يتصاعد الجدل السياسي والدبلوماسي حول مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، في ظل مساعٍ إسرائيلية حثيثة لاستبعادها من أي ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة الحدودية. وأكدت الرئاسة اللبنانية أن بقاء هذه القوات يمثل ضرورة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار وتوفير الأمان للسكان المحليين في بلدات الجنوب.
وشدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن التمديد لولاية «اليونيفيل» يظل الأولوية القصوى للدولة اللبنانية، معتبراً أن التنسيق بين القبعات الزرق والجيش اللبناني هو الضمانة الأساسية لتنفيذ القرارات الدولية. وأوضح عون أن أي محاولة لتغيير هذا الواقع يجب أن تضمن استمرار الحضور الدولي ضمن إطار قانوني واضح يدعم سيادة الدولة.
في المقابل، تقود إسرائيل حملة دبلوماسية واسعة في أروقة الأمم المتحدة لمنع تمديد مهمة البعثة التي تنتهي رسمياً في نهاية ديسمبر 2026. وتدعي سلطات الاحتلال أن القوة الأممية فشلت في أداء مهامها، وسمحت بتعاظم النفوذ العسكري لحزب الله في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني دون اعتراض فعال.
وتشير تقارير إلى وجود مقترحات بديلة يجري تداولها في كواليس المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، تهدف إلى تشكيل «آلية مراقبة» جديدة تضم دولاً محددة. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن هذه الآلية قد تشمل قوات من بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا، لتولي مهام التحقق من نزع السلاح في المناطق الحدودية.
وتسعى واشنطن من خلال هذه التحركات إلى صياغة اتفاق إطاري يربط بين انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي وبين نقل المهام الأمنية تدريجياً إلى الجيش اللبناني تحت إشراف دولي جديد. وتمنح هذه التفاهمات الولايات المتحدة صلاحية واسعة في تحديد هوية الدول المشاركة في مراقبة تنفيذ الاتفاقات الأمنية بين الطرفين.
تاريخياً، تمثل «اليونيفيل» الركيزة الأساسية لمراقبة وقف الأعمال العدائية منذ تأسيسها عام 1978، وقد تعزز دورها بشكل كبير عقب حرب عام 2006 بموجب القرار 1701. وتتولى البعثة حالياً مراقبة «الخط الأزرق» الذي يمتد لمسافة 120 كيلومتراً، ويسعى لبنان للحفاظ على هذا الدور لمنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة.
وتتزامن هذه التطورات مع تدهور الأوضاع الإنسانية والميدانية، مما يجعل من وجود المراقبين الدوليين حاجة ملحة لتوثيق الانتهاكات المستمرة. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن فرنسا والأمين العام للأمم المتحدة يدفعان باتجاه الإبقاء على قوة مراقبة وازنة تضم آلاف الجنود لضمان عدم انهيار الاستقرار الهش.
إن الصراع حول هوية القوات الدولية يعكس عمق الخلاف على ترتيبات ما بعد الحرب، حيث يسعى كل طرف لفرض رؤيته للسيادة والأمن. وبينما يرى لبنان في «اليونيفيل» درعاً دولياً، تعتبرها إسرائيل عائقاً أمام طموحاتها في تغيير الواقع الميداني بالقوة أو عبر اتفاقات أمنية بديلة.
وتشير المعلومات المسربة من لقاءات دولية جرت مؤخراً في روما إلى أن قائمة الدول المرشحة لآلية المراقبة الجديدة حظيت بتوافق مبدئي بين بعض الأطراف. ومع ذلك، يظل التنفيذ الفعلي مرتبطاً بمدى قدرة الجيش اللبناني على تسلم المهام الأمنية بالكامل في ظل التحديات اللوجستية والسياسية الراهنة.
ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة المجتمع الدولي على موازنة المطالب اللبنانية بالسيادة مع الشروط الإسرائيلية الأمنية القاسية. وتترقب الأوساط السياسية في بيروت جلسات مجلس الأمن القادمة التي ستحسم مصير البعثة الأممية، وسط مخاوف من دخول الجنوب في مرحلة غموض أمني.
إن التمسك اللبناني بـ «اليونيفيل» ينبع أيضاً من دورها التنموي والاجتماعي في القرى الحدودية، حيث تساهم البعثة في مشاريع حيوية تدعم صمود السكان. ويحذر مسؤولون لبنانيون من أن غياب هذه القوات قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة وتفكك النسيج الاجتماعي في المناطق المتاخمة للحدود.
في نهاية المطاف، يمثل ملف القوات الدولية اختباراً حقيقياً لفاعلية الأمم المتحدة في حل النزاعات المزمنة، خاصة في ظل الاستقطاب الدولي الحاد. وستكشف الشهور القادمة ما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح في الحفاظ على مظلة «اليونيفيل» أم أن المنطقة تتجه نحو ترتيبات أمنية جديدة تفرضها موازين القوى.
المصدر:
القدس