لا تزال أصوات الطائرات وهزيم الرعد في سماء العاصمة المكسيكية تثير القلق في نفس محمد عابد، مهندس الأنظمة الفلسطيني الذي فر من جحيم الحرب في قطاع غزة. هذه الأصوات تعيد لذهنه ذكريات أليمة لغارة جوية إسرائيلية أودت بحياة ابنته البالغة من العمر أربع سنوات، مما يجعل جسده يرتجف لا إرادياً قبل أن يدرك أنه في أمان بعيداً عن القصف.

وصل عابد، البالغ من العمر 36 عاماً، إلى المكسيك في الربيع الماضي برفقة 17 فرداً من عائلته بحثاً عن ملاذ آمن. اليوم، استبدل محمد الخوف من الموت بالعمل الشاق، حيث يبدأ صباحه كل يوم ثلاثاء بتحميل دراجته ثلاثية العجلات بمختلف صنوف الأطعمة الفلسطينية التقليدية لبيعها في سوق منطقة كونديسا الراقية بمكسيكو سيتي.

يعد محمد واحداً من بين نحو 160 فلسطينياً استقروا في المكسيك مؤخراً، وهو رقم يشير إلى تضاعف الجالية الفلسطينية هناك مقارنة بعام 2022. وتأتي هذه الهجرة المحدودة في ظل نزوح واسع النطاق طال نحو 1.9 مليون فلسطيني داخل قطاع غزة وخارجه منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023.

خلال استراحة قصيرة من بيع الحمص ومتبل الباذنجان والفلافل، يوضح عابد أن صوت الطائرات في غزة كان يعني دائماً وقوع كارثة وشيكة. ورغم استقراره في بيئة ثقافية متنوعة، إلا أن الصدمات النفسية لا تزال تلاحقه، حيث يجد صعوبة في فصل أصوات الحياة اليومية في المكسيك عن ذكريات الانفجارات التي عاشها.

بدأت رحلة العائلة نحو المكسيك قبل سنوات طويلة من خلال والده كمال عابد، الذي هاجر هرباً من الصراعات السابقة وحصل على الجنسية المكسيكية. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، بذل الأب جهوداً مضنية لإخراج عائلته من القطاع المحاصر، وسافر إلى مصر لترتيب الإجراءات القانونية اللازمة لإنقاذهم.

لكن القدر لم يمهل الأب كمال لرؤية عائلته في أمان، حيث توفي بأزمة قلبية في مصر قبل استكمال إجراءات الإجلاء. تولى ابنه الآخر شادي مسؤولية مواصلة المهمة، وبالتعاون مع منظمات حقوقية ومحامين مختصين في شؤون اللجوء، نجح أخيراً في تأمين تصاريح السفر لـ 18 فرداً من العائلة.

ولد ابني يوسف في المكسيك وحصل على جنسيتها، لكنه سيحمل في قلبه دائماً أن أصوله وجذوره تعود إلى غزة.

مرت العائلة برحلة شاقة ومعقدة عبر الأردن ثم تركيا، وصولاً إلى مكسيكو سيتي في مايو 2025، حيث منحتهم السلطات المكسيكية إقامات دائمة. ويؤكد محمد عابد أنه لا يهتم بالسياسة، بل كل ما يطمح إليه هو العيش بسلام وتوفير حياة كريمة لأسرته بعيداً عن ويلات الحروب.

مع مرور الوقت، أصبح عابد وجهاً مألوفاً في الأسواق المحلية، حيث ينجذب الزبائن لأطباقه الشهية وقصته الإنسانية المؤثرة. وبالإضافة إلى عمله في الأسواق، يساعد محمد زوجته في تجهيز موائد الطعام الفلسطيني للمناسبات الخاصة، محولاً المطبخ إلى جسر يربط بين وطنه الأم وموطنه الجديد.

شقيقه الأصغر فادي وجد أيضاً طريقه في عالم التجارة، حيث يبيع الطعام الفلسطيني ويدير حساباً شهيراً على إنستغرام بعنوان 'ابن فلسطين'. يتابع فادي أكثر من 48 ألف شخص، حيث ينشر مقاطع فيديو باللغة الإسبانية بلكنة أجنبية محببة، مسوقاً لمشروعه الذي ينمو يوماً بعد يوم.

رغم النجاح الذي يحققه الأشقاء في المكسيك، إلا أن قلوبهم لا تزال معلقة بغزة، حيث يسعى محمد حالياً لإجلاء شقيقتيه اللتين لا تزالان عالقتين هناك. وتستمر العائلة في محاولات لم الشمل، مؤكدين أن نجاتهم لن تكتمل إلا بضمان أمن جميع أفراد الأسرة بعيداً عن خطر القصف.

في مايو الماضي، شهدت العائلة ولادة يوسف، الابن الأصغر لمحمد، الذي حصل على الجنسية المكسيكية بمجرد ولادته على أراضيها. ويختتم محمد حديثه بالتأكيد على أن ابنه، رغم كونه مكسيكياً بالوثائق، سينشأ وهو يدرك تماماً أن جذوره وأصوله تنتمي إلى تراب غزة الذي نزحوا منه.