آخر الأخبار

مصباح من الحياة نفسها.. علماء يحورون الطحالب لتتوهج عند الطلب

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تمكن باحثون من تطوير "مواد حية مضيئة" قادرة على إصدار الضوء عند الطلب، استجابة لمحفزات كيميائية محددة، في خطوة قد تمهد لظهور جيل جديد من المواد الذكية التي تجمع بين خصائص الكائنات الحية والهندسة الحديثة، حسب نتائج دراسة حديثة أشارت إلى إمكانية استخدام هذه المواد مستقبلا في الاستشعار البيئي، والروبوتات اللينة، والأنظمة التفاعلية ذاتية الإضاءة.

اعتمدت الدراسة التي نشرت يوم 6 مايو/أيار في مجلة "ساينس أدفانسز" (Science Advances)، على كائن بحري مجهري متوهج من جنس الطحالب يعرف باسم "بيروساستس لونولا"، وهو نوع من العوالق البحرية القادرة طبيعيا على إصدار ومضات ضوئية عند تعرضها للاضطراب في مياه البحر.

وتحدث هذه الظاهرة، المعروفة باسم الإضاءة الحيوية، عندما يحول الكائن الحي الطاقة الكيميائية داخل خلاياه إلى ضوء مرئي.

مصدر الصورة طحالب متوهجة (شترستوك)

من عوالق بحرية إلى مواد قابلة للطباعة

لم يعتمد المؤلفون فقط على الطرق التقليدية لتحفيز هذا الضوء، مثل الضغط أو الاهتزاز، بل طوروا طريقة كيميائية أكثر قابلية للتحكم، تقوم على تغيير الوسط المحيط بالخلايا، خاصة درجة الحموضة.

وهذا يعني أن الضوء يمكن تشغيله بطريقة أدق وأكثر استقرارا، بدلا من الاعتماد على تحفيز ميكانيكي قد يكون قاسيا على الكائنات الحية الدقيقة داخل المادة.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، ويل سروبار، الأستاذ في قسم الهندسة المدنية والبيئية والمعمارية بجامعة كولورادو بولدر: "لتحويل هذه الكائنات المتوهجة إلى مادة يمكن استخدامها عمليا، غلفناها داخل هياكل هلامية ثلاثية الأبعاد مصنوعة من الألجينات، وهي مادة طبيعية مستخلصة من الطحالب وتستخدم كثيرا في التطبيقات الطبية والحيوية لأنها آمنة وقابلة لتكوين هياكل مرنة".

وتعمل هذه الهياكل الهلامية كبيئة حاضنة للخلايا، إذ تسمح بحبس الكائنات الحية داخل شبكة مسامية، مع الحفاظ على قدرتها على البقاء والنشاط. "لم تعد العوالق البحرية تتحرك بحرية في الماء، بل أصبحت جزءا من مادة مطبوعة يمكن تشكيلها والتحكم في استجابتها" يشرح سروبار في تصريحات للجزيرة نت.

إعلان

وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة، تمكن الباحثون من قياس شدة الضوء ومدة استمراره بدقة. وأظهرت التجارب أن تغيير درجة حموضة البيئة المحيطة بالكائنات الدقيقة كان كافيا لتشغيل الضوء الحيوي داخلها حتى 25 دقيقة؛ فالبيئة الحمضية حفزت توهجا أقوى وأكثر انتظاما، بينما سببت البيئة القلوية استجابة ضوئية أقل استقرارا وأضرت بالخلايا مع الوقت. وحسب الفريق، فإن هذا يشير إلى أن التحفيز الحمضي كان أكثر ملاءمة للحفاظ على نشاط الكائنات المتوهجة واستدامة استجابتها.

ضوء عند الطلب

أحد الجوانب اللافتة في الدراسة أن الباحثين نجحوا في استخدام الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد لإنتاج أشكال مختلفة من هذه المواد المضيئة، مثل شبكات وأنماط هندسية معقدة، مع بقاء الخلايا قادرة على إصدار الضوء بعد الطباعة. وتعني قابلية الطباعة أن المادة يمكن تشكيلها بحسب الحاجة، سواء في صورة رقائق، أو هياكل مرنة، أو نماذج هندسية مخصصة لتطبيقات معينة.

ولم يكتف الفريق بالتحفيز الكيميائي وحده، بل اختبر أيضا الجمع بين التحفيز الكيميائي والضغط الميكانيكي. وأظهرت النتائج أن استخدام الطريقتين معا أدى إلى زيادة واضحة في كمية الضوء المنبعثة، مقارنة باستخدام كل طريقة منفردة. ويصف الباحثون هذا بأنه تأثير "تآزري"، أي أن كل محفز يعزز تأثير الآخر، فتكون الاستجابة الكلية أقوى من مجموع التأثيرين بشكل منفصل.

ويشير المؤلف الرئيسي للدراسة إلى أن من أهم ما توصل إليه الفريق هو أن المواد الحية المضيئة احتفظت بقدرتها على الاستجابة المتكررة لعدة أسابيع، خصوصا عند استخدام التحفيز الحمضي. فقد بقيت نسبة كبيرة من العينات نشطة حتى نهاية فترة الاختبار التي امتدت أربعة أسابيع، بينما فقدت العينات التي تعرضت للوسط القلوي معظم قدرتها على الإضاءة بعد فترة أقصر. وهذا يعزز فكرة أن اختيار نوع المحفز الكيميائي لا يؤثر فقط في شدة الضوء، بل أيضا في عمر المادة وقدرتها على إعادة الاستخدام.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تطوير مواد حية يمكنها العمل كمستشعرات بيئية ذاتية الإضاءة، دون الحاجة إلى بطاريات أو دوائر كهربائية معقدة. كما يمكن استخدامها في الروبوتات اللينة، وهي روبوتات مرنة تستلهم تصميمها من الكائنات الحية، بحيث تصبح قادرة على التفاعل بصريا مع البيئة المحيطة بها.

حدود الدراسة

أجريت الدراسة في جامعة كولورادو بولدر، بدعم من برامج بحثية في مجالات الهندسة المدنية وعلوم المواد. ورغم أهمية النتائج، يؤكد الفريق أن التقنية لا تزال في مرحلة بحثية مبكرة؛ إذ أجريت التجارب على نوع واحد فقط من الكائنات البحرية المتوهجة، وهو ما يعني أن تعميم النتائج على أنواع أخرى يحتاج إلى دراسات إضافية.

كما تمت الاختبارات داخل ظروف مخبرية مضبوطة، بينما قد تكون البيئات الحقيقية أكثر تعقيدا، بسبب تغير درجة الحرارة والملوحة والتلوث والعوامل البيولوجية الأخرى.

كذلك تعتمد المواد الحالية على نطاقات محددة من الحموضة لتحفيز الإضاءة، وهو ما قد يحد من استخدامها المباشر في بعض التطبيقات المفتوحة. فالمواد التي تعمل جيدا داخل المختبر قد تحتاج إلى تعديلات إضافية حتى تتحمل ظروفا بيئية متغيرة أو تستخدم لفترات طويلة خارج المختبر.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار