حملة إسرائيل ضد الجزيرة: وقائع التحريض والحظر القانوني
شهدت أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة تصعيداً جديداً في الخطاب الإسرائيلي العدائي ضد الصحافة، حيث وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شبكة الجزيرة بأنها وسيلة إعلام 'سامة'. وجاء هذا الوصف في سياق محاولات الاحتلال المستمرة لشيطنة التغطية الإعلامية التي تكشف الحقائق في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة.
لم تكن اتهامات نتنياهو مجرد زلة لسان، بل مثلت ذروة حملة تحريضية بدأت منذ سنوات وتصاعدت حدتها مع اندلاع حرب الإبادة على غزة. وادعى نتنياهو أمام مقاعد شبه فارغة أن الشبكة تمارس 'غسل أدمغة' للشباب الغربي، محاولاً تبرير الإجراءات القمعية التي تتخذها حكومته ضد المؤسسات الإعلامية الدولية.
من جانبها، ردت شبكة الجزيرة ببيان شديد اللهجة أكدت فيه رفضها القاطع لهذه المزاعم التي تهدف إلى تبرير استهداف طواقمها. وأوضحت الشبكة أن هذا الخطاب التحريضي من على منبر دولي يعرض حياة صحفييها للخطر المباشر، خاصة بعد الثمن الباهظ الذي دفعته الشبكة بفقدان عدد من كوادرها في الميدان.
الحملة الإسرائيلية لم تقتصر على الجزيرة وحدها، بل طالت مؤسسات إعلامية عريقة مثل 'بي بي سي' و'رويترز' و'أسوشيتد برس'. فقد تعرضت هذه الوكالات لاعتداءات مباشرة شملت احتجاز طواقم تحت تهديد السلاح وتدمير مكاتبها في غزة، مما يكشف عن سياسة ممنهجة للتعتيم على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
في أكتوبر 2023، قتلت القوات الإسرائيلية الصحفي عصام عبد الله من وكالة رويترز في جنوب لبنان، وأصابت طاقم الجزيرة المرافق له. وتكررت هذه المشاهد باستهداف برج الجلاء في غزة عام 2021، وهو المبنى الذي كان يضم مقرات صحفية دولية، بذريعة استخدامه من قبل فصائل المقاومة، وهي تهمة نفتها المؤسسات الإعلامية جملة وتفصيلاً.
تعد جريمة اغتيال المراسلة شيرين أبو عاقلة في مايو 2022 علامة فارقة في سجل الانتهاكات الإسرائيلية ضد الكلمة الحرة. فرغم ارتدائها سترة الصحافة بوضوح، استهدفتها نيران الاحتلال في مخيم جنين، وهو ما أقرت به سلطات الاحتلال لاحقاً كاحتمال كبير بعد ضغوط دولية واسعة ومطالبات بالمحاسبة.
انتقلت إسرائيل من مرحلة التهديد اللفظي إلى المأسسة القانونية للقمع عبر ما عرف بـ 'قانون الجزيرة'. هذا التشريع الذي أقره الكنيست يمنح الحكومة صلاحيات واسعة لإغلاق مكاتب الوسائل الإعلامية الأجنبية وحجب مواقعها الإلكترونية ومصادرة معداتها، تحت ذريعة حماية 'أمن الدولة'.
في ديسمبر 2025، اتخذ الكنيست خطوة إضافية بتحويل قانون الطوارئ المؤقت إلى قانون دائم، مما يشرعن حظر العمل الصحفي المستقل بشكل نهائي. هذا التحول التشريعي يعكس رغبة الاحتلال في فرض رقابة عسكرية وسياسية مطلقة على الرواية الصادرة من داخل الأراضي المحتلة ومنع وصولها للعالم.
ميدانياً، امتدت إجراءات الإغلاق لتشمل مكتب الجزيرة في رام الله بالضفة الغربية في سبتمبر 2024، حيث اقتحمت قوات مدججة بالسلاح المقر وصادرت محتوياته. واعتبرت أوساط حقوقية أن هذا الاعتداء يمثل انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية وحق الإنسان في الوصول إلى المعلومات المستقلة.
استمرت سياسة الاغتيالات المعنوية والجسدية، حيث اتهم جيش الاحتلال ستة من صحفيي الجزيرة في غزة بالانتماء لمنظمات مسلحة دون تقديم أدلة ملموسة. هذه الاتهامات سبقت استشهاد الصحفي أنس الشريف في أغسطس 2025، الذي تعرض لحملة تحريض ممنهجة قبل استهدافه في غارة جوية متعمدة.
أكدت تقارير حقوقية أن المحاكم الإسرائيلية تواطأت مع المستوى السياسي في تبرير القيود المفروضة على الصحافة الدولية. فقد رفضت المحكمة العليا طلباً لرابطة الصحافة الأجنبية للسماح بدخول غزة، معتبرة أن المنع الحكومي مبرر أمنياً، مما كرس سياسة التعتيم الإعلامي الشامل.
تواصل السلطات الإسرائيلية تجديد قرارات حظر البث ومنع شركات الإنترنت ومنصة يوتيوب من تقديم خدمات تتيح الوصول لمحتوى الشبكة داخل إسرائيل. ويهدف هذا الحصار الرقمي إلى عزل الجمهور الإسرائيلي والعالمي عن المشاهد الحية التي توثق آثار الحرب والدمار في المناطق الفلسطينية.
يرى مراقبون أن إصرار نتنياهو على ملاحقة الجزيرة ينبع من فشل الرواية الإسرائيلية في الصمود أمام التوثيق الميداني المستمر. فالحرب التي وصفها نتنياهو بـ 'الجبهة الثامنة' هي في الحقيقة معركة بين الحقيقة التي تنقلها الكاميرات وبين الدعاية التي تحاول إخفاء معالم حرب الإبادة.
ختاماً، تظل شبكة الجزيرة والمؤسسات الإعلامية الحرة في مواجهة مباشرة مع آلة القمع الإسرائيلية التي لا تتوقف عن ابتكار أساليب جديدة للإسكات. ورغم الاغتيالات والحظر القانوني، تؤكد الوقائع أن محاولات حجب الحقيقة لم تزد العالم إلا إصراراً على البحث عن الرواية الفلسطينية الصادقة.