تشهد الساحة اليمنية تحولات دراماتيكية مع اتساع رقعة المعارك على الساحل الغربي، حيث تجاوزت تداعيات هذه التطورات الحدود الجغرافية لتلقي بظلالها على الحسابات الإقليمية والدولية. وتأتي هذه التحركات في ظل إحكام جماعة أنصار الله (الحوثيين) سيطرتها على مضيق باب المندب، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية الحاكمة لحركة التجارة العالمية.
تتجه الأنظار حالياً نحو واشنطن لمراقبة طبيعة الدور الذي قد تؤديه في ظل هذه المتغيرات المتسارعة. وتطرح التساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستكتفي بتقديم الدعم اللوجستي لحلفائها، أم أن التطورات الميدانية ستجبرها على انخراط عسكري مباشر لحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر.
كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن وجود تواصل مباشر بين جماعة الحوثي وإدارته، حيث طلبت الجماعة من واشنطن عدم التدخل في المعارك الجارية. ويتزامن هذا الإعلان مع حراك دبلوماسي وعسكري أمريكي مكثف في المنطقة، يهدف إلى تقييم الموقف الميداني وتأثيره على المصالح الحيوية.
في سياق متصل، أجرى الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، زيارة إلى المملكة العربية السعودية لبحث التطورات المتسارعة. وتركزت المحادثات على سبل احتواء آثار تقدم الحوثيين على الساحل الغربي، وضمان عدم تأثر إمدادات الطاقة العالمية عبر الممرات المائية الإستراتيجية.
لا تقتصر أهمية التقدم الميداني للحوثيين على تغيير خارطة النفوذ الداخلي، بل تمتد لتشمل السيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ويمثل هذا الموقع ورقة ضغط قوية في يد الجماعة، مما يرفع من مستوى المخاطر الأمنية للدول المطلة على البحر والقوى الدولية المعنية بحرية الملاحة.
أفادت مصادر مطلعة بأن الرياض تحركت للحصول على مساندة أمريكية أكبر لمواجهة التحديات الناشئة على حدودها الجنوبية. ووفقاً لتقارير صحفية، طلبت السعودية مساعدة عسكرية مباشرة للحد من تمدد الحوثيين، إلا أن الرد الأمريكي جاء متحفظاً حيال الانخراط في قتال مباشر.
أبلغت إدارة ترمب الجانب السعودي بأنها لا تعتزم تنفيذ عمليات عسكرية هجومية في الوقت الراهن، مفضلة الاكتفاء بتقديم الدعم الاستخباري. ويشمل هذا الدعم المساعدة في تحديد الأهداف وتوفير المعلومات اللازمة للقوات الحكومية اليمنية والتحالف، دون تحمل تبعات فتح جبهة حرب جديدة.
يعكس هذا الموقف الأمريكي رغبة واشنطن في إدارة الصراع من بعيد دون التورط في استنزاف عسكري جديد. وتسعى الإدارة الأمريكية إلى موازنة التزاماتها تجاه حلفائها مع ضرورة تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد لا تكون نتائجها مضمونة بناءً على تجارب سابقة.
تشير تقارير إلى أن التوجيهات الرئاسية الأمريكية تقضي بتركيز الجهود العسكرية على مواجهة النفوذ الإيراني وتأمين مضيق هرمز. وتعتبر واشنطن أن تشتيت القوات في جبهات متعددة قد يضعف من قدرتها على الردع في الملفات الأكثر أولوية بالنسبة لأمنها القومي.
تضع هذه الإستراتيجية إدارة ترمب أمام اختبار معقد، حيث تحاول التوفيق بين حماية طرق التجارة الدولية والحد من التزاماتها العسكرية. ويبدو أن السياسة الحالية تعتمد على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع كافة الأطراف لمنع اتساع رقعة المواجهة لتشمل المصالح الأمريكية المباشرة.
يرى خبراء في الشأن اليمني أن وصول الحوثيين إلى باب المندب يمثل تحولاً جيوسياسياً قد يغير موازين الصراع في المنطقة برمتها. وبالرغم من الرسائل التطمينية التي ترسلها الجماعة للمجتمع الدولي، إلا أن السيطرة الفعلية تمنحها قدرة عالية على المناورة السياسية والعسكرية.
يعتقد مراقبون أن الهدف الحقيقي من السيطرة على المضيق هو توظيفه كأداة ضغط في المفاوضات القادمة، وربما لتخفيف الضغوط الدولية المفروضة على طهران. وتدرك واشنطن هذه الأبعاد، مما يجعل تعاملها مع الملف اليمني مرتبطاً بشكل وثيق بملف الصراع الإقليمي الأوسع مع إيران.
من جهة أخرى، يشير محللون سياسيون في واشنطن إلى أن التردد الأمريكي في التدخل يعود إلى فشل الخيارات العسكرية السابقة في تحقيق حسم حقيقي. فقد أثبتت الحرب الجوية الطويلة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء تهديد الحوثيين، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تعقيد المشهد.
في نهاية المطاف، تظل الخيارات الأمريكية في اليمن محصورة بين الدبلوماسية الحذرة والدعم المحدود للحلفاء. ويبقى التحدي الأكبر أمام إدارة ترمب هو كيفية ضمان أمن البحر الأحمر دون الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة الأمد في بلد أثبتت تجاربه السابقة صعوبة الحلول العسكرية فيه.
المصدر:
القدس