دخلت أزمة سد النهضة منعطفاً جديداً من التوتر المحتدم، عقب تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، أكد فيها أن تدفق مياه نهر النيل باتجاه دول المصب بات يخضع لسيطرة بلاده الكاملة. هذه التصريحات أثارت تساؤلات عميقة حول التوجهات المستقبلية لأديس أبابا، خاصة أنها تزامنت مع انتقادات حادة وجهتها للسياسات المصرية في المنطقة.
واتهم الوزير الإثيوبي القاهرة بقيادة حملات إعلامية وصفها بـ 'المضللة' بهدف تقييد حق بلاده في الاستفادة من مواردها المائية وبناء سد النهضة. وشدد على أن حكومة آبي أحمد لن تتوقف عند هذا الحد، بل تعتزم المضي قدماً في تنفيذ مشاريع مائية جديدة على روافد النيل بدعوى تحقيق الاستخدام العادل للمياه ودعم التنمية المستدامة.
وتشير تقارير فنية ومحلية في إثيوبيا إلى وجود خطط طموحة لإنجاز أكثر من ثلاثة سدود جديدة ذات طاقة تخزينية ضخمة. ومن المتوقع أن تتجاوز السعة الإجمالية لهذه المشاريع المقترحة سعة سد النهضة الحالية، مما يعزز من قدرة أديس أبابا على التحكم المطلق في الموارد المائية الواصلة إلى السودان ومصر.
في المقابل، أبدت مصادر مسؤولة في القاهرة رفضاً قاطعاً لهذه التوجهات، مؤكدة أن مياه النيل قضية وجودية لا تقبل المساومة. وأوضحت المصادر أن أي إجراءات أحادية الجانب تمثل خرقاً صريحاً للقوانين الدولية المنظمة للأنهار المشتركة، مشددة على ضرورة الالتزام باتفاقيات قانونية ملزمة تضمن حقوق الجميع.
ونقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين مصريين أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة لا تعدو كونها محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع والهيمنة على نهر دولي. وأشار المسؤولون إلى أن القاهرة تتابع بدقة كافة التحركات الإثيوبية، ولن تسمح بالمساس بحصتها المائية التي تعتمد عليها في الشرب والزراعة بشكل أساسي.
وكانت مصر قد أعلنت في ديسمبر 2024 عن انتهاء مسار التفاوض مع إثيوبيا بعد سنوات من المماطلة وعدم الوصول إلى نتائج ملموسة. ومنذ ذلك الحين، بدأت الحكومة المصرية في تسريع وتيرة مشاريع بديلة لتأمين احتياجاتها المائية، بما في ذلك التوسع في محطات تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الزراعي.
وتعتمد مصر على حصة سنوية تفوق 55 مليار متر مكعب من مياه النيل، وهي كمية باتت مهددة في ظل المشاريع الإثيوبية المتلاحقة. ويرى خبراء أن التحرك المصري نحو تنويع مصادر المياه يأتي كخطوة استباقية لمواجهة أي نقص محتمل قد ينتج عن سنوات الجفاف أو التشغيل غير المنسق للسدود الإثيوبية.
من جانبه، اعتبر فوزي العشماوي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن التصريحات الإثيوبية أثارت غضباً واسعاً على المستويين الرسمي والشعبي. وأوضح أن محاولة دولة واحدة السيطرة على نهر يمر عبر 11 دولة هي محاولة غير قانونية وتشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري والسوداني على حد سواء.
وأشار العشماوي إلى أن المسار الدبلوماسي، رغم طول أمد، لم ينجح حتى الآن في إلزام أديس أبابا باتفاق قانوني واضح. وحذر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فترات الفيضان الحالية، بل في احتمالية مواجهة دورات جفاف طويلة قد تؤدي إلى كوارث مائية إذا لم يتم التنسيق المشترك بين دول الحوض.
على الجانب الآخر، يرى باحثون في أديس أبابا أن التصعيد الإثيوبي يأتي كرد فعل على ما يصفونه بـ 'الحصار الإقليمي' الذي تحاول القاهرة فرضه. ويربط هؤلاء بين ملف المياه والتحركات المصرية الأخيرة في الصومال وجيبوتي، معتبرين أن إثيوبيا تمارس حقها في الدفاع عن مصالحها الإستراتيجية ومنفذها البحري المنشود.
ويعتقد الباحث عبد الشكور عبد الصمد أن الخطاب الإثيوبي الحاد يعكس ضيق أديس أبابا من الضغوط الدولية والمحلية المرتبطة بملف سد النهضة. وأضاف أن بلاده تسعى لإبراز رؤيتها القائمة على التكامل الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته لن تتنازل عما تراه حقوقاً مشروعة في استغلال مواردها الطبيعية.
ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه التصريحات ستقود إلى مواجهة سياسية أوسع أو تصعيد ميداني، أم أنها تندرج ضمن سياسة حافة الهاوية لتحقيق مكاسب تفاوضية. وفي ظل غياب اتفاق ملزم، تظل منطقة حوض النيل الشرقي مرشحة لمزيد من التجاذبات التي قد تؤثر على استقرار القارة بأكملها.
إن استمرار إثيوبيا في بناء السدود دون تنسيق مسبق يضع السودان ومصر أمام تحديات جسيمة تتعلق بإدارة الموارد المائية والزراعية. ومع تزايد التغيرات المناخية، يصبح الوصول إلى حل سياسي وقانوني ضرورة ملحة لتجنب صراعات مستقبلية على 'شريان الحياة' الوحيد لملايين البشر في وادي النيل.
المصدر:
القدس