يستعيد يوم المعلم قصص معلمي خمسة من كبار الأدباء الروس، ممن تركوا أثرا في تكوينهم وفتحوا أمامهم أبواب المعرفة والأدب.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

بوشكين: تعليم منزلي مضطرب

نشأ ألكسندر بوشكين في بيت لم يهتم أحد فيه بتعليم الأطفال اهتماما جادا. وكتب يوري لوتمان أن بوشكين لم يخرج من التعليم المنزلي إلا بإتقان رائع للفرنسية.

تعاقب على البيت مربّون أوروبيون، منهم الفرنسي الكونت مونتفورت الذي أكثر من الحديث مع الأطفال بلغته الأم، فيروي لهم حكايات الفرسان ويلاعبهم ألعاب الكلمات. ولذلك أتقن بوشكين الفرنسية وكتب بها أولى قصائده. وبعده درّس اللاتينية والفرنسية معلمون هم روسلو ثم شيدل ثم لودج، وعلّمته الإنجليزية المربية مس بيلي. أما الروسية والرياضيات فتولاهما الكاهن ألكسندر بيليكوف من معهد ماريينسكي، وكان من أفضل معلمي عصره، ونال أكثر من مرة تكريم الإمبراطورة ماريا فيودوروفنا، وترجم إلى الروسية عظات رجال دين أجانب، وشارك في إصدار قاموس روسي-لاتيني.

مصدر الصورة الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين / Sputnik

ورغم فوضى تعليمه، اجتاز بوشكين امتحانات القبول في ليتسيه تسارسكوي سيلو بنجاح. وأبدى صديقه إيفان بوشتشين دهشته من سعة اطلاعه، وقال: "رأينا جميعا أن بوشكين سبقنا، فقد قرأ الكثير مما لم نسمع به، وكان يتذكر كل ما قرأه". ويعزو كتّاب سيرته هذه الثقافة إلى مكتبة أبيه الكبيرة، التي قضى فيها وقتا طويلا يقرأ بالروسية والفرنسية.

ليرمونتوف: صف دراسي في ضيعة الجدة

قضى ميخائيل ليرمونتوف طفولته في ضيعة العائلة بتارخاني، وربّته جدته إليزافيتا أرسينيفا التي أخذت تعليمه بجدية. جهّزت في الضيعة غرفة للدروس واستقدمت أفضل المعلمين، روسا وأوروبيين. وكان أول مربٍّ له الفرنسي جاكو، ثم دعت الجدة الفرنسي جان كابيه من بطرسبورغ. وعاش في الضيعة كذلك العالم ليفي والمربي فينسو والألمانية كريستينا ريمر، وهي امرأة متدينة صارمة علّمته الألمانية.

مصدر الصورة بورتريه للشاعر الروسي ميخائيل يوريفيتش ليرمونتوف (1814-1841) / / Gettyimages.ru

وكان الفتى شغوفا بالدراسة. كتب إلى عمته: "أظن أنه يسرّك أنني أتعلم في النحو الروسي قواعد الجمل وأُكلَّف بالتأليف، ولا أكتب لك هذا تباهيا بل لأنه سيسرّك. وأدرس الجغرافيا الرياضية، أتعلم الدرجات والكواكب وحركتها على مجسم الكرة السماوية، وقد أفادتني دراستي السابقة للتاريخ كثيرا".

ولكي لا يشعر حفيدها بالملل، دعت الجدة أبناء الجيران من أقرانه إلى الدروس، فصار في الضيعة ما يشبه صفا كاملا، نحو عشرة فتيان بمن فيهم ليرمونتوف، يدرسون النحو والتاريخ والرياضيات والجغرافيا واللغات الأجنبية. وكان يرسم ويعزف الكمان والبيانو، وتدفع أرسينيفا أجور جميع المعلمين.

وتابع دراسته في المعهد الداخلي بموسكو، فأعدّه أساتذة جامعيون نحو عام كامل لدخوله، منهم ألكسي زينوفييف الذي درّسه الروسية واللاتينية والتاريخ والجغرافيا، وعرض عليه الشاعر الشاب أولى قصائده. وأعطاه دروسا خاصة ألكسي ميرزلياكوف، أستاذ الأدب وعميد قسم العلوم الأدبية في جامعة موسكو، وهو ناقد وشاعر ومترجم كرّس حياته لدراسة الأدب وتدريسه. وكان قد افتتح في مطلع القرن التاسع عشر دورات عامة مجانية عن تاريخ الشعر ونظريته، حظيت بإقبال واسع من الطلاب والنخبة الاجتماعية.

تولستوي: بين المربي الصارم والمعلم المتعاطف

يُتّم ليف تولستوي مبكرا، فقد ماتت أمه وهو في الثانية إلا نصف، وتوفي أبوه وهو في التاسعة. وتولّت عمّاته تربيته مع إخوته، ولم يبخلن على تعليمهم فاستقدمن 11 معلما منزليا. وأحاط به معلمون أجانب، وبدأ الدراسة في الخامسة مع معلمي إخوته الأكبر. واعترف لزوجته صوفيا بأنه كان ضعيفا في دروسه المنزلية، لأن فارق السن بين التلاميذ جعل الكبار ينالون اهتماما أكبر.

مصدر الصورة الكاتب الروسي ليف تولستوي / Gettyimages.ru

وكان أول مربٍّ له الفرنسي سان توما، الذي وصل من فرنسا دون أن يعرف الروسية، ثم أتقنها في عام واحد. أحبّ روسيا واهتم بحياتها وتقاليدها وحلم بزيارة مدنها، لكنه كان صارما في عمله. فقد اشترط عند التحاقه بالأسرة: "يجب أن تكون لي سلطة كاملة وهيبة لا تُنازَع، بحيث تكفي عبارة (سيُبلَّغ السيد سان توما بهذا) لاستعادة النظام". وعلّم الصبية الفرنسية واللاتينية، وكان يصحب الأخوين الأكبرين نيكولاي وسيرغي إلى دروس الجمباز وركوب الخيل.

لم يرتح تولستوي إلى معلمه. ويروي الباحث الأدبي بافيل باسينسكي في كتابه "ليف تولستوي: الهروب من الجنة" أن سان توما أراد ذات مرة معاقبة الصغير على درس لم يحفظه، فحبسه في خزانة وهدده بالجلد. وقد هزّت الواقعة الطفل، وكتب لاحقا: "لعل هذه الحادثة كانت سبب الرعب والنفور من كل أشكال العنف، وهو ما أشعر به طوال حياتي".وكان شعوره مختلفا تماما تجاه معلم آخر، الألماني فيودور روسيل، النموذج الأولي لشخصية كارل إيفانوفيتش في " الطفولة "، "الألماني ذي الوجه الطيب". وقد تعاطف تولستوي منذ صغره مع هذا الرجل صاحب المصير التعيس، الذي ذهب إلى الخدمة العسكرية بدلا من أخيه، ووقع في الأسر، وهرب، واضطر إلى مغادرة وطنه. كتب تولستوي: "يا له من شيخ مسكين! نحن كثيرون نلعب ونمرح، وهو وحيد تماما، ولا أحد يحنو عليه".

دوستويفسكي: دروس البيت وبداية الاهتمام بالأدب

ينحدر فيودور دوستويفسكي من أسرة نبيلة عريقة لكنها غير ثرية، وكان تعليم الأبناء مهما لوالديه. ونشأ مع أخيه الأكبر ميخائيل، الذي يكبره بعام، يتعلمان معا. وتلقيا الدروس الأولى من والديهما: القراءة والكتابة وأسس الحساب واللغات الأجنبية. وروى الأخوان أن أمهما ماريا علّمتهما القراءة بكتاب "104 قصص مقدسة من العهدين القديم والجديد"، وأن أباهما علّمهما اللاتينية.

مصدر الصورة الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي / Gettyimages.ru

ثم استُدعي لهما معلمون من آل دراشوسوف، من مدارس بطرسبورغ. درّس نيكولاي دراشوسوف الفرنسية، وعلّم ابنه الأكبر ألكسندر الرياضيات، والأصغر فلاديمير الأدب. وكان نيكولاي فرنسي الأصل، يحمل رتبة مستشار فخري، وأدار مدرسة داخلية للصبية كان يعلّم فيها بنفسه. وأصبح ابنه ألكسندر لاحقا من أوائل علماء الفلك الروس، ومديرا لمرصد موسكو الذي جعله مؤسسة بحثية متكاملة. أما فلاديمير فصار ناشرا ومحررا معروفا، عمل في صحيفة "موسكوفسكي غورودسكوي ليستوك" ونشر فيها مقالات لهيرتسن وغريغوروفيتش وأوستروفسكي وغيرهم.

وذكر أندريه، الشقيق الأصغر للكاتب، أن معلما آخر كان يزور البيت، هو شماس يعلّم الأخوين الدين. وكان راويا بارعا، يحكي أحيانا ساعات عن قصص الكتاب المقدس حتى إن "الوالدة كانت تترك عملها وتبدأ بالاستماع، بل بالتحديق في المعلم المتحمس".

تورغينيف: معلم التاريخ الذي كان شاعرا

وُلد إيفان تورغينيف في أسرة ثرية نبيلة، وأحاط به مربّون فرنسيون وألمان منذ طفولته. وكان لأمه فارفارا تأثير كبير في تعليمه وتنشئته، وقد اتسمت بالصرامة وسرعة الغضب. وتذكّر تورغينيف: "كانوا يعاقبونني على أتفه الأمور، وباختصار كانوا يدرّبونني كما يُدرَّب المجنَّد".

وكانت أمه مثقفة تقرأ الروايات الأجنبية بلغاتها الأصلية، وتخاطب أبناءها بالفرنسية في الغالب. حتى إن أباه تعجّب في رسالة إليهم: "تكتبون لي دائما بالفرنسية أو الألمانية، فلماذا تهملون لغتنا الأم، وإن كنتم ضعافا فيها؟ هذا يدهشني".

عاش آل تورغينيف في أوروبا منذ كان إيفان في التاسعة، ثم عادوا إلى روسيا ليتعلم الابن. واستُقدم له معلمون في الروسية واللاتينية والفرنسية والرياضيات والرقص، وكان يومه مقسما إلى دروس متتابعة: لغات روسية وأجنبية، وجغرافيا، وتاريخ، وجبر، ورسم. وفي الثانية عشرة كان يتحدث عدة لغات بطلاقة ويقرأ الفلاسفة الأوروبيين بلغاتهم الأصلية.

وبعد التحاقه بمدرسة فايدنهامر الداخلية في موسكو، تابع الدروس المنزلية مع معلمين كان معظمهم يعمل في المدرسة نفسها. وكان أحدهم إيفان كليوشنيكوف، الذي درّسه التاريخ الروسي. وهو شاعر معروف وعضو في حلقة ستانكيفيتش الأدبية، وكان بيلينسكي يضع شعره في مرتبة شعر ليرمونتوف وكولتسوف ويعدّه من أبرز شعراء العصر. واحتفظ تورغينيف بتقدير كبير لمعلمه، وظل على صلة به بعد أن كبر

المصدر: Культура.РФ