بعد انتظار سنتين ونصف، باشرت طواقم الدفاع المدني مرة أخرى إلى استخراج من تبقى من عائلة الريس، كان التعرف على الجثامين شبه مستحيلاً بسبب تحللها وغياب الملامح بشكل كامل، كان عليهم أن يبحثوا عن تفاصيل صغيرة تقودهم إلى هوية الجثامين، سلسلة من الذهب وخصلة شعر كانتا هما الدليل الوحيد للتعرف على جثمان أختها عزة التي وجدوها تحتضن طفلتها شام لحمايتها عند العثور على رفاتهما، تعرفت فاطمة على السلسلة بعد أن أرسل لها الدفاع المدني صورتها، لتبقى الصورة هي الشيء الوحيد الذي تحتفظ به فاطمة.
لم تستطع فاطمة الاحتفاظ بشيء ملموس من مقتنيات عائلتها وتتمنى أن تقتني لوحات أختها عُريب، التي كانت لوحاتها المرسومة على الخشب دليلاً على أنها كانت موجودة في المكان رغم تحلل جسدها واستحالة التعرف إليه. " كانت رسامة ماهرة، ترسم على لوحات من الخشب، أتمنى أن تصلني هذه اللوحات في يوم من الأيام كي أحتفظ بها وتبقى ذكرى من توأم روحي عُريب".
ابسط الأشياء هي التي تقود إلى التعرف على أصحاب الجثامين، يقول المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن التعرف إلى الضحايا الذين يتم انتشالهم يعد أمر صعب للغاية لعدم وجود تحاليلطبية تثبت أن هذه الرفات تعود للضحية، وإنما تفاصيل بسيطة قد لا ينتبه لها سوى المقربين، كالملابس والسلاسل في رقبة الإناث. موضحاًأن غالبية الأسر تحمل معها هوياتها الشخصية حتى يسهل التعرف عليها في مثل هذه الحالات.
وأوضح بصل أنه على الرغم من غياب الفحوصات الوراثية والإمكانات اللازمة للتعرف على الضحايا، إلا أن الطب الشرعي في غزة يبذل مجهوداً واضحاً في نسب هذه الضحايا إلى أصحابها، فمن خلال عظام الجمجمة أو الفخذ أو الساق يستطيع بالنظر ومع الخبرة أن يحدد ما إذا كانت هذه العظمة تعود إلى ذكر أو أنثى مع تحديد الفئة العمرية التي تنتمي لها، فيسهل نسبيا معرفة هوية الشخص بالنسبة للأسرة.
وبحسب الدكتور أسامة عماد استشاري الصحة النفسية، أن انتشال الجثامين بعد مدة من الانتظار يمكن أن يستفز مشاعر الألم ويعيد تنشيط الحزن من جديد، إلا أنه من الممكن أن تظهر مشاعر مختلفة مثل الصدمة والغضب والارتباك، وأحياناً شعور غريب بالراحة بسبب انتهاء حالة عدم اليقين. مؤكدا أنها مشاعر متناقضة وطبيعية في حالات الفقد المعقدة كالتي يمر بها أهالي قطاع غزة، ولا تعني بالضرورة أن الشخص عاد إلى نقطة الصفر. مشيراً إلى أنه لا بد من التمييز بين عودة الحزن وبين الانتكاس النفسي الذي يستدعي حينها تدخل نفسي طارئ لمساعدته على تجاوز الفترة.
يرى د. عماد أن رؤية الشخص وتوديعه ودفنه ليست مجرد مظاهر اجتماعية أو دينية، بل هي بالنسبة لكثير من الناس طقوس تساعد العقل على الانتقال من حالة الفقد والانتظار إلى حقيقة الفقد، وعند غياب هذه الطقوس أو تغيرها قد تفقد الأسرة بعض هذه الوسائل التي تساعدها في التعبير عن الحزن، منوهاً إلى أن الحداد والوداع له أشكال مختلفة تختلف من شخص إلى آخر منها الحديث عن الشخص وذكرياتهم والاحتفاظ بمقتنياته الشخصية أو إقامة طقس رمزي للوداع.
قد تتجاوز وظيفة المقتنيات مسألة تحديد الهوية، يقول الدكتور عماد أن بعض الأسر قد تجد في المقتنيات والأغراض الشخصية التي يتم من خلالها التعرف إلى الجثمان، عزاءً لفقيدها، بينما قد يجد آخرون صعوبة حتى في النظر إليها لأنها تذكرهم بظروف الوفاة وتعتبر نوع من أنواع المهيجات النفسية التي تحفز مشاعر الصدمة والذكريات الأليمة المرتبطة بالأحداث المأساوية التي مروا بها.
يرى د. عماد بأن الاحتفاظ بالمقتنيات يمكن أن يكون دليلاً واقعيًا يساعد الأسرة على الوصول إلى اليقين بعد فترة طويلة من عدم المعرفة، لكن من جهة أخرى قد تصبح عملية الفقد مرتبطة به بشكل شديد إذا كانت المقتنيات هي الوسيلة الوحيدة للتعرف على الجثمان، لذلك قد يكون الغرض في البداية مؤلم وقاسي جدا ثم مع مرور الوقت يمكن ان يتحول إلى رمز للحياة أو الذكريات وليس فقط للموت فالاحتفاظ بالمقتنيات يمكن ان يكون جزءاً طبيعياً من الحداد أو الوفاء للمتوفى، لكن الأهم هو طبيعة العلاقة مع هذه المقتنيات، هل أصبحت تساعد الشخص على تذكر حياته أو أصبحت تمنعه من حياته اليومية أو تزيد معاناته بشكل مستمر؟.
ووفقا لرواية الدفاع المدني بغزة فقد بلغ عدد الضحايا الذين بقوا تحت أنقاض المنازل إلى يومنا هذا (8000) جثمان في حين قسمت طواقم الإنقاذ منذ وقف إطلاق النار عمليات الانتشال إلى مرحلتين، الأولىفي أكتوبر 2025 إذ استخرجت ما نحو (333) جثمان من أصل (500) جثمان، وفي المرحلة الثانية في نهاية يونيو الماضي تمكنت الفرق من انتشال (185) جثمان من أصل (402) مع استمرار عمليات الانتشال إلى يومنا هذا.
وفي غزة، ومن بين آلاف الضحايا التي لا تزال تحت الأنقاض، قد يكون بنطال أو سلسلة أو خصلة شعر أو علامة في الجسد هي آخر ما تبقى من هوية الإنسان لتقول من هو بعد سنوات من الانتظار.
المصدر:
القدس