د. عمر رحال: إبعاد أصحاب المنازل واحتلالها ومحاصرتها بدلاً من إبعاد المستوطنين المعتدين تكشف عن نمط جديد من التهجير وفرض وقائع على الأرض
فايز عباس: جيش الاحتلال لم يتمكن في البداية من إخلاء المستوطنين من قصرة بل قام جنوده بحراستهم والصلاة معهم ما يؤكد وجود تواطؤ بينه وبينهم
عبد الهادي حنتش: العلاقة بين جيش الاحتلال والمستوطنين تكامل للأدوار فالمستوطنون يُعدّون الذراع اليمنى لحكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف
ياسر مناع: ما يجري حلقة من سلسلة تغيير البيروقراطية الاستيطانية في الضفة ويعكس تبادلاً للأدوار وتكاملاً في الوظائف أكثر من كونه عجزاً عسكرياً
سهيل خليلية: تبادل الأدوار بين المستوطنين والجيش يمثل آلية لإنتاج واقع سياسي جديد بما قد يحقق تغييراً فعلياً في واقع الضفة دون إعلان رسمي واحد للضم
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تكشف أحداث بلدة قصرة جنوب نابلس وإخلاء جيش الاحتلال الإسرائيلي منازل حاصرها مستوطنون عن مسار يتجاوز الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، إلى إجراءات إسرائيلية من الضغط قد تترك أثراً طويل الأمد على وجود الفلسطينيين ومحاولة فرض الوقائع الاستيطانية تحت مفهوم جديد، وهو الحماية التي يدعي الاحتلال الإسرائيلي توفيرها، عبر احتلال منازل الفلسطينيين.
وبحسب كتاب ومحللين ومختصين وخبراء، تنبع خطورة ما حدث من تسلسل الأحداث نفسه؛ فإقامة البؤر والخيام الاستيطانية قرب التجمعات الفلسطينية تترافق مع اعتداءات على الأهالي وممتلكاتهم، والاستيلاء على الأراضي الزراعية ومصادر المياه، وإغلاق الطرق، ثم تأتي الإجراءات العسكرية تحت عناوين الأمن ومنع الاحتكاك، وسط خشية من أن يؤدي الضغط المتواصل على هذه التجمعات إلى تفكيكها وفتح الطريق أمام توسع استيطاني يربط الكتل والبؤر القائمة باتجاه الأغوار، بما يعيد تشكيل الخريطة الجغرافية والديموغرافية للمنطقة.
انقلاب بمفهوم "الحماية"
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.عمر رحال أن ما يجري في بلدة قصرة جنوب نابلس، من إخلاء قوات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطينيين من منازلهم التي كان المستوطنون يحاصرونها، يعكس انقلاباً في مفهوم "الحماية"، مشدداً على أن إبعاد أصحاب المنازل واحتلالها ومحاصرتها بدلاً من إبعاد المستوطنين المعتدين يكشف عن نمط جديد من التهجير القسري التدريجي وفرض وقائع جغرافية على الأرض.
تبادل أدوار
ويرى رحال أن الأخطر في المشهد يتمثل في وجود "تبادل أدوار" بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي، بحيث يفرض المستوطنون وقائع يصعب على حكومة الاحتلال الإعلان عنها رسمياً، بينما يتولى الجيش لاحقاً تنفيذ إجراءات لا يستطيع المستوطنون القيام بها بصورة مباشرة.
وبحسب رحال، فإن حكومة بنيامين نتنياهو لا تستطيع أمام العالم أن تعلن أنها سترسل مدنيين لمحاصرة منازل فلسطينية وقطع الكهرباء والمياه عنها، ولذلك يجري تقديم هذه الإجراءات تحت عناوين الأمن ومنع الاحتكاك وحماية السكان.
تغلغل ونفوذ سياسي للمستوطنين
ويشير رحال إلى أن استمرار اعتداءات المستوطنين وعربدتهم في وجود الجيش الإسرائيلي وتحت أنظاره يعكس تغلغلاً ونفوذاً سياسياً للمستوطنين داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، مؤكداً أن توصيف الأمر بأنه "تواطؤ" قد لا يكون كافياً، وأن الأدق هو الحديث عن تبادل أدوار يحقق من خلاله الجيش الإسرائيلي ما لا يستطيع المستوطنون تحقيقه بمفردهم.
ويحذر رحال من أن المسألة لا تتعلق بعدد المنازل التي جرى إخلاؤها في قصرة، وإنما باحتمال أن يشكل ذلك مقدمة لمحاصرة تجمعات وقرى ومنازل أخرى تقع على أطراف البلدات الفلسطينية، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية.
ويلفت رحال إلى أن إسرائيل استخدمت على مدى سنوات أدوات مشابهة، من خلال السيطرة على الأراضي باعتبارها مناطق عسكرية مغلقة أو مناطق رماية أو محميات طبيعية، قبل تحويل أجزاء منها إلى بؤر استيطانية ثم مستوطنات قائمة.
مناورة أمام أمريكا والمجتمع الدولي
وفي ما يتعلق بالانتقادات الأمريكية والأوروبية لعنف المستوطنين، يرى رحال أن ما يجري قد يكون أيضاً مناورة أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، مؤكداً أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم السفير، لا تمثل حتى الآن تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية تجاه الاستيطان.
ويوضح رحال أن الانتقادات لم تمنع حصار المنازل في قصرة ولم توقف اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، مشيراً إلى أن هناك فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية قُتلوا على أيدي المستوطنين وجيش الاحتلال، دون أن تتعامل واشنطن معهم باعتبارهم مواطنين أمريكيين بالدرجة نفسها من الاهتمام.
ويحذر رحال من أن يتحول نموذج قصرة إلى سياسة إسرائيلية دارجة في مناطق أخرى، خصوصاً في ظل استمرار توفير الإفلات من العقاب للاحتلال، مشيراً إلى موقف الولايات المتحدة في مجلس الأمن وضغوطها على المحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن تردد بعض الدول الأوروبية في التعامل مع الاستيطان، رغم حمل بعض المستوطنين جنسيات تلك الدول.
مقدمة للضم وتطبيق القانون الإسرائيلي
ويعتبر رحال أن نقل مسؤولية التعامل مع المستوطنين من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية يحمل دلالة سياسية وقانونية خطيرة، موضحاً أن استخدام الشرطة المدنية يوحي بالتعامل مع المستوطنات باعتبارها جزءاً من امتداد دولة الاحتلال، ويمثل مقدمة لضم الكتل الاستيطانية وتطبيق القانون والمحاكم الإسرائيلية عليها.
ويؤكد رحال أن هذا الإجراء لا يعني فقط تخفيف الضغط عن المستوطنين، بل يمثل تحدياً للقانون الدولي، ومحاولة للتعامل مع المستوطنين في الضفة الغربية وكأنهم مواطنون داخل إسرائيل، وليسوا سكاناً مستوطنين في أرض محتلة، الأمر الذي قد يمنحهم مزيداً من الحرية لإقامة البؤر الاستيطانية والاعتداء على الفلسطينيين وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وجود تواطؤ بين الجيش والمستوطنين
يؤكد الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن قضية بلدة قصرة جنوب نابلس تحولت إلى قضية دولية، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل تصاعد الضغط الأمريكي على إسرائيل، وتصريح السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابي بأن المستوطنين الذين يحاصرون العائلات الفلسطينية "إرهابيون يهود" ويجب إخراجهم من المكان.
ويوضح عباس أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يتمكن في البداية من إخلاء المستوطنين من قصرة، بل قام جنوده بحراستهم والصلاة معهم، معتبراً أن ذلك يمثل دليلاً على وجود تواطؤ بين الجيش ومجموعات"فتية التلال"، وأنهم يحظون بمعاملة خاصة، خصوصاً من جانب قائد المنطقة الوسطى، الذي هو مستوطن ويعتبر البؤر الاستيطانية جزءاً من منظومة الأمن في الضفة الغربية المحتلة.
ممارسات المستوطنين تخدم القيادة السياسية الإسرائيلية
ويوضح عباس أن جيش الاحتلال الإسرائيلي اضطر في نهاية المطاف إلى إخلاء المستوطنين من قصرة، بعد تدخل الإدارة الأمريكية والموقف الذي عبّر عنه السفير الأمريكي، المعروف بدعمه للاستيطان، لكنه اعتبر ما جرى في البلدة عملاً إرهابياً، ما دفع جيش الاحتلال إلى تنفيذ الإخلاء.
ويشير عباس إلى أن جيش الاحتلال ادعى في البداية أنه سيطر على منازل في بلدة قصرة، قبل أن يتراجع عن ذلك ويعلن إعادة السكان إلى بيوتهم، موضحاً أن السيطرة اقتصرت، وفق الرواية الإسرائيلية اللاحقة، على أبنية غير مأهولة.
ويرى عباس أن ممارسات المستوطنين تخدم القيادة السياسية الإسرائيلية في الضفة المحتلة، من خلال تمكينها من الاستيلاء على الأراضي وتوسيع السيطرة حتى في المناطق المصنفة "أ" و"ب".
ويؤكد عباس أن ما يجري في الضفة من ممارسات رسمية وغير رسمية بات يثير الرأي العام الدولي، مرجحاً أن يكون للولايات المتحدة دور أكبر في الضفة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد اكتشافها عدم صحة الرواية الإسرائيلية وتحريض الحكومة الإسرائيلية ضد القيادة الفلسطينية.
سياسة إسرائيلية ممنهجة
يرى الخبير في شؤون الأراضي والاستيطان عبد الهادي حنتش أن ما يجري في بلدة قصرة جنوب نابلس يعكس سياسة إسرائيلية ممنهجة، تقوم على غض الطرف عن ممارسات المستوطنين، رغم أن القانون الدولي يلزم قوة الاحتلال بحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، مؤكداً أن إخلاء أصحاب المنازل الفلسطينيين بدلاً من إبعاد المستوطنين يمثل جانباً من هذه السياسة.
خطورة تصريحات كاتس
ويوضح حنتش أن هناك توافقاً بين مختلف الأجهزة الأمنية والمستوى السياسي والقضائي الإسرائيلي على التغاضي عن الجرائم التي يرتكبها المستوطنون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيراً إلى أن التصريحات الأخيرة لوزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن نقل مسؤولية التعامل مع المستوطنين من جيش الاحتلال إلى الشرطة الإسرائيلية تحمل دلالات خطيرة.
ويلفت حنتش إلى أن شرطة الاحتلال رفضت تصريحات كاتس، واعتبرت أن الأمر ليس من صلاحياته، موضحاً أن تطبيق القرار عملياً يعني التعامل مع المستوطنين في الضفة الغربية كما لو أنهم داخل أراضي عام 1948، وهو ما يعني، من الناحية القانونية والعملية، فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية واعتبارها جزءاً من دولة الاحتلال، مؤكداً أن ذلك لم يصدر بشأنه قرار سياسي من الحكومة الإسرائيلية، ولذلك لن يكون قابلاً للتطبيق في الفترة الحالية.
ويربط حنتش خطوة كاتس كرد منه بعاملين؛ أولهما قرار قائد المنطقة الوسطى آفي بلوط تقييد حركة أحد المستوطنين الناشطين في الاستيطان والاعتداءات، وثانيهما تحييد كاتس من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي ومنعه من لقاء وفود أجنبية وأوروبية، خصوصاً الوفود الأمريكية، معتبراً أن الوزير يحاول تحسين صورته من خلال هذه التصريحات والقرار.
سياسة الاحتلال تقوم على التهجير بكل الوسائل
وفي ما يتعلق بإخلاء العائلات الفلسطينية من منازلها في قصرة، يرفض حنتش تبرير الخطوة باعتبارها إجراءً مؤقتاً هدفه منع الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين، مؤكداً أن سياسة الاحتلال تقوم على التهجير بكل الوسائل، من الهدم والحصار إلى إطلاق يد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية، بهدف الوصول إلى "الترحيل القسري".
ويشدد حنتش على أن الفلسطينيين، رغم ما يتعرضون له من اعتداءات وإجراءات من المستويات السياسية والأمنية والقضائية الإسرائيلية، متمسكون بأرضهم ولا يريدون الهجرة منها، مؤكداً وجود وثائق عديدة تثبت أحقية هذه الأراضي للشعب الفلسطيني.
ويصف حنتش العلاقة بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين بأنها "تكامل أدوار"، حيث أن المستوطنين يشكلون، في نظر المستوى السياسي الإسرائيلي، الذراع الأيمن للحكومة، وأن الجيش نفسه تعرض في حالات سابقة لاعتداءات من المستوطنين دون رد فعل سياسي حاسم.
مناورة إسرائيلية لامتصاص الضغط
ويعتبر حنتش أن الضغوط الأمريكية والأوروبية على إسرائيل بشأن ما يجري من اعتداءات للمستوطنين تمثل مناورة إسرائيلية لامتصاص الضغط، معرباً عن أمله في أن تؤدي تلك الضغوط إلى ردود فعل حقيقية.
ويعتقد حنتش أن المستوطنين هم الذين يحكمون الضفة الغربية، موضحاً أن الحكومات الإسرائيلية تستخدم الاستيطان والمستوطنين كورقة سياسية للوصول إلى الحكم، وأن المستوى السياسي يتساوق في النهاية مع سياساتهم رغم صدور قرارات وتصريحات قد تبدو مخالفة لذلك.
التنافس الانتخابي يدفع ثمنه الفلسطينيون
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالعلاقات الدولية د. حسني شيلو أن احتدام التنافس بين أجنحة اليمين الإسرائيلي في انتخابات الكنيست يدفع الفلسطينيين ثمنه بأشكال متعددة، مشيراً إلى أن إسرائيل تنتهج حالياً سياسة استيطانية جديدة تترافق مع نقل صلاحيات إنفاذ القانون في المستوطنات إلى الشرطة الإسرائيلية، في خطوة تمثل شرعنة للضم الصامت.
ويوضح شيلو أن إخلاء وترحيل العائلات الفلسطينية في بلدة قصرة جنوب نابلس، تحت ذرائع "الدواعي الأمنية" أو منع الاحتكاك مع المستوطنين، بالتزامن مع إطلاق يد المستوطنين لمحاصرة منازل الفلسطينيين وتحويلها إلى ما يشبه الثكنات العسكرية، يمثل سياسة خطيرة تهدف إلى فرض تهجير قسري وتغيير ديموغرافي ميداني في الضفة الغربية.
الاستفراد بالقرى والبلدات الفلسطينية
ويشير شيلو إلى أن الاحتلال يعتمد سياسة الاستفراد بالقرى والبلدات الفلسطينية، عبر محاصرتها بالمستوطنات ثم نصب البوابات الحديدية والحواجز، بالتوازي مع تشجيع ميليشيات المستوطنين على مهاجمة المنازل، قبل إعلان المناطق المستهدفة مناطق عسكرية مغلقة ومنع الأهالي والمتضامنين من الوصول إليها.
ويعتبر شيلو أن الهدف هو نشر الرعب والخوف بين الفلسطينيين وتوجيه رسالة إلى القرى المجاورة، ضمن عملية ضم صامت ومشروع تهجير تدريجي.
نموذج الاستيطان في شمال الضفة
وبحسب شيلو، فإن نموذج الاستيطان في شمال الضفة بدأ بحصار وتهجير المخيمات، ثم العودة إلى المستوطنات التي أُخليت سابقاً، وصولاً إلى إقامة خيام استيطانية تتحول سريعاً إلى منشآت تسيطر على آلاف الدونمات، ثم الانتقال إلى حصار المنازل وإخلائها.
ويرى شيلو أن قصرة تمثل نموذجاً واضحاً، إذ بدأت العملية بخيمة استيطانية قبل أن تتحول المنطقة إلى منطقة عسكرية مغلقة، بما يمنح ميليشيات المستوطنين الوقت لتنفيذ مخطط الاستيلاء على المنازل وفرض الأمر الواقع.
ويحذر شيلو من التعامل مع اعتداءات المستوطنين باعتبارها أحداثاً عشوائية، مؤكداً أنها جزء من سياسة يمينية منظمة تعتمد دراسة الجغرافيا والديموغرافيا واختيار المناطق المرتفعة، ثم استهداف البيوت الواقعة ضمن المناطق "ب" والمحيطة بأراضٍ فلسطينية، عبر حصارها وقطع المياه والكهرباء وممارسة إرهاب منظم لدفع السكان نحو التهجير البطيء والسيطرة على المنطقة.
سابقة قابلة للتطبيق في قرى أُخرى
ويشدد شيلو على خطورة نجاح هذا النموذج، لأنه قد يتحول إلى سابقة قابلة للتطبيق في قرى أخرى، خصوصاً من خلال استهداف المنازل البعيدة عن تجمعات السكان والتي تحيط بها أراضٍ فلسطينية واسعة.
ويرى شيلو أن الضفة تقف أمام سيناريو يجمع بين "الضم الصامت والتهجير البطيء"، في ظل تكامل أدوار بين ميليشيات المستوطنين وجيش الاحتلال؛ إذ تفرض ميليشيات المستوطنين الواقع عبر البؤر الرعوية، ثم يتدخل جيش الاحتلال عند وقوع الاحتكاك لإعلان المنطقة عسكرية مغلقة وتوفير غطاء قانوني للواقع الاستيطاني.
جيش الاحتلال والظهور بمظهر من يطبق القانون
ويشير شيلو إلى أن جيش الاحتلال يحاول، عند وجود الكاميرات والمتضامنين، الظهور بمظهر من يطبق القانون لامتصاص الضغوط والعقوبات المحتملة، بينما تشير المعطيات إلى تصاعد تسليح المستوطنين خلال العامين الماضيين بدعم حكومي من بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وتسليم الجيش أسلحة وبنادق آلية لهم، فضلاً عن كون نسبة كبيرة من المستوطنين جنود احتياط وتلقيهم تدريبات مع وحدات الجيش، فيما يكشف الواقع الميداني التكامل بين الطرفين، معتبراً ذلك مثالاً على مساواة الضحية بالجلاد وتكريس معادلة تخدم المشروع الاستيطاني.
محاولة الدفع نحو تهجير داخلي
يوضح الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن إسرائيل تستخدم مختلف الوسائل لتهجير الفلسطينيين، على الأقل في المرحلة الحالية، من خلال الدفع نحو تهجير داخلي من المناطق المحاذية للمستوطنات، ولا سيما المناطق المصنفة "ج"، بهدف تفريغ مساحات واسعة من سكانها الفلسطينيين وتوسيع نطاق السيطرة الاستيطانية عليها.
ويشير مناع إلى أن ما جرى في بلدة قصرة جنوب نابلس يوضح هذه الآلية، إذ يتحول عنف المستوطنين إلى أداة لخلق بيئة معيشية طاردة يستحيل معها على الفلسطينيين الاستمرار في المنطقة، فيما يمنح الجيش الإسرائيلي نتائج هذا العنف طابعاً أمنياً رسمياً تحت ذريعة منع الاحتكاك.
سلسلة تغيير البيروقراطية الاستيطانية
ويرى مناع أن ما يجري هو حلقة من سلسلة تغيير البيروقراطية الاستيطانية في الضفة الغربية، ويعكس تبادلاً للأدوار وتكاملاً في الوظائف أكثر من كونه عجزاً عسكرياً؛ فالمستوطنون يصنعون التهديد ويفرضون الحصار، ثم يتدخل الجيش لإعادة تنظيم المنطقة على حساب الفلسطينيين وتثبيت النتائج التي بدأها المستوطنون.
ويلفت مناع إلى أن الجيش الإسرائيلي يحاول تقديم تدخله باعتباره إجراءً لفرض النظام واحتواء الانتقادات الأمريكية، خصوصاً بعد استهداف منزل مرتبط بمواطن فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية وانتقاد السفير الأمريكي مايك هاكابي للمستوطنين.
ويؤكد مناع أن العملية العسكرية في قصرة تحمل وجهين متلازمين: مناورة سياسية أمام واشنطن، وخطوة ميدانية تخدم مشروع التهجير الداخلي، لأن الجيش، بدلاً من حماية السكان داخل منازلهم، أبعدهم عنها وجعل بقاءهم في المنطقة أكثر صعوبة.
حاجز فلسطيني أمام التكتلات الاستيطانية
يعتقد الخبير في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أن ما يجري في بلدة قصرة جنوب نابلس يتجاوز حدود الاعتداء على البلدة، ويمثل استهدافاً لمنظومة التجمعات الفلسطينية الممتدة جنوب وشرق نابلس، بما يشمل قصرة وجالود ويتما وخربة صرة وقريوت وتلفيت وجوريش وقبلان.
ويوضح خليلية أن هذه التجمعات تشكل حاجزاً جغرافياً فلسطينياً متصلاً أمام مخطط إسرائيلي يسعى إلى إنشاء نطاق استيطاني متواصل من تجمع أريئيل الاستيطاني غرباً باتجاه الأغوار شرقاً، بما يؤدي إلى تقطيع شمال الضفة الغربية إلى كتلتين جغرافيتين، وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها وإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والجغرافية للمنطقة لصالح المشروع الاستيطاني.
تفريغ الأراضي بين التكتلات الاستيطانية
ويؤكد خليلية أن قصرة ليست الهدف الوحيد، وأن الهجمات المتكررة وإقامة البؤر والاستيلاء على الأراضي الزراعية ومصادر المياه وقطع الطرق والخدمات والضغط على السكان والاستيلاء على المنازل، تتكامل ضمن مسار واحد يهدف إلى تفريغ المناطق الفلسطينية الواقعة بين الكتل الاستيطانية الكبرى من سكانها، وخلق تواصل استيطاني تدريجي باتجاه الأغوار.
ويشير خليليلة إلى أن خطورة التطورات لا تقتصر على فكرة الضم الرسمي للضفة، بل تتجه نحو إنشاء كيان حكم ذاتي فعلي، من خلال توسيع صلاحيات المجالس الإقليمية للمستوطنات، وتوسيع الطرق والبنية التحتية، وإقامة البؤر والسيطرة على الأراضي والمراعي ومصادر المياه، بما يمنح المستوطنين قدرة متزايدة على فرض الوقائع وإدارة المجال المحيط بهم، مقابل تقليص المجال المتاح للفلسطينيين.
نموذج جديد من تبادل الأدوار
ويرى خليلية أن التصعيد في قصرة يكشف نمطاً من "تبادل الأدوار" بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي؛ إذ تبدأ جماعات المستوطنين بإقامة بؤر أو خيام قرب التجمعات الفلسطينية وإغلاق الطرق والاعتداء على السكان والممتلكات وتخريب مصادر المياه والطاقة والأراضي الزراعية، ثم يتدخل الجيش تحت عنوان "حفظ الأمن"، لكنه يفرض في بعض الحالات قيوداً على الفلسطينيين بدلاً من تفكيك البؤر أو محاسبة المعتدين، كما حدث في قصرة وقبلها في بلدة الطيبة شرق رام الله.
ويشير إلى أن إعلان المناطق "مغلقة عسكرياً" أو إخلاء الفلسطينيين بحجة حمايتهم أو لدواعٍ أمنية يؤدي عملياً إلى إبعاد أصحاب الأرض وترك المجال للمستوطنين للعودة وتوسيع سيطرتهم، قبل أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع دائمة.
الأحداث برواية مختلفة للمجتمع الدولي
ويوضح خليلية أن الحكومة الإسرائيلية تقدم للمجتمع الدولي رواية مختلفة، تصور الأحداث باعتبارها "اشتباكات متبادلة" أو أفعالاً لمستوطنين متمردين وخارجين عن القانون، بهدف الفصل بين نشاطهم والسياسة الرسمية، مشيراً إلى أن استمرار إقامة البؤر الاستيطانية وربطها بالطرق والبنية التحتية والحماية العسكرية يطرح تساؤلات حول هذه الرواية.
ويؤكد خليلية أن قصرة تمثل حلقة في صراع جغرافي أوسع على مستقبل المنطقة، هدفه تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني وفتح الطريق أمام تواصل استيطاني من أريئيل نحو الأغوار.
ويوضح خليلية أن تبادل الأدوار بين المستوطنين والجيش يمثل آلية لإنتاج واقع سياسي جديد، عبر توسيع المستوطنين لحدود السيطرة ميدانياً، وتثبيت مؤسسات الدولة الإسرائيلية أجزاءً من هذه السيطرة أو توفير الحماية لها، بما قد يحقق تغييراً فعلياً في واقع الضفة دون إعلان رسمي واحد للضم.
المصدر:
القدس