في قلب التحولات التكنولوجية الكبرى التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، لم يعد مفهوم السيادة مقتصرا على الحدود الجغرافية أو القوة العسكرية فحسب، بل امتد ليشمل "السيادة المعرفية الرقمية". ومن هذا المنطلق، أطلقت دولة قطر مشروع "فنار" (Fanar)، وهو نموذج لغوي عربي ضخم "إل إل إم" (LLM) يمثل حجر الزاوية في طموح الدوحة لبناء "عقل رقمي" مستقل يحمي لغتها ويعزز هويتها ويؤمِّن بياناتها الوطنية.
تعاني النماذج اللغوية العالمية الحالية، رغم تفوقها التقني، من تحيزات ثقافية ناتجة عن تغذيتها ببيانات تعكس القيم والرؤى الغربية بشكل أساسي، وقد يؤدي هذا الانحياز إلى تقديم إجابات لا تتوافق مع الخصوصية الثقافية للمنطقة العربية، أو تُخفق في فهم الدلالات العميقة للغة الضاد وتنوع لهجاتها.
فجاء "فنار" كاستجابة استراتيجية ضمن "الأجندة الرقمية 2030″، ليكون بمثابة المنارة التي ترشد التحول الرقمي القطري بعيدا عن التبعية التقنية، والهدف ليس مجرد إنشاء "شات بوت" عربي، بل بناء بنية تحتية فكرية قادرة على استيعاب ومعالجة المحتوى العربي بذكاء وطني خالص.
1. حماية الهوية واللغة (الحصن الثقافي)
اللغة هي وعاء الفكر، وضياع خصوصيتها في الفضاء الرقمي يعني ذوبان الهوية، لذلك يعمل "فنار" على أرشفة وتوظيف التراث الثقافي القطري والعربي، وتدريب الخوارزميات على فهم السياقات المحلية، والأمثال الشعبية، والقيم المجتمعية. هذا يضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي "ناطقا بالعربية" ليس فقط في الحروف، بل في الروح والمنطق.
2. السيادة على البيانات والأمن القومي
في النموذج التقليدي، تُرسَل البيانات إلى خوادم شركات عالمية خارج الحدود لمعالجتها، مما يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن القومي. ومشروع "فنار" يكرس مبدأ "توطين البيانات"، حيث يتم التدريب والمعالجة داخل بنية تحتية وطنية.
ويمنح هذا الاستقلال قطر القدرة على حماية أسرارها المعلوماتية وبيانات مواطنيها من أي اختراقات أو استغلال تجاري خارجي.
3. من الاستهلاك إلى الإنتاج
لطالما كانت المنطقة العربية "مستهلكا" للتقنية بامتياز، لكن "فنار" يغير هذه المعادلة، حيث يحول قطر إلى "منتج" للتكنولوجيا العميقة (Deep Tech)، وذلك من خلال تطوير نماذج لغوية خاصة، تمتلك فيها الدولة مفاتيح التطوير والتعديل دون الحاجة لانتظار "تحديثات" من وادي السيليكون، مما يعزز الاستقلال الاقتصادي الرقمي.
ورغم الطموح الكبير، يقول الخبراء إن "فنار" يواجه تحديات تقنية، أبرزها "ندرة البيانات العربية عالية الجودة" على الإنترنت مقارنة باللغة الإنجليزية. ومع ذلك، فإن استثمار قطر في مراكز بحثية كبرى مثل معهد قطر لبحوث الحوسبة "كيو سي آر آي" (QCRI) يوفر الدعم العلمي اللازم لتجاوز هذه العقبات عبر ابتكار طرق جديدة لتنقية البيانات وإثرائها.
ولا يعد مشروع فنار مجرد مبادرة تكنولوجية عابرة، بل هو قرار سيادي بامتياز، وإعلان بأن قطر لا تقبل أن تكون مجرد رقم في معادلات الآخرين، بل تسعى لامتلاك "خوارزميتها الخاصة" التي تُعبِّر عن تاريخها وتطلعات مستقبلها، حسب ما وصف المسؤولين القطريين.
وببناء "فنار"، يقول المراقبون إن قطر تضع لبنة أساسية في جدار الحماية الثقافي والرقمي العربي، وهي خطوة نحو مستقبل لا يملي فيه الذكاء الاصطناعي على العرب هويتهم، بل يملي العرب عليه قيمهم ولغتهم.
ففي عالم يقوده الذكاء الاصطناعي، فإن السيادة الحقيقية هي لمن يمتلك العقل الذي يفكر، واللغة التي تشرح، والبيانات التي تحفظ التاريخ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة