المستعربة تتناقل حكايات الجن التي تناقلوها عن العرب العاربة الذين بدورهم تأثروا فيها بما وصل إليهم من ثقافات الفرس والهند والأجناس الآرية"

مصدر الصورة غلاف كتاب تاريخ الرعب العربي لمحمد عبد العليم (الجزيرة)

ينسج العقل العربي صورا متخيلة للجن والغول وسائر الشخوص الغريبة الأخرى، في صياغات مبالغ فيها تضخم حضورها وتسبغ عليها ألوانا من الخوارق

يقول بحث بعنوان "الجن في الأدب العربي" للباحثة نهاد توفيق نعمة: "لا تختلف تصرفات الجن في الحكايات عن تصرفات الإنس. وأساليب الحكايات التي يتناول فيها القصاص أخبار الإنس هي نفسها التي يعالج بها أقاصيص الجن.

فهم يشابهون الإنس في أهوائهم ونزعاتهم وبوادرهم. يكرهون ويحبون، ينقمون ويعطفون، يكيدون ويسعفون، يحققون مآربهم حتى تنتهي الحكاية. فكأنهم مسخرون للأبطال من الإنس، وقد يحضر الجن لخلق أزمة في الحكاية ويقودون الإنس إلى تحمل عواقبها وحل عقدها"

فصّل ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" في باب كامل قصة خلق الجن وقصة الشيطان ونقل أحاديث نبوية عن ملازمة الشيطان للإنس.

أما الإمام النووي فيروي في شرحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشيطان ينتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئا وأطفئوا مصابيحكم"

كما يذكر النووي أيضا أن رسول الله قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة"

كانت العرب العاربة تعتقد أن تزاوجا حدث بين الجن والبشر نتج عنه بشر تعود أنسابهم إلى الجن

أصبح العقل العربي، بوصفه استجابة طبيعية لحالة العجز أمام القوى الخارقة للكائنات الماورائية، وللخوف من المجهول والمبهم في أشكاله وطبيعته، ينسج صورا متخيلة للجن والغول وسائر الشخوص الغريبة الأخرى، في صياغات مبالغ فيها تضخم حضورها وتسبغ عليها ألوانا من الخوارق، وتربطها بصورة غير مباشرة بالظلام والخراب والموت. ومن ثم ينشأ الخوف، بوصفه حالة نفسية وطوعية، متطابقا مع هذه الكائنات ورمزيتها.

يقول كتاب "تاريخ الرعب العربي": "كانت العرب العاربة تعتقد أن تزاوجا حدث بين الجن والبشر نتج عنه بشر تعود أنسابهم إلى الجن، وكانوا يعتقدون أن قبائل العرب البائدة كلها ترجع نسبها إلى الجن مثل جرهم وثمود والعماليق، وقد اندثروا لأن مساكنهم مسكونة بالجان، وحرموا الاقتراب منها كما هو الحال في الحجر والأحقاف ووادي صيدو وبدرين ووادي عبقر. ومن هنا جاءت فكرة اعتبار القبور والأماكن المهجورة والأماكن الخربة بشكل عام مواطن للجن والعفاريت"

مصدر الصورة بئر برهوت في اليمن حيث يقال إنها قعر جهنم المسكونة بالجن (جيتي)

لم تكن الجن والشياطين أبطال روايات الرعب العربية فحسب، بل نجد بطلا آخر إذا صح التعبير، وهو الليل الذي طوعه أحمد خالد توفيق بعبقرية

من ليل السمر إلى ليل الرعب.. تحول فكرة الليل في أدب أحمد خالد توفيق

رغم أن آليات الرعب والشخوص المخيفة قد عششت في العقل العربي لمئات السنين إلا أنه لا يوجد تيار أدبي كامل وقائم بذاته لتدوينها، وبقي الأمر على هذا الحال إلى أواخر القرن الماضي.

إعلان

هناك، وعند الحديث عن روايات الرعب في الأدب العربي، يستحضر القراء الروائي المصري أحمد خالد توفيق، وهو من مؤسسي هذا الجنس الأدبي في الرواية العربية الحديثة، وربما الروائي العربي الأول الذي حول فكرة الليل من زمن للسمر ولقاء الحبيب في الوعي الجمعي العربي القديم إلى زمن يؤسس للغموض والخوف والموت في الوعي الجمعي العربي الحديث.

بدأ أحمد خالد توفيق سلسلة روايات الرعب بعنوان "ما وراء الطبيعة" عام 1993، وكان بطل تلك الرواية الرئيسي رفعت إسماعيل وهو طبيب يعارض الخرافات والأساطير، لكنه يجد نفسه في مواجهة معها.

ويتشارك مع الطبيب رفعت إسماعيل في مغامراته المرعبة شخصيات أخرى مثل الأنثروبولوجي (Anthropology) محمد شاهين والكاهن هن تشو كان والمحتال اليهودي سام كولبي وشخصيات أخرى تأتي وتذهب حسب حبكة حكايات السلسلة.

يمكن أن يحل الليل محل الجان والشياطين وبقية المخلوقات المرعبة التي تخلق حضورا مرعبا بدورها

في الواقع، لم تكن الجن والشياطين أبطال روايات الرعب العربية فحسب، بل نجد بطلا آخر إذا صح التعبير، وهو الليل الذي طوعه أحمد خالد توفيق بعبقرية عالية؛ ليخرجه من مجرد إطار زماني للأحداث وينفخ فيه روح إحدى الشخصيات في رواياته.

فغموض الليل وسكونه وسواده يؤسسان لزمن مناسب لأحداث مرعبة، وغالبا ما تتجلى أحداث الرعب في روايات الرعب عموما في الليل أو في مكان يتشارك مع الليل في صفات الغموض والسكون مثل القلاع المظلمة والبيوت المهجورة والمقابر.

يقول الباحث غالب كاظم العلوي في بحث بعنوان "دراسة رعب الأزمنة: الليل أنموذجا – قراءة في روايات سلسلة ما وراء الطبيعة": "قدّم الليل للروائي البيئة المناسبة لخلق طور جديد من الأدب وتحديدا أدب الرعب، ومن خلال أيديولوجية زمن الليل في إحداث ظواهر خارقة للعادة، يقوم الكاتب باستغلال تلك الخصائص وتلك التجليات لبرهنة هذا الأدب في الرواية العربية. وأما الروائي المبدع أحمد خالد توفيق، فكان على درجة عالية من الاستيعاب الأدبي، ورواياته في سلسلة ما وراء الطبيعة كانت خير دليل على ذلك.

ومن الجلي أن مفهوم أدب الرعب ناتج عن اختلال الطبيعة الأساسية للإنسان، أي من طبيعة الهدوء والسكينة إلى طبيعة الحركة المثيرة التي تنشأ من مواقف ينسجها الكاتب في خياله الليلي والتي تنتج الأبعاد الثالثة: دلالة الليل ومدلوله والغاية منه، من خلال توظيف ما هو محسوس، والإبداع في إنتاج ما هو غير محسوس وغزله بخيوط الخوف والظلام السائد في فضاء الليل، ويعتبر الليل من أروقة الزمن الهامة في روايات أحمد توفيق".

يمكن لليل أن يحل محل الجان والشياطين وبقية المخلوقات المرعبة التي تخلق حضورا مرعبا بدورها، رغم أنه لا يمكن اعتباره بطلا محسوسا أو كائنا خارقا، فليس من الضروري أن يقترن الليل بخروج شخوص مرعبة، إذ تكفي براعة الراوي في تحريك الرعب من المجهول، الذي يجسد الليل بيئة مناسبة له، من خلال حبكة قصصية فريدة، يمكن أن تستحضر الخوف حتى لدى القارئ الذي ينفي وجود الجان أو الخوارق الطبيعية.

أحد أسباب إقبالنا على أفلام الرعب هو الرغبة في التحفيز

التأثر بالروايات الغربية، بين النسخ والاستنساخ

يمثّل الموروث الثقافي العربي والإسلامي مشتل قصص الرعب للرواة العرب، غير أن ظلال أدب الرعب الغربي واضحة في روايات عربية كثيرة.

ومن المهم الإقرار أن الرعب يتأصل في وجدان الإنسان في تشابك معقد مع الموروث الثقافي والديني، ليس ذلك فحسب، بل دخل التطور العلمي في تلك الشبكة المعقدة، وخلق ما يسمى بقصص الخيال العلمي في تشابكت مع قصص الرعب التي تحولت فيما بعد لأفلام لاقت شهرة واسعة.

يذكر الباحثان هايانغ يانغ وكوانغجي تشانغ في مقال بعنوان "علم النفس وراء حبنا أو كرهنا للرعب"، نُشر في مجلة "هارفارد بزنس (Harvard Business Review)": إن "أحد أسباب إقبالنا على أفلام الرعب هو الرغبة في التحفيز. فالتعرض لأحداث مرعبة، أو حتى مجرد توقعها، يحفزنا ذهنيا وجسديا بطرق متناقضة: سلبية (على شكل خوف أو قلق) أو إيجابية (على شكل إثارة أو فرح). فمشاهد الرعب تفعّل كلا النوعين من التحفيز في آن واحد، حيث تبلغ المتعة ذروتها في اللحظة الأكثر رعبا"

النقّاد العرب نظروا إلى أدب الخيال العلمي كأدب ملعون منذ البداية

في السياق الحديث، تأثر مؤلفو روايات الرعب العربية بالعنصر الجديد في قصصهم أي الخيال العلمي، ودمجوه حتى أصبح جزءا يصنع الرعب إلى جانب عناصر تقليدية مثل الجان والشياطين.

إعلان

تقول الباحثة هند إسماعيل أحمد البدوي في بحث بعنوان "تأثير الأدب الأمريكي في نشأة القصص البوليسية والجاسوسية وقصص الرعب في الأدب العربي، دراسة نقدية مقارنة نماذج مختارة": إن أدب الخيال العلمي بصيغته الحديثة دخل إلى أدبنا العربي من بابه الخلفي، إذ إن النقاد العرب نظروا إليه كأدب ملعون منذ البداية.

كما أن هذا الأدب دخل بتأثير الأدب الغربي بعد أن اطلع عليه مثقفون وأدباء عرب، إن النقد العربي المعروف بتبعيته للنظريات الأدبية الغربية قد اتخذ الموقف ذاته الذي كان بعض نقاد الغرب قد اتخذوه من أدب الخيال العلمي. لكن لحسن الحظ، لم يمنع ذلك عددا من الأدباء العرب من خوض تلك التجربة وهم يعلمون ما ينتظرهم من وراء ذلك من تقريع، والاتهام الباطل بالجموح في الخيال أو بتشويه العلم، أو القول بأن أدب الخيال العلمي هو في الأصل علم وليس أدبا، أو أنه أدب وليس علما.

شخصية مصاصي الدماء مرتبطة بالأدب القوطي، وهي حاضرة في "سلسلة ما وراء الطبيعة"

سار الروائي المصري أحمد خالد توفيق في دمج الخيال العلمي والكثير من عناصره الغربية في سلسلة ما وراء الطبيعة وجعل بطله الرئيسي رفعت إسماعيل حاضرا في مغامرات الخيال العلمي المرعب مثل أسطورة الغرباء وأسطورة الشيء وأسطورة (###099).

ويقول الباحث دينر راديسوفيتش في دراسة بعنوان "أحمد خالد توفيق: رواية يوتوبيا كمثال هام على الموجة الجديدة للخيال العلمي في الأدب العربي": "لم يكن الخيال العلمي، كنوع أدبي، في طليعة الأدب العربي قط. إلا أنه في الوقت الراهن، يُمثل هذا النوع الأدبي عصره وخلفيته الثقافية، ويشهد ازدهارًا ملحوظًا، مع ظهور العديد من المؤلفين الجدد في العالم العربي، ونشر أعمالهم وترجمتها بنشاط إلى الإنجليزية ولغات أخرى"

مصدر الصورة غلاف "أسطورة (###099) " لأحمد خالد توفيق (الجزيرة)

لقد اعتمد أحمد خالد توفيق وكتاب عرب آخرون على شخصيات استلهموها من أدب الرعب الغربي وحاولوا إنشاء شخصيات غريبة الأطوار والهيئة ومجهولة المعالم شكلها مخيف مثل مصاصي الدماء والمومياء التي تدب فيها الحياة.

وهي شخصيات سبق لروايات الرعب الغربية والأفلام أن استحضرتها، فشخصية مصاصي الدماء مرتبطة بالأدب القوطي، وهي حاضرة في "سلسلة ما وراء الطبيعة"، مما يعني تأثر مؤلفها بهذا النوع من الأدب.

تقول الباحثة تغريد العتيبي في دراسة بعنوان "مقدمة في فلسفة الرعب: الجليل القوطي": إن "المفهوم الغربي لأدب الرعب يتأصل بما يعرف بالقوطية (Gothic) وهي مفردة تترجم حرفيا إلى قوطي، ولكن لعدم وجود رمزية صورية وذهنية أو أساس متأصل لجماليات القوطية (Gothic) في مخيلتنا العربية، إضافة إلى عدم وجود دراسة منهجية أو تنظيمية لأصناف منتجات الرعب.

يمكن استخدام مصطلح أدب الرعب لتكونه لدينا ذهنيا بمفهوم خاص، قد يستدعي الموروث الشعبي والثقافي كقصص الجن، وإبداعيا كروايات ما وراء الطبيعة لأحمد خالد توفيق، رائد أدب الرعب والقوطية العربية والأشهر في كتابات الفانتازيا والخيال العلمي العربي"

من المغالاة القول إن مؤلفي روايات الرعب العربية قد نسخوا نسخا حرفيا لكل الخيوط التي نسجت روايات الرعب الغربية، ولكن يمكن القول بشيء من اليقين إن هناك استنساخا واضحا متولدا عن عناصر الرعب في الروايات الغربية.

إن إدراك رواة قصص الرعب العربية أن تلك الخيوط غريبة على القارئ العربي، جلي في حبكة تلك الروايات، لذلك لم يكن الطابع القوطي في روايات الرعب العربية غربيا خالصا.

الرعب المرتبط بأمراض نفسية، وهو نوع انتشر في روايات الرعب الغربية منذ القرن الماضي

تقول الباحثة وكسان دوغلاس في دراسة بعنوان "وضع كتابات النساء العربيات في سياق قوطي عالمي نسوي: الجنون، والأمهات، والأشباح": إن "هناك أدلة متزايدة على ظهور أدب قوطي عابر للثقافات والحدود.

فالأدب القوطي النسوي العربي هو نوع أدبي أصيل، ولكنه لم يسلم من تقلبات التبادل الثقافي. لكن العولمة مع ذلك تغير هذه الاستعارات القوطية، حيث أن زيادة حركة الثقافة وسيولتها تؤدي إلى ظهور أشكال قوطية جديدة. إن انخراط المرأة الخاص في الأدب القوطي، يُعاد استخدامه وإعادة ابتكاره من قبل الكاتبات. ويظهر الأدب القوطي النسوي العربي كرد فعل على مناهج نسوية عربية محددة وتاريخ ثقافي محلي، والذي يتضمن جوانب من الشكل القوطي الأنغلو أوروبي"

في رواية "متاهة مريم" للكاتبة المصرية منصورة عز الدين، تتجلى القوطية في ناحيتين: الأولى أرستقراطية عائلة التاجي، التي يمثل أفرادها حلقة متينة في الرواية، والثانية من خلال القصر المخيف الذي تعيش فيه العائلة.

إعلان

لم يمثل حضور الطابع القوطي في رواية "متاهة مريم" العنصر الوحيد المثير للرعب في الرواية، بل اعتمدت مؤلفتها على نوع آخر من الرعب وهو الرعب المرتبط بأمراض نفسية، وهو نوع انتشر في روايات الرعب الغربية منذ القرن الماضي.

كما اعتمدت المؤلفة شيرين هنائي في روايتيها "صندوق الدمى" و"نكروفيليا" على عنصر الرعب النفسي أيضا، وهو كما أشرنا مكون أساسي في روايات الرعب الغربية الحديثة.

ولم يحد الكاتب أحمد مراد في روايته الشهيرة "الفيل الأزرق" عن هذا النهج، حيث يجد يحيى بطل قصته، وهو طبيب نفسي، نفسه في مواجهة حالات نفسية غامضة ومرعبة.

مصدر الصورة غلاف رواية "الفيل الأزرق" للكاتب أحمد مراد (الجزيرة)

أصبح أدب الرعب العربي خلال الثلاثين عاما الماضية حاضرا بقوة على رفوف المكتبات العربية

تقول الباحثة تغريد العتيبي في دراسة بعنوان "مقدمة في فلسفة الرعب: الجليل القوطي": "إننا لا نحصر أدب الرعب في الاعتماد على علو القلاع القوطية الكلاسيكية وإنما الهاوية القامعة للجبل المرعب، قد تكمن في المصحات النفسية أو المصانع الهائلة أو في الفضاء المتناهي، فكل تلك القوى الحديثة تؤدي إلى انكماش الذات وتلاشيها حين تقف عاجزة حيال ما ترى وتواجهه. فالعاقل يصاب بالجنون ويصبح جزءا من سجناء القصة، والعالم يصبح سجين الآلة، وهكذا تتكرر الحبكة في الهاوية"

أصبح أدب الرعب العربي خلال الثلاثين عاما الماضية حاضرا بقوة على رفوف المكتبات العربية، وقد أدى الإقبال اللافت من القارئ العربي على هذا الجنس الأدبي، الذي يعد حديث العهد نسبيا في العالم العربي، إلى طرح تساؤلات حول الآثار النفسية التي قد يولدها.

فهل يظل مجرد محفز للأدرينالين (Adrenaline) ينتهي أثره بانتهاء الرواية، أم أنه أدب يترك بصمات نفسية سلبية على القارئ العربي، الذي كان ولا يزال يختبر أشكالا من الرعب الحقيقي، لا المتخيل؟"

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار