آخر الأخبار

عباس إبراهيم يروي أسرار اغتيال رينيه معوض وخلافه مع رستم غزا

شارك

استعاد المدير العام السابق للأمن العام اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، محطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، كاشفاً عن خبايا أمنية رافقت مسيرته التي بدأت من بوابة الكلية الحربية إبان الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. وروى إبراهيم في شهادة متلفزة كيف تقاطعت مسيرته مع كبار صناع القرار والوسطاء الدوليين، محاولاً الإجابة على تساؤلات حول دور رجل الأمن في سد فراغ مؤسسات الدولة الهشة.

من أبرز ما كشفه إبراهيم هو التحذير الاستخباراتي الذي تلقاه الوسيط العربي الأخضر الإبراهيمي صباح يوم اغتيال الرئيس رينيه معوض في نوفمبر 1989. وأوضح أن الإبراهيمي حاول ثني معوض عن المشاركة في احتفالات عيد الاستقلال بناءً على معلومات من سفارة غربية، إلا أن الرئيس أصر على الحضور، ليقع الانفجار الذي أودى بحياته بعد 17 يوماً فقط من انتخابه.

وتطرق إبراهيم إلى كواليس انتخاب الرئيس إلياس الهراوي، حيث تولى مهمة حساسة تمثلت في تهريب الرئيس المنتخب من فندق شتورة بزي عسكري عبر المطبخ. كانت هذه العملية تهدف لتجاوز الحراسة السورية المشددة ونقل الهراوي إلى مكان آمن في 'أبلح'، في ظل ظروف أمنية معقدة وانقسام حاد في مؤسسات الدولة والجيش.

علاقة إبراهيم برئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري بدأت بمهمة استقبال في المطار وتطورت لتصبح علاقة ثقة عميقة، حيث وصف الحريري بأنه كان يمثل 'بوليصة تأمين معنوية'. وأشار إلى أن الحريري كان يمتلك قدرة فائقة على تجاوز الحملات السياسية، مؤكداً أنه تعلم منه الصبر والحزم في إدارة الملفات الوطنية الكبرى بعيداً عن الصغائر.

وفيما يخص الصدام مع النفوذ السوري، روى إبراهيم تفاصيل مواجهته الكلامية مع رستم غزالي، رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري آنذاك، بسبب التدخل في ترقيات ضباط الجيش اللبناني. هذا الخلاف أدى لاحقاً إلى إبعاد إبراهيم من مديرية المخابرات وتجميد دوره لسنوات، في إشارة واضحة إلى حجم الهيمنة التي كانت تمارسها دمشق على القرار الأمني اللبناني.

شهدت مرحلة ما بعد انسحاب القوات السورية عام 2005 عودة إبراهيم إلى الواجهة الأمنية، حيث كُلف بالتنسيق مع الأجهزة السورية مرة أخرى. وكشف عن لقاء جمعه بآصف شوكت في دمشق عام 2008، حيث تم تجاوز 'العتب' المتبادل والاتفاق على فتح صفحة جديدة من التنسيق الأمني، خاصة في ملفات مكافحة شبكات التجسس الإسرائيلية التي كانت تنشط في المنطقة.

تحدث إبراهيم عن تجربته الميدانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مستذكراً واقعة تصديه لمحاولة تقدم إسرائيلية في بلدته بالجنوب عام 1983 خارج إطار مهمته الرسمية. كما روى تفاصيل عملية معقدة لفك حصار عن جنود أمريكيين قرب مطار بيروت عبر التسلل من خلال مجاري المياه، وهي الحادثة التي ظلت محفورة في ذاكرته بسبب مفارقات التعامل الإنساني والميداني.

لبنان يستطيع أن ينأى بنفسه عن الأزمة، لكن الأزمة لن تنأى بنفسها عنه؛ لذا كان التحرك خارج الحدود التقليدية ضرورة لحماية الدولة.

حول أحداث مخيم عين الحلوة، كشف إبراهيم عن جرأته في دخول المخيم بملابس مدنية ودون سلاح للتفاوض مع القوى الفلسطينية و'عصبة الأنصار'. كان الهدف من هذه الخطوة الجريئة منع تمدد تداعيات معركة نهر البارد إلى الجنوب، وقد نجح في فرض قنوات اتصال مباشرة مع القيادات الفلسطينية رغم المخاطر الأمنية المحدقة بحياته.

اعتبر إبراهيم أن الطائفية هي 'مرض المؤسسات' في لبنان، مؤكداً أن خروجه من الاصطفافات الضيقة منحه قوة إضافية في إدارة ملفات التفاوض والرهائن. ورأى أن قدرة المسؤول على التحرك خارج حدود طائفته هي المفتاح للوصول إلى تفاهمات مع أطراف متناقضة، وهو ما ميز دوره كدبلوماسي أمني في العديد من الأزمات الإقليمية.

في قراءته لحرب تموز 2006، أشار إبراهيم الذي كان يتولى مخابرات الجنوب حينها، إلى أن صمود المقاومة كان يتطلب استثماراً سياسياً ذكياً للوصول إلى تسوية تحفظ كرامة لبنان. وأكد أن القرار 1701 مثل حاجة ضرورية لمنع تجدد الصراع الواسع، رغم التحديات المستمرة التي تواجه تطبيق بنوده على أرض الواقع.

تطرق اللواء المتقاعد إلى لحظة اغتيال رفيق الحريري عام 2005، موضحاً أنه كان يقود فوج المغاوير وشاهد الدخان يتصاعد من مكتبه المطل على بيروت. ورغم أن شكوكه الأولى اتجهت نحو إسرائيل، إلا أنه أقر بأن غيابه عن العمل الاستخباري المباشر في ذلك الوقت حال دون امتلاكه معلومات قطعية حول الجهة المنفذة في اللحظات الأولى.

تناول إبراهيم أيضاً ملف مكافحة الإرهاب والتجسس، مشيراً إلى أن التركيز في التسعينيات كان منصباً على الشبكات الإسرائيلية قبل بروز خطر الجماعات الجهادية. وأوضح أن التعامل مع آلاف المتهمين بالعمالة بعد انسحاب عام 2000 كان من أصعب المهام الأمنية والقانونية التي واجهت الأجهزة اللبنانية في تلك الحقبة الانتقالية.

يرى إبراهيم أن سياسة 'النأي بالنفس' التي اعتمدها لبنان تجاه الأزمة السورية كانت تحتاج إلى مقاربة أكثر واقعية، حيث اقترح تشكيل لجنة حكماء لزيارة دول الربيع العربي. واعتبر أن تقاعس السياسيين عن القيام بهذا الدور دفعه للتحرك ضمن حدود وظيفته الأمنية لفتح قنوات اتصال تضمن حماية الساحة اللبنانية من الانفجار.

تختتم هذه الشهادة بجزء من سيرة رجل تحول من ضابط ميداني إلى وسيط إقليمي يتحرك في غرف التفاوض المغلقة بين طهران وواشنطن وعواصم عربية. ويبقى السؤال الذي طرحه إبراهيم قائماً حول ما إذا كان دوره نتاج قدرات شخصية أم انعكاساً لضعف الدولة التي تحتاج دائماً إلى 'رجل المهمات الصعبة' لملء الفراغ.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا