في خطوة تعكس تسارع وتيرة التنسيق بين التنظيمات الانفصالية والاحتلال الإسرائيلي، أعلن فرحات مهني، زعيم ما يسمى بـ 'الحركة من أجل تقرير مصير منطقة القبائل' (ماك)، عن تعيين أيوب قرا مستشاراً مكلفاً بالعلاقات الدولية. ويعد قرا أحد الوجوه البارزة في حزب الليكود الإسرائيلي وشغل سابقاً منصب وزير، بالإضافة إلى رئاسته للمجلس الأمريكي الدولي للشؤون العامة للدروز.

وأكد أيوب قرا في تسجيل مصور بثته منصات تابعة للتنظيم المصنف على قوائم الإرهاب في الجزائر، قبوله لهذا المنصب واصفاً إياه بالمسؤولية المهمة. وأوضح قرا أن خطة عمله ستتركز على تعزيز الحضور الدولي للحركة الانفصالية، وبناء جسور تواصل متينة مع مراكز القرار في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والعواصم الأوروبية.

ولم يكتفِ المسؤول الإسرائيلي السابق بإعلان قبوله المنصب، بل وجه شكراً خاصاً لتنظيم 'ماك' على دعمه لما يسمى بمشروع 'الباشان' في محافظة السويداء السورية. ويرتبط هذا المشروع بمطالب انفصالية لبعض المجموعات الدرزية التي تسعى للحصول على حماية إسرائيلية، مما يشير إلى تقاطع المصالح بين الحركات الانفصالية في المنطقة العربية والأجندة الإسرائيلية.

وتأتي هذه التطورات بعد أيام قليلة من ظهور علني جمع بين فرحات مهني وأيوب قرا في العاصمة الفرنسية باريس، خلال ندوة خصصت لمناقشة مستقبل الدروز في سوريا. وقد أعلن مهني خلال ذلك اللقاء دعمه الصريح لما وصفه بحق تقرير المصير لسكان 'الباشان'، داعياً إياهم لطلب الحماية المباشرة من إسرائيل لمواجهة التحديات المحيطة بهم.

ويعيد هذا التعيين تسليط الضوء على تاريخ طويل من العلاقات المشبوهة بين زعيم حركة 'ماك' والكيان الصهيوني، والتي بدأت تخرج إلى العلن بشكل فج منذ سنوات. ففي عام 2012، قام مهني بزيارة رسمية إلى تل أبيب التقى خلالها داني دانون، نائب رئيس الكنيست آنذاك، حيث صرح لوسائل إعلام عبرية بوجود قواسم مشتركة بين مشروعه السياسي والمشروع الصهيوني.

وخلال زيارته التاريخية لإسرائيل، زعم مهني في مقابلة مع صحيفة 'جيروزالم بوست' أن منطقة القبائل وإسرائيل تشتركان في العيش ضمن 'بيئة معادية' على حد تعبيره. وحاول مهني تسويق فكرة أن الفارق الوحيد هو امتلاك إسرائيل لدولة مستقلة، بينما لا يزال تنظيمه يسعى لتحقيق هذا الهدف عبر الانفصال عن الدولة الجزائرية.

وقد شهدت هذه العلاقة قفزة نوعية عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث انخرط فرحات مهني بشكل مباشر في فعاليات داعمة للاحتلال الإسرائيلي بقلب باريس. وظهر مهني في مسيرات مؤيدة للعدوان الإسرائيلي على غزة، رافعاً علم تنظيمه إلى جانب العلم الإسرائيلي، في رسالة تحدٍ واضحة للمشاعر الوطنية الجزائرية والعربية.

تلقيت تعييني بكل شرف، وسأعمل على تعزيز الحضور الدولي للتنظيم وتطوير علاقاته الخارجية مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي تصعيد ميداني وسياسي، أعلن مهني من باريس في ديسمبر 2025 ما وصفه بـ 'استقلال منطقة القبائل'، وذلك بعد أن منعت السلطات الفرنسية إقامة الفعالية في قصر المؤتمرات بفرساي. وقد شهد هذا الإعلان حضوراً لافتاً لشخصيات إسرائيلية، مما أكد الرعاية الصهيونية لهذه التحركات التي تستهدف الوحدة الترابية للجزائر.

وعلى الصعيد الداخلي الإسرائيلي، انتقل الدعم من المستوى غير الرسمي إلى أروقة الكنيست، حيث طالب النائب عن حزب الليكود 'دان إيلوز' حكومته بالاعتراف باستقلال منطقة القبائل. وبرر إيلوز مطلبه بالتضامن الذي أظهره التنظيم الانفصالي مع إسرائيل في أعقاب هجمات أكتوبر، معتبراً أن ذلك يستوجب رداً سياسياً داعماً لمطالبهم.

في المقابل، قوبلت هذه التحركات برفض شعبي وسياسي عارم داخل الجزائر، لا سيما من أبناء منطقة القبائل الذين أكدوا تمسكهم بالوحدة الوطنية. وأصدرت أحزاب تاريخية مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بيانات شديدة اللهجة، أكدت فيها أن مشروع مهني لا يمثل إلا نفسه ولا يعبر عن تطلعات سكان المنطقة.

ولم يقتصر الرفض على النخب السياسية، بل امتد ليشمل عائلة فرحات مهني نفسها، حيث خرج نجله 'أغور مهني' في تصريحات إعلامية ليعلن تبرؤه الكامل من أفكار والده. وأكد أغور أن مواقف والده الانفصالية وعلاقاته الخارجية تسببت في أضرار كبيرة للعائلة، مشدداً على اعتزازه بتاريخ أجداده الذين ضحوا من أجل استقلال الجزائر ووحدتها.

وأوضح نجل مهني في حواره مع التلفزيون الجزائري أنه اختار الخروج للعلن لـ 'غسل شرف عائلته'، مؤكداً أنه لا يشعر بأي فوارق بين الجزائريين بمختلف انتماءاتهم. وشدد على أن محاولات والده لتقسيم البلاد بناءً على أسس هوية وأمازيغية هي محاولات فاشلة، خاصة وأن الدستور الجزائري يقر بالأمازيغية لغة وطنية ورسمية.

وتصنف الدولة الجزائرية حركة 'ماك' تنظيماً إرهابياً منذ عام 2021، بناءً على قرار من المجلس الأعلى للأمن، كما صدرت أحكام قضائية غيابية ثقيلة بحق مهني وقياداته. وتتهم السلطات الجزائرية التنظيم بالعمل لصالح أجندات أجنبية تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد وضرب نسيجها المجتمعي عبر استغلال القضايا الهوياتية.

ويرى مراقبون أن تعيين أيوب قرا يمنح العلاقة بين 'ماك' وإسرائيل طابعاً مؤسسياً يتجاوز مجرد اللقاءات العابرة، مما يضع التنظيم في مواجهة مباشرة مع الدولة الجزائرية. ويشير هذا التطور إلى محاولة إسرائيلية لاستخدام الورقة الانفصالية كوسيلة ضغط على الجزائر بسبب مواقفها الثابتة والداعمة للقضية الفلسطينية ورفضها المطلق للتطبيع.