وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برفقة زوجته سارة، إلى مدينة نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط مؤشرات متزايدة على حالة من العزلة السياسية التي بدأت تحيط به وبإسرائيل على الصعيد الدولي. وقد هبطت طائرته في مطار 'نيويورك ستيوارت الدولي' الذي يبعد نحو 106 كيلومترات عن مقر المنظمة الدولية، في خطوة تعكس تعقيدات لوجستية وسياسية واجهت الرحلة منذ انطلاقها.
وأفادت تقارير بأن اختيار هذا المطار البعيد جاء نتيجة مخاوف من إجراءات قد يتخذها مسؤولون محليون في نيويورك، حيث أشارت مصادر إلى احتمالية عدم السماح للطائرة بالانتظار في المطارات الرئيسية للمدينة. وبحسب بيانات تتبع الملاحة الجوية، فقد سلكت الطائرة مساراً جوياً مر عبر اليونان وإيطاليا وفرنسا، متجاهلة التحديات القانونية المرتبطة بمذكرة الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو من المحكمة الجنائية الدولية.
وتأتي هذه الزيارة في سياق زمني مختلف تماماً عما اعتاد عليه نتنياهو في سنوات سابقة، حيث تقلص برنامج عمله في نيويورك بشكل حاد ليصل إلى ست ساعات فقط. هذا الاختصار الكبير يعكس حجم الضغوط التي يواجهها، بعد أن كان يقضي أياماً في الولايات المتحدة يعقد خلالها سلسلة طويلة من الاجتماعات مع قادة العالم وكبار المسؤولين الأمريكيين.
وأكدت وسائل إعلام عبرية أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي يخلو تماماً من أي لقاء مع الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الجمهوري الحالي دونالد ترمب. ورغم المحاولات الإسرائيلية الحثيثة لترتيب هذا الاجتماع، إلا أن الفشل في تحقيقه اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على برود العلاقات حتى مع الحلفاء التقليديين في اليمين الأمريكي.
ووصف باراك سيري، المحلل والضابط السابق في استخبارات الاحتلال، الزيارة بأنها 'غير عادية للغاية وقصيرة جداً'، مشيراً إلى أنها تكاد تخلو من أي لقاءات دبلوماسية ذات قيمة. وأضاف سيري في تصريحات إذاعية أن نتنياهو بات يُعامل كـ 'منبوذ'، مؤكداً أن ترمب نفسه لا يبدي رغبة في استقباله في الوقت الراهن.
من جانبه، اعتبر السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، مايكل أورين أن غياب لقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي خلال زيارة لواشنطن يعد سابقة تاريخية وضربة سياسية موجعة. وأوضح أورين أن هذا التطور يأتي في توقيت حساس للغاية، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات العامة المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر المقبل.
ولم تقتصر الإلغاءات على الجانب السياسي الرسمي، بل شملت أيضاً محطات كانت مقررة مع رجال أعمال بارزين، حيث تم إلغاء زيارة لولاية تكساس للقاء الملياردير إيلون ماسك. كما قرر الوفد الإسرائيلي عدم المبيت في نيويورك والعودة فور إلقاء الكلمة، مما يعزز الانطباع بأن الزيارة هي مجرد محاولة لتأدية واجب بروتوكولي تحت ضغط شديد.
وفيما يتعلق بالخطاب المرتقب أمام الجمعية العامة، أشارت صحف عبرية إلى أن نتنياهو سيوجه رسائله بالدرجة الأولى إلى الجمهور الإسرائيلي في الداخل وليس للمجتمع الدولي. ويرى محللون أن العالم لم يعد مهتماً بالإصغاء لخطابات نتنياهو المكررة، مما يجعله يركز على تحسين صورته أمام ناخبيه في ظل تراجع شعبيته.
وتوقعت مصادر صحفية أن يواجه نتنياهو أجواءً مشحونة داخل قاعة الأمم المتحدة، خاصة بعد سلسلة الخطابات الدولية التي انتقدت بشدة السياسات الإسرائيلية والعدوان المستمر. وهناك ترقب واسع لاحتمالية مغادرة وفود دبلوماسية عديدة للقاعة بمجرد صعوده إلى المنصة، في مشهد تكرر سابقاً ويعبر عن الاحتجاج الدولي.
وحذر دان شابيرو، السفير الأمريكي الأسبق لدى تل أبيب، من تراجع غير مسبوق في مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، مؤكداً أن هذا التدهور طال حتى أوساط الحزب الجمهوري. وأشار شابيرو إلى أن القناعة بدأت تترسخ في واشنطن بأن نتنياهو لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل لأي أزمة حالية في المنطقة.
وذهب شابيرو إلى أبعد من ذلك بالتلميح إلى أن دونالد ترمب قد يفضل التعامل مع حكومة إسرائيلية بديلة في المستقبل، مما يزيد من تعقيد موقف نتنياهو السياسي. هذه التصريحات تعكس عمق الفجوة التي بدأت تتشكل بين القيادة الإسرائيلية الحالية ومراكز صنع القرار في الولايات المتحدة بمختلف توجهاتها.
داخلياً، يواجه نتنياهو ضغوطاً هائلة مع اقتراب الانتخابات، حيث تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن كتلته السياسية لا تزال عاجزة عن تأمين أغلبية 61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة. وتعتبر هذه الزيارة الفاشلة دبلوماسياً مادة دسمة للمعارضة الإسرائيلية التي تتهمه بتبديد الرصيد الاستراتيجي لإسرائيل في الخارج.
ختاماً، يرى مراقبون أن خطاب نتنياهو قد يكون الفرصة الأخيرة له لمحاولة ترميم صورته الدبلوماسية المتهالكة قبل العودة لمواجهة مصيره السياسي في الداخل. ومع ذلك، فإن العزلة التي أحاطت بزيارته لنيويورك تشير إلى أن المهمة قد تكون شبه مستحيلة في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية الراهنة.
المصدر:
القدس