تتأهب الحكومة البريطانية لاتخاذ خطوة سياسية وتجارية غير مسبوقة، عبر الإعلان رسمياً عن حظر التبادل التجاري مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الضفة الغربية المحتلة. ومن المتوقع أن يتم الكشف عن تفاصيل هذا القرار مساء يوم الثلاثاء المقبل، في توقيت يوصف بالحساس كونه يسبق احتفالات رأس السنة العبرية بأيام قليلة.
يأتي هذا التحول الجوهري في السياسة الخارجية البريطانية عقب مناقشات مكثفة في أروقة وستمنستر، حيث سيتم عرض القرار بعد جلسة مخصصة لبحث قضايا المجتمع اليهودي. وتهدف لندن من خلال هذه الخطوة إلى مواءمة تشريعاتها الوطنية مع القانون الدولي والقرارات الأممية الأخيرة المتعلقة بالاستيطان.
وتتضمن حزمة العقوبات المرتقبة إجراءات صارمة تشمل المنع الكامل لاستيراد كافة البضائع والمنتجات التي يتم تصنيعها أو إنتاجها داخل المستوطنات غير القانونية. كما ستمتد العقوبات لتطال مؤسسات وأفراداً داخل المملكة المتحدة يثبت تورطهم في دعم أو تمويل الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية.
وكان وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، قد مهد لهذا القرار منذ منتصف شهر أغسطس الماضي، حين دعا إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة وإعادة ضبط للسياسة الخارجية تجاه الأوضاع في الضفة الغربية. وتأتي هذه التحركات استجابة لضغوط برلمانية واسعة، حيث وقع نحو 140 نائباً في مجلس العموم طلباً بفرض حظر تجاري على المستوطنات.
وتستند الحكومة البريطانية في مسوغاتها القانونية إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، والذي أكد بوضوح عدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. ويفرض هذا الرأي التزامات قانونية على الدول الأعضاء بضرورة اتخاذ خطوات عملية لعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناتج عن الاحتلال.
في المقابل، أثار القرار موجة من القلق والاحتجاج داخل المنظمات اليهودية في بريطانيا، حيث حذر مجلس نواب اليهود البريطانيين من تداعيات هذه الخطوة على العلاقات الثنائية. وأعربت قيادات دينية عن خشيتها من أن يؤدي الحظر إلى عزل إسرائيل اقتصادياً وتضرر الروابط الاجتماعية والدينية لليهود البريطانيين.
من جانبه، حذر الحاخام الأكبر في بريطانيا، إفرايم ميرفيس، من أن هذه الإجراءات قد تنعكس سلباً على مساعي السلام في المنطقة وتؤدي إلى نتائج عكسية. وأشار ميرفيس إلى أن المقاطعة قد تضر بسبل عيش آلاف العمال الفلسطينيين الذين يعملون في تلك المنشآت، حسب تعبيره، محذراً من تحولها إلى مقاطعة شاملة.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي، برز انقسام حاد بين الحكومة والمعارضة، حيث أبدى وزير خارجية حكومة الظل، توم توغندهات، اعتراضاً شديداً على التوجه الحكومي. واعتبر توغندهات أن المساس بالعلاقات مع إسرائيل قد يهدد الأمن القومي البريطاني، خاصة في ظل التعاون الاستخباري الذي ساهم في إحباط هجمات إرهابية سابقة.
قانونياً، شككت منظمات حقوقية وقانونية موالية لإسرائيل في شرعية القرار، مدعية أنه يتعارض مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية والالتزامات الثنائية بين لندن وتل أبيب. ووصف جوناثان تيرنر، رئيس منظمة محامون من أجل إسرائيل، السياسة الجديدة بأنها تفتقر إلى الموضوعية وتخالف القوانين التجارية المعمول بها.
وتعكس هذه التطورات حالة من الجمود الدبلوماسي بين البلدين، حيث كشفت مصادر في داونينغ ستريت عن غياب أي تواصل مباشر بين رئيس الوزراء البريطاني وبنيامين نتنياهو منذ فترة طويلة. ويترقب المراقبون رد الفعل الرسمي الإسرائيلي فور صدور القرار النهائي، وسط توقعات بتصعيد دبلوماسي متبادل بين الطرفين.
المصدر:
القدس