اليونان تتسلم رئاسة مجلس الأمن وتواجه انتقادات بسبب إسرائيل
تولت اليونان رسمياً رئاسة مجلس الأمن الدولي لشهر أكتوبر الجاري، وهي المرة الثانية التي تتبوأ فيها هذا المنصب خلال دورتها الحالية في المجلس. وتأتي هذه الرئاسة في ظل جدول أعمال مزدحم بالملفات الساخنة، وعلى رأسها قضايا الشرق الأوسط والأمن البحري والنزاعات المسلحة وتأثير التقنيات الناشئة على السلم الدولي.
وشهد المؤتمر الصحافي الذي عقدته المندوبة الدائمة لليونان لدى الأمم المتحدة، السفيرة أغلايا بالتا، نقاشات حادة تركزت حول القضية الفلسطينية. حيث واجهت السفيرة تساؤلات مباشرة حول الفجوة المتزايدة بين التوجهات الشعبية اليونانية الداعمة للفلسطينيين وبين السياسات الرسمية التي تظهر تقارباً غير مسبوق مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي.
وتطرقت الأسئلة إلى المشاهد التي أثارت جدلاً واسعاً، ومنها عناق رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس لنظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أروقة الأمم المتحدة. واعتبر مراقبون أن هذه المظاهر البروتوكولية تعكس تحولاً في بوصلة السياسة الخارجية اليونانية التي كانت تاريخياً أكثر قرباً من القضايا العربية.
وفي ردها على هذه الانتقادات، أوضحت السفيرة بالتا أن الصور والمظاهر البروتوكولية لا يمكن اتخاذها معياراً وحيداً لتقييم السياسة الخارجية للدول. وأكدت أن رئيس الوزراء اليوناني يحرص دائماً على التوازن من خلال لقاء القادة الفلسطينيين والممثلين الدبلوماسيين في أثينا بشكل مستمر ومنتظم.
وشددت المندوبة اليونانية على أن بلادها لم تغير مواقفها التقليدية الراسخة تجاه العالم العربي وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. وأشارت إلى أن أثينا لا تزال متمسكة بحل الدولتين كإطار وحيد لإنهاء الصراع، مؤكدة أن الحوار مع كافة الأطراف هو السبيل الوحيد لتحقيق تقدم ملموس على الأرض.
وحول التناقض مع استطلاعات الرأي التي تظهر تأييد 80% من اليونانيين لفلسطين، قالت بالتا إن الحكومة تعمل وفق رؤية شاملة تخدم المصالح الوطنية. واعتبرت أن تعزيز العلاقات مع إسرائيل لا ينبغي أن يُفهم كبديل أو تخلٍ عن الالتزامات اليونانية تجاه القضية الفلسطينية العادلة في المحافل الدولية.
ولم تخلُ المواجهة من التطرق إلى الجانب العسكري، حيث سُئلت السفيرة عن صفقة الأسلحة الضخمة التي وقعتها أثينا مع تل أبيب بقيمة ثلاثة مليارات دولار. واكتفت بالتا برد مقتضب أشارت فيه إلى أن هذه الصفقة ليست الوحيدة في إطار التعاون الدفاعي، دون الخوض في تفاصيل التداعيات السياسية لهذا التعاون.
وعلى صعيد برنامج عمل مجلس الأمن، أعلنت السفيرة أن يوم 15 أكتوبر سيشهد جلسة مفتوحة وموسعة لمناقشة عملية السلام في الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن تتناول الجلسة التصعيد المستمر في الأراضي المحتلة والجهود الدولية الرامية لوقف إطلاق النار وتوفير الحماية للمدنيين في ظل الأزمات الراهنة.
كما يتضمن الجدول اليوناني اجتماعات مكثفة حول ملفات إقليمية أخرى تشمل الأوضاع في سوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن. وتسعى اليونان من خلال رئاستها إلى تيسير التوافق بين الأعضاء الدائمين وغير الدائمين للوصول إلى قرارات فعالة تعالج الأزمات الإنسانية المتفاقمة في هذه المناطق.
وفي سياق الأولويات الموضوعية، ستركز الرئاسة اليونانية على ملف الأطفال والنزاعات المسلحة في جلسة خاصة تعقد في 26 أكتوبر. وتهدف هذه الجلسة إلى تعزيز الآليات الدولية لحماية القاصرين في مناطق الحروب، وهو ملف يحظى باهتمام خاص من الدبلوماسية اليونانية خلال عضويتها الحالية.
الأمن البحري سيكون حاضراً بقوة أيضاً في نقاشات المجلس، حيث خصصت اليونان جلسة في 29 أكتوبر لبحث التقنيات الناشئة وتأثيرها على سلامة الملاحة الدولية. ويعد هذا الملف حيوياً بالنسبة لليونان نظراً لموقعها الجغرافي ودورها كقوة بحرية عالمية تسعى لحماية طرق التجارة من التهديدات السيبرانية والتقليدية.
أما فيما يخص التعاون مع القارة السمراء، فستستضيف اليونان ندوة مشتركة بين مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي. وتهدف هذه اللقاءات المقررة في النصف الثاني من الشهر إلى تنسيق الجهود في مكافحة الإرهاب ودعم عمليات حفظ السلام التي تقودها المنظمات الإقليمية في أفريقيا.
وفي ملف إداري بالغ الأهمية، أوضحت بالتا أن شهر أكتوبر سيكون حاسماً في عملية اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة. حيث تم تخصيص فترات زمنية لإجراء جولات التصويت الاستطلاعي السري، والتي ستحدد ملامح الشخصية التي ستخلف أنطونيو غوتيريش في قيادة المنظمة الدولية.
واختتمت السفيرة اليونانية عرضها بالتأكيد على التزام بلادها بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي خلال إدارتها لجلسات المجلس. وأعربت عن طموح بلادها في أن يكون هذا الشهر مثمراً في تحقيق اختراقات دبلوماسية، رغم التعقيدات الكبيرة التي تفرضها الاستقطابات الدولية الراهنة حول الملفات المصيرية.