آخر الأخبار

بعد أكثر من 550 مليون عام.. العلماء يختبرون "تماسك" منحدرات جبل أحد

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يكفي ذكر "جبل أحد" لتتداعى إلى الذهن القيمة التاريخية والدينية لهذه البقعة من المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية، والتي كانت دافعا مهمّا لفريق بحثي سعودي مصري مشترك، لاختبار صلابة الجبل الذي يحمل بصمات من زمن ولادة الأرض.

وتحمل الدراسة المنشورة في دورية "جيوساينس"، والتي ضمت فريقا بحثيا من جامعات طيبة بالسعودية والأزهر وأسيوط بمصر، طابعا جيولوجيا وهندسيا، إلا أن الخلفية الدينية والتاريخية للجبل، والتي وصفها الفريق البحثي في مقدمة دراسته بـ"الاستثنائية"، كانت حاضرة، كأحد الدوافع الرئيسية لهذه الدراسة التي تقيّم استقرار المنحدرات الصخرية في الجبل، مع التركيز بشكل خاص على منحدر في الجزء الجنوبي، القريب من التجمعات السكانية.

ويمتد الجبل لمسافة تتراوح بين 5 و6 كيلومترات تقريبا من المسجد النبوي، وبالإضافة لقيمته في التاريخ الإسلامي، فهو يمثل سجلا جيولوجيا بالغ القدم يعود إلى بدايات تشكل القشرة الأرضية في شبه الجزيرة العربية، حيث يقع ضمن نطاق الدرع العربي، وهو أحد أقدم التكوينات الصخرية في المنطقة، ويتألف من صخور نارية وبركانية يعود عمرها إلى حقبة ما قبل الكامبري، أي إلى أكثر من 550 مليون سنة، قبل ظهور الحياة المعقدة على الأرض.

ويقول الباحثون في دراستهم إن الجبل شكل حاجزا جيومورفولوجيا طبيعيا حد من التوسع العمراني شمالا، بينما تركز التطور العمراني في الغالب في الاتجاهات الجنوبية والشرقية والغربية منه، غير أنه في العقود الأخيرة، ازداد التوسع العمراني المتسارع على سفوح الجبل الجنوبية، مما زاد من حدة التفاعل بين البنية التحتية الهندسية والمنحدرات الطبيعية الشديدة.

وخوفا من أن يؤدي هذا التوسع إلى زيادة التعرض للمخاطر المرتبطة بالمنحدرات، لا سيما انهيارات الصخور، أجرى الباحثون تقييما جيوتقنيا للمنحدرات الصخرية للجبل، وكانت خلاصة التوصية التي توصلوا إليها هي أنه يجب الاستمرار في الحذر والمتابعة.

مصدر الصورة أحد المنحدرات الصخرية على السفح الجنوبي الغربي لجبل أُحد (الفريق البحثي)

نوعان من الاختبارات

وتضمن التقييم الذي أجراه الباحثون نوعين من الاختبارات، أحدهما اعتمد على التحليل الهندسي التقليدي، والآخر استخدم التحليل الاحتمالي الحديث.

إعلان

وتقوم فكرة الاختبار التقليدي على إدخال قيمة واحدة لكل عامل مؤثر في الاستقرار، مثل قوة تماسك الصخور، زاوية الاحتكاك الداخلي بينها، ودرجة انحدار المنحدر، وبعد ذلك تُجرى سلسلة من الحسابات لمقارنة قوتين متعاكستين، الأولى هي القوة التي تدفع الصخور إلى الانزلاق أو الانهيار بفعل الجاذبية، والثانية هي القوة التي تقاوم هذا الانزلاق وتحافظ على تماسك المنحدر، ومن خلال هذه المقارنة يُحسب ما يُعرف بـ"معامل الأمان".

ويُعد "معامل الأمان" بمثابة مقياس لسلامة المنحدر، فإذا كانت قيمته أكبر من واحد، فهذا يعني أن القوى المقاومة أقوى من القوى المسببة للانهيار وأن المنحدر مستقر. أما إذا انخفضت القيمة إلى أقل من واحد، فهذا يشير إلى أن القوى الدافعة للانهيار تتغلب على القوى المقاومة، ما يعني وجود خطر نظري لحدوث فشل أو انهيار.

وفي حالة المنحدر المدروس بجبل أحد، بلغ معامل الأمان "0.813"، وهي قيمة تقل عن الحد الآمن "1.0"، ما دفع الباحثين إلى تصنيفه مبدئيا على أنه غير مستقر.

ويمثل هذا النوع من التحليل "لقطة واحدة" للواقع، لأنه يفترض أن خصائص الصخور ثابتة في جميع أجزاء المنحدر.

أما الاختبار الثاني، الذي أجراه الباحثون فهو يراعي اختلاف الخصائص طبيعيا من مكان إلى آخر.

وخلال هذا الاختبار، أجرى الباحثون 27 محاكاة حاسوبية مختلفة تمثل سيناريوهات متعددة لتغير قوة الصخور وزوايا الاحتكاك والميل، وكشفت النتائج أن احتمال الانهيار الفعلي للمنحدر هو 5.16% فقط، ما يعني أن احتمال بقائه مستقرا يصل إلى 94.84%.

تناقض ظاهري

ورغم ما يبدو أنه تناقض بين نتائج تحليل تقليدي يقول إن المنحدر غير مستقر، وآخر احتمالي يرى أن احتمالات الانهيار منخفضة، فإن للدكتور عبد العزيز تفسيرا لذلك.

ويشبّه الدكتور عبد العزيز محمد عبد العزيز، أستاذ هندسة الاستكشاف وتقييم الطبقات بقسم هندسة البترول بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، الذي لم يشارك في الدراسة، الأمر بفحص مريض ضغط الدم، فإذا قِست ضغطه مرة واحدة أثناء توتر شديد فقد يبدو في حالة خطيرة، أما إذا قست الضغط عشرات المرات في ظروف مختلفة فستحصل على صورة أكثر واقعية.

ويقول الدكتور عبد العزيز في تصريحات للجزيرة نت: "هذا ما حدث بالضبط في الدراسة، فالتحليل التقليدي اعتمد على حالة واحدة فقط، بينما التحليل الاحتمالي درس عشرات الاحتمالات الممكنة".

ومع ذلك يشير إلى أن نسبة 5.16% لاحتمالية الانهيار الفعلي للمنحدر، لا تدعو للخوف، لكنها تتطلب الحذر، وهو ما يعني مزيدا من المراقبة، لا سيما أن هناك تجمعات سكانية قريبة من المكان.

أربع توصيات مهمة

ولم تغفل الدراسة ما طالب به عبد العزيز، إذ خرجت بأربع توصيات مهمة، أولها "تركيب مسامير ودعامات صخرية"، وهو إجراء يقوم خلاله المهندسون، بحفر ثقوب عميقة داخل الصخر ثم إدخال قضبان فولاذية طويلة تُعرف باسم "المسامير الصخرية" أو "المراسي الصخرية"، ويتم تثبيتها بملاط أسمنتي خاص، وهو أمر يمكن تشبيهه بخياطة قطعة قماش ممزقة لمنع أجزائها من الانفصال.

كما دعت الدراسة إلى "إنشاء حواجز لمنع سقوط الصخور"، وتشمل شبكات فولاذية أو سواتر وحواجز مصممة لالتقاط الصخور المتساقطة أو إيقافها قبل وصولها إلى الطرق والمناطق المأهولة.

إعلان

وتشمل التوصيات أيضا "مراقبة الشقوق والتصدعات باستمرار"، وذلك للكشف المبكر عن أي حركة أو تغير قد يشير إلى بداية عدم استقرار المنحدر، ودعت الدراسة إلى "استخدام الطائرات المزودة بكاميرات وأجهزة ليزر" كإحدى أدوات المراقبة، وذلك لإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة للمنحدر ومقارنة حالته بمرور الوقت لرصد أي تغيرات طفيفة، كما دعت إلى "وضع أنظمة إنذار مبكر" تعتمد على أجهزة استشعار تراقب حركة الصخور والتشوهات الأرضية وترسل تنبيهات فورية عند رصد مؤشرات قد تسبق حدوث انهيار.

وأخيرا، شددت الدراسة على تنظيم البناء بالقرب من المناطق الحساسة، وذلك بتحديد المناطق المعرضة للخطر ووضع قيود عمرانية حولها للحد من تعرض السكان والمنشآت لأي حوادث سقوط أو انهيار صخري محتمل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار