حصيلة عام من خروقات الاحتلال لاتفاق غزة 2026
أتم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة عامه الأول وسط حصيلة دامية من الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، حيث وثقت مصادر طبية وحقوقية استشهاد 1471 فلسطينياً وإصابة 5189 آخرين منذ بدء تنفيذ الاتفاق في العاشر من أكتوبر 2025. وتأتي هذه الأرقام لتكشف زيف التهدئة التي أعقبت عامين من حرب الإبادة الجماعية التي انطلقت في أكتوبر 2023.
وبحسب المعطيات الميدانية، فقد ارتكبت قوات الاحتلال 5223 خرقاً عسكرياً للاتفاق، شملت عمليات قصف جوي ومدفعي، وإطلاق نار مباشر، ونسفاً للمباني السكنية. ولم تقتصر هذه الخروقات على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل توغلات برية في مناطق كان من المفترض أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلي وفق بنود الاتفاق المبرم.
ونص الاتفاق الأصلي على إعادة انتشار قوات الاحتلال خلف ما عرف بـ 'الخط الأصفر'، وهو ما وضع حينها نحو 53% من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية. ومع ذلك، استغل الاحتلال الأشهر الماضية لتجاوز هذه الخطوط والتقدم مجدداً نحو مناطق العمق، مما أدى إلى تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين بشكل دراماتيكي.
وأفادت مصادر طبية في غزة بأن وتيرة سقوط الضحايا لم تتوقف طوال أشهر العام الماضي، حيث سجل شهر أكتوبر 2025 الحصيلة الأكبر بـ 226 شهيداً. وتوالت الاعتداءات خلال عام 2026، حيث شهد شهر يوليو استشهاد 161 مواطناً، فيما سجلت الأيام الأولى من أكتوبر الجاري سقوط 40 شهيداً إضافياً.
من جانبه، أكد إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي أن الخروقات الإسرائيلية اتخذت طابعاً منهجياً لتدمير ما تبقى من بنية تحتية. وأوضح الثوابتة أن الاحتلال نفذ أكثر من 200 واقعة اعتقال بحق المواطنين، بالتوازي مع عمليات التوغل التي لم تتوقف في المناطق الحدودية والوسطى.
وفي سياق متصل، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 'أوتشا' استمرار الهجمات العسكرية وهدم المربعات السكنية غرب 'الخط الأصفر'. وأشار التقرير الأممي إلى أن هذه العمليات تسببت في موجات نزوح جديدة للمدنيين الذين ظنوا أن الاتفاق سيوفر لهم الحماية والعودة إلى ديارهم.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تحقق من مقتل 196 فلسطينياً، بينهم نساء وأطفال، في المناطق القريبة من خطوط التماس فقط. وتظل هذه الحصيلة جزءاً من رقم أكبر يشمل ضحايا الغارات الجوية التي استهدفت مراكز الإيواء والمناطق المصنفة كـ 'آمنة' في عمق القطاع.
وعلى الصعيد السياسي والميداني، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوسيع رقعة الاحتلال لتصل إلى 70% من مساحة قطاع غزة. وجاء هذا الاعتراف خلال تصريحات علنية أكد فيها أن العمليات العسكرية في رفح كانت المفتاح للوصول إلى هذه النسبة من السيطرة الميدانية المطلقة.
وتظهر خريطة السيطرة الحالية أن الاحتلال أحكم قبضته على محاور استراتيجية تفصل القطاع إلى أجزاء معزولة، أبرزها محور 'نتساريم' ومحور 'فيلادلفيا'. هذا التقسيم الجغرافي أدى إلى شلل تام في حركة الأفراد والبضائع، وحول المناطق الفلسطينية المتبقية إلى جيوب معزولة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وقدرت مصادر أممية أن المناطق الخاضعة لقيود الوصول الإسرائيلية المشددة بلغت نحو 64.9% من إجمالي مساحة القطاع حتى نهاية يونيو الماضي. وتتطلب حركة المنظمات الإنسانية في هذه المناطق تنسيقاً مسبقاً ومعقداً، وغالباً ما يتم رفض طلبات الوصول لإغاثة المدنيين المحاصرين.
ويرى مراقبون أن الاحتلال تعمد خرق الاتفاق لإعادة احتلال مناطق استراتيجية في شمال وجنوب القطاع، بما في ذلك مدينة رفح وبلدة جباليا. هذه التحركات العسكرية أدت إلى إفراغ بنود الاتفاق من محتواها، خاصة فيما يتعلق بتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية بشكل مستدام.
إن الحصيلة الدامية لهذا العام تعكس إصراراً إسرائيلياً على استكمال مخططات التهجير والسيطرة المكانية، رغم وجود اتفاق دولي لوقف إطلاق النار. وتستمر المعاناة الإنسانية في ظل نقص حاد في الأدوية والغذاء، نتيجة السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المعابر الحدودية، بما فيها معبر رفح البري.
وفي ظل هذا الواقع، يواجه المجتمع الدولي انتقادات واسعة لفشله في إلزام الاحتلال ببنود الاتفاق الذي تم توقيعه في أكتوبر 2025. وتظل الأرقام المرشحة للارتفاع هي العنوان الأبرز للمشهد في غزة، مع استمرار الغارات اليومية التي تستهدف المدنيين العزل في مختلف المحافظات.
ختاماً، يمثل مرور عام على هذا الاتفاق ذكرى مؤلمة للفلسطينيين الذين فقدوا المزيد من أبنائهم وأراضيهم تحت غطاء 'الهدنة'. ويبقى التحدي الأكبر أمام المؤسسات الحقوقية هو توثيق هذه الجرائم وملاحقة المسؤولين عنها في المحافل الدولية، لوقف نزيف الدم المستمر في القطاع المحاصر.