في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 5 يوليو/تموز 1997، رصد مشروع "الأجرام المقتربة من الأرض "نيات" (NEAT) التابع لناسا من مرصد هاليكالا في هاواي جرما صغيرا يتحرك بين النجوم، ليحمل لاحقا الاسم "إن سي ون 1997" (1997 NC1).
لم يكن هذا الاكتشاف آنذاك سوى إضافة جديدة إلى آلاف الكويكبات المعروفة، لكن الحسابات المدارية كشفت أن هذا الجسم سيعود في يونيو/حزيران 2026 ليقدم واحدا من أهم الاقترابات الآمنة لكويكب كبير من الأرض خلال العقود الأخيرة.
واليوم 27 يونيو/حزيران 2026 يمر الكويكب على مسافة تقارب 2.56 مليون كيلومتر، أي نحو 6.7 مرة المسافة بين الأرض والقمر، وهي مسافة قريبة فلكيا لكنها آمنة تماما، إذ أكدت ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية عدم وجود أي احتمال لاصطدامه بالأرض. ويعد هذا أقرب مرور له منذ ما قبل عام 1600، ولن يقترب بهذه المسافة مرة أخرى قبل عام 2133.
يصنف الكويكب "إن سي ون 1997" ضمن كويكبات "إيتين" (Aten) القريبة من الأرض، والتي تحمل تصنيف "كويكب خطر محتمل"، وهو تصنيف قد يثير القلق لدى غير المتخصصين، لكنه لا يعني أن الاصطدام وشيك، بل يشير فقط إلى أن مداره يقترب من مدار الأرض بما يكفي ليخضع للمراقبة المستمرة.
وتتراوح تقديرات قطره بين 750 و1600 متر، مما يجعله أكبر من معظم الكويكبات المعروفة القريبة من الأرض.
كما يتحرك بسرعة تقارب 8.9 كيلومتر في الثانية، أي أكثر من 32 ألف كيلومتر في الساعة، وهي سرعة كافية ليقطع المسافة بين الدوحة والقاهرة في أقل من دقيقة لو كان يتحرك داخل الغلاف الجوي، لكنها سرعة اعتيادية بالنسبة لأجسام تدور حول الشمس.
ولا تكمن أهمية الحدث في مرور الكويكب فحسب، بل في إمكانية رصده أيضا، فقد يصل لمعان الكويكب إلى القدر العاشر تقريبا، ما يجعله خارج حدود الرؤية بالعين المجردة، لكنه يصبح هدفا مناسبا للتلسكوبات الصغيرة والمناظير الفلكية الكبيرة.
وخلال هذه الأيام يظهر في المنطقة الواقعة بين كوكبتي الحواء (Ophiuchus) وذيل الحية (Serpens Cauda)، ويمكن للهواة ملاحظة حركته الحقيقية بين النجوم خلال دقائق فقط، إذ يتحرك ظاهريا بنحو 40 ثانية قوسية في الدقيقة، ولذلك لن يبدو كنجم ثابت، بل كنقطة ضوئية تزحف ببطء أمام خلفية السماء، وهو مشهد نادر لا يتكرر كثيرا مع الأجرام الكبيرة.
يمثل هذا المرور أول فرصة حقيقية لرصد الكويكب بالرادار، ولهذا استخدمت شبكة الفضاء العميق التابعة لناسا هوائيات غولدستون في صحراء موهافي بكاليفورنيا بمحاولة تحديد شكله الحقيقي، بعد سنوات من تضارب التقديرات حول حجمه وتركيبه وانعكاسيته.
وكشفت النتائج الأولية للرصد، المعلنة في 25 يونيو/حزيران، أن الكويكب يدور ببطء ويتكون من فصين متصلين، بينما يبدو قطره أقل من كيلومتر واحد، وهو ما يساعد العلماء على حل التناقضات السابقة بين قياسات تلسكوب سبيتزر ومهمة "نيو وايز" والرصد الطيفي.
وقال عالم الكويكبات "لانس بنر" من مختبر الدفع النفاث التابع لناسا إن عمليات الرصد هذه ستساعد أيضا في تحسين معايرة القياسات السابقة وفهم الخصائص الفيزيائية للكويكب بصورة أدق.
ليست قيمة "إن سي ون 1997" في اقترابه فقط، بل في عمره أيضا، فهذا الكويكب بقايا محفوظة من المادة التي تشكل منها النظام الشمسي قبل أكثر من 4.5 مليار سنة، أي قبل ظهور الأرض بصورتها الحالية، وقبل وجود المحيطات والحياة بوقت طويل.
ولهذا ينظر العلماء إلى مثل هذه الأجرام باعتبارها "حفريات كونية"، إذ تحتفظ بمكونات تكاد تكون كما كانت في فجر النظام الشمسي.
ورغم أن الكويكب لن يشكل أي خطر على الأرض في هذا المرور، فإن دراسته تساعد العلماء على تحسين أنظمة الدفاع الكوكبي، وفهم كيفية تشكل الكواكب، والاستعداد لأي أجسام قد تمثل خطرا حقيقيا في المستقبل.
وفي كل مرة يعبر فيها جرم قديم كهذا بالقرب من الأرض، نتذكر أن كوكبنا ليس معزولا في الكون، بل يعيش داخل منظومة سماوية نابضة بالحركة منذ مليارات السنين.
وما يبدو اليوم مجرد نقطة ضوء تتحرك بين النجوم، قد يحمل في داخله سجلا صامتا لبدايات المجموعة الشمسية. لذلك فإن مراقبة هذه الأجسام ليست بدافع الخوف، بل بدافع الفضول العلمي الذي قاد الإنسان دائما إلى فهم أعمق لمكانه في هذا الكون الواسع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة