آخر الأخبار

تحقيق: الاحتلال الإسرائيلي يتعمد إحراق جنوب لبنان

شارك

شهدت مناطق واسعة في جنوب لبنان، الممتدة من بلدة حولا وصولاً إلى الخيام، موجة حرائق عنيفة خلفت ندوباً عميقة في الأراضي الزراعية والحرجية خلال شهر أغسطس الجاري. وأظهرت التحقيقات الميدانية تقاطعاً واضحاً بين اندلاع هذه النيران وعمليات القصف الممنهجة التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي على طول الحدود اللبنانية.

كشفت مقارنة دقيقة لصور الأقمار الصناعية الملتقطة في محيط بلدة حولا الحدودية عن ظهور آثار احتراق جديدة في الفترة ما بين 4 و7 أغسطس. وتتطابق هذه البيانات التقنية مع شهادات ميدانية أفادت بقيام جنود الاحتلال بإضرام النار عمداً في الأشجار المثمرة، مما أدى لتمدد الحريق نحو المنازل المأهولة.

في منطقة كفرشوبا، رصدت خدمة 'كوبرنيكوس' للأقمار الصناعية رقعة احتراق ضخمة تقدر مساحتها بنحو 3.3 كيلومترات مربعة. ووفقاً لمصادر في الدفاع المدني، فإن هذا الحريق الهائل اندلع عقب إلقاء طائرة مسيرة إسرائيلية لذخائر حارقة في منطقة حرجية وعرة، تبعها هجوم مماثل في اليوم التالي مباشرة.

لم تقتصر الأضرار على المناطق الحدودية المباشرة، بل امتدت إلى مدينة النبطية حيث وثقت الأقمار الصناعية احتراق مساحة تصل إلى 0.57 كيلومتر مربع. وتزامن هذا الدمار البيئي مع قصف مدفعي إسرائيلي مكثف استهدف محيط النبطية الفوقا وكفرتبنيت ومنطقة علي الطاهر الاستراتيجية.

أفادت مصادر محلية بأن النيران في منطقة النبطية التهمت ما يقارب 30 إلى 40% من الأراضي القريبة من خطوط المواجهة. وأكدت فرق الإطفاء أن الاحتلال استخدم مزيجاً من القذائف الفوسفورية والقنابل المضيئة التي أُطلقت بكثافة فوق الأحراج لضمان اشتعال النيران واستمرارها.

في منطقة دوحة كفررمان، اندلعت حرائق واسعة عقب إلقاء قوات الاحتلال قنابل حارقة بشكل مباشر على الأراضي الزراعية. وقد وثقت مصادر إعلامية تصاعد أعمدة الدخان الكثيف التي غطت سماء المنطقة لساعات طويلة نتيجة تعذر وصول فرق الإطفاء بسبب القصف المستمر.

أكدت منظمة 'الجنوبيون الخضر' البيئية أن المسيرات الإسرائيلية استهدفت بشكل متعمد ما تبقى من محمية شهداء كفررمان. وأشارت المنظمة إلى أن استخدام المواد الحارقة يهدف إلى تدمير الغطاء النباتي الذي يشكل جزءاً من الهوية الطبيعية والاقتصادية للقرى الجنوبية.

الحرائق في جنوب لبنان لا تنعزل عن المشهد العسكري، والشهادات الميدانية تدعم فرضية مسؤولية جيش الاحتلال المباشرة.

خارج بلدة الخيام، أظهرت صور الأقمار الصناعية الملتقطة في منتصف أغسطس ظهور آثار احتراق على مساحة 0.23 كيلومتر مربع. وتعتبر حالة الخيام من أكثر الحالات وضوحاً من حيث التقاطع الزمني بين سقوط القنابل المضيئة الإسرائيلية وظهور بؤر النيران الموثقة فضائياً.

تشير التقارير الميدانية إلى أن جيش الاحتلال يعتمد استراتيجية 'الأرض المحروقة' لكشف المنطقة الحدودية وتجريدها من سواترها الطبيعية. وتتسبب هذه السياسة في خسائر فادحة للمزارعين اللبنانيين الذين فقدوا آلاف الأشجار المعمرة من الزيتون والبلوط خلال الأسابيع الأخيرة.

توضح الحالات التي جرى فحصها أن حرائق الجنوب اللبناني ليست حوادث عرضية ناتجة عن عوامل طبيعية أو ارتفاع درجات الحرارة. بل هي نشاط عسكري منظم يهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الضرر بالبيئة اللبنانية والبنية التحتية للقرى الحدودية الصامدة.

استخدمت قوات الاحتلال في اعتداءاتها طائرات مسيرة متطورة قادرة على إلقاء مواد شديدة الاشتعال بدقة عالية في عمق الأحراج. هذا الأسلوب يقلل من قدرة الدفاع المدني على السيطرة على الحرائق في بداياتها، خاصة في المناطق التي تشهد توترات أمنية مستمرة.

تؤكد الشهادات المباشرة من رؤساء مراكز الدفاع المدني في الجنوب أن الاحتلال يتعمد استهداف فرق الإطفاء أثناء محاولتها إخماد الحرائق. هذا السلوك الإجرامي يضاعف من حجم الكارثة البيئية ويزيد من مساحة الأراضي المتفحمة التي باتت تغطي مساحات شاسعة من الشريط الحدودي.

إن التقاطع بين الروايات الميدانية وصور الأقمار الصناعية يقدم دليلاً دامغاً على مسؤولية الاحتلال الكاملة عن هذه الحرائق. وتعتبر هذه الوثائق جزءاً من ملف أوسع يوثق الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية وللقوانين الدولية التي تحظر استخدام الفوسفور الأبيض في المناطق المدنية.

يبقى المشهد في جنوب لبنان رهيناً بالتصعيد العسكري المستمر، حيث تظل النيران أداة من أدوات الحرب التي يشنها الاحتلال. وتستمر المنظمات البيئية والحقوقية في رصد هذه الجرائم التي لا تستهدف البشر فحسب، بل تمتد لتطال الشجر والحجر في عدوان شامل لا يتوقف.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا