غزة - لينا علي
طوت عائلة الشهيد أحمد أبو شريعة رحلة البحث والانتظار المضنية، بعد أن تمكنت من العثور على جثمانه والتعرف عليه من خلال بنطاله الرمادي الذي ارتداه في يومه الأخير في الحياة قبل استعداده للنزوح إلى الجنوب. أرسل أحمد صورته قبل نصف ساعة فقط من استشهاده، فكانت هذه الصورة هي الدلالة الوحيدة على أن ما تحتويه الملابس المطابقة للصورة من عظام، تعود له. ففي غزة لا مكان لرفاهية استخدام اختبارات الحمض النووي أو الفحص الجيني، فالتعرف على الجثامين يعود لما يقتنيه الأشخاص، إذ أصبحت المقتنيات والأغراض الشخصية (إن وجدت) كالملابس والإكسسوار والهويات وجوازات السفر دليلاً كافياً لأن نعرف لمن يعود هذا الجثمان.
لم يكن الموت وحده ما أثقل هذا الفقد، وإنما الانتظار، ظل مصير الابنين معلقا تحت الأنقاض، وبينما تعيش العائلة صعوبة الانتظار كان إبراهيم حريصاً على زيارة المنزل الذي احتموا فيه وبقوا تحت أنقاضهيومياً: "في كل جمعة من الأسبوع أذهب أنا وجميع أفراد عائلتي إلى البيت لقراءة الفاتحة على الجثامين ثم يذهب كل شخص للتحدث مع فقيده".
قبل نحو ثلاثة أسابيع بدأت طواقم الدفاع المدني بغزة عمليات البحث عن جثامين عائلة أبو شريعة تحت الأنقاض، جاء القرار بعد سعي طويل ومستمر لأفراد العائلة منذ اللحظة الأولى لبدء عمليات الانتشال. تمكنت أخيراً فرق الإنقاذ من الوصول إلى المكان الذي كان يجلس فيه الابنان داخل المنزل، كان إبراهيم ملازماً لطواقم البحث، لم يكن يعرف ما إذا كان سيكون من السهل التعرف إلى جثامين أبناءه وإخوانه، لكنه كان يعرف أن سنوات الانتظار اقتربت من نهايتها.
برغم صعوبة الأمر في بدايته، لكن إبراهيم بدأ يشعر بأن الراحة تسللت أخيراً إلى جسده وعقله "الحمد لله ساعة الانتشال كانت فيها راحة نفسية لأنني لم اعد امشي من أمام المنزل وأنا عاجز عن استخراج أبنائي، أصبحت مطمئنا أكثر، على الأقل عند المرور من أمام المكان الآن لا أنظر إليه ولا أتوقف عنده".
أما أحمد الذي كان يبلغ (28) عاماً عند استشهاده، فلم يبقَ شيئاً من جسده يقود إلى التعرف على هويته، ولم تكن هناك علامة جسدية تدل عليه، بل بنطاله الرمادي الذي يتذكره والده جيداً وكان دليلاً واضحاًلأن يقول "هذا جثمان إبني أحمد"، لا سيما وأن أحمد كان قد أرسل لوالده صورة وهو يرتديه قبل الاستهداف بدقائق قليلة. في الحالتين لم تكن هناك حاجة إلى رؤية وجهيهما للتعرف على جثمانهم وإنما تفاصيل صغيرة لا يعرفها إلا هو بقيت معهما تحت الركام.
أصر إبراهيم على إقامة مراسم تشييع رمزية لأبنائه وأفراد عائلته، فجمع الورود برفقة حفيدته نادية وأحفاده من ابنته الذين فقدوا والدهم أيضاً؛ اختار الأحفاد الورود ذات اللونين الوردي والأبيض ونثروها على توابيت مغطية بالعلم الفلسطيني حصل عليها من الكنيسة بغزة، في مشهد مهيب ودّع فيه إبراهيم وعائلته بالدموع والورود أبنائه وإخوانه وأفراد عائلته الذين بلغ عددهم حوالي 112 جثمان.
في غزة.. لم يكن بنطال أحمد الدليل الوحيد؛ ففي عائلة أخرى، كانت سلسلة وخصلة شعر وأسنان هي ما تبقى من هوية أصحابها. فكانتفاطمة عزمي الريس التي تعيش في النمسا، منذ اليوم الأول من الحرب تتابع أخبار عائلتها عبر الاتصال والرسائل، فالتواصل مع جميع أفراد عائلتها لم ينقطع، لكنه كان يتعثر بسبب انقطاع الإنترنت وتعطل شبكة الاتصال في غزة. أخيها مؤيد هو من كان ينقل أخبار أسرتها التي بقيت في مدينة غزة ولم تنزح إلى جنوب القطاع.
في 5 نوفمبر 2023 ولأول مرة لم تجرِ فاطمة اتصالها المعتاد لتتحدث مع أبيها وأمها وأفراد أسرتها، شيء ما في داخلها أخبرها ألا تجري ذلك الاتصال اليوم، إلى أن شاهدت خبر قصف عمارة الماسة بمدينة غزة، وهي العمارة التي تقطن فيها أسرتها؛ تزامنا مع الخبر، وصلها من أخيها مؤيد الذي كان برفقة أسرته لكنه خرج من العمارة لمدة 5 دقائق، اتصالاً أبلغها فيه انه تم قصف العمارة واستشهاد كل من (أبي، أمي، أختي عزة وأطفالها الثلاثة كريم وشام وآدم، أخي ميسرة وأختي عُريب). نجى كل من اخويها مؤيد ومحمد الذي كان يسكن في بيت مستقل عن عائلته في تلك الليلة. ظل التواصل مع إخوانها الاثنين مستمرا إلى أن انتشلت طواقم الدفاع المدني في صباح اليوم التالي جثماني أبيها وأمها وحفيدهما كريم من تحت أنقاض العمارة.
لكن في أقل من 24 ساعة، فقدت فاطمة إخوانها الاثنين مؤيد ومحمد الذين عادوا إلى العمارة للبحث عن باقي أفراد العائلة، لكن صاروخ إسرائيلي استهدفها مرة أخرى مما أدى إلى استشهادهم. وجدت فاطمة نفسها أمام حقيقة أنها الناجية الوحيدة من هذه العائلة، واقع لم تكن مستعدة له بعد أن كانت على أمل أن ينجو من كان ينقل لها الأخبار ويطمئنها يومياً.
المصدر:
القدس