آخر الأخبار

مخاوف من تهجير وتطهير عرقي في الضفة الغربية

شارك

د. خليل تفكجي: الضفة قد تكون مقبلة على "معركة كبيرة جداً" في ظل تصاعد الإيديولوجيا المتطرفة واستغلال الظروف لتنفيذ مخططات التهجير والتطهير العرقي

عبد الله أبو رحمة: هناك تصاعد في مؤشرات احتمال ارتكاب المستوطنين مجازر في القرى المستهدفة ما يتطلب الحيطة والحذر وتفعيل لجان الحماية

د. حسن بريجية: ما يجري ضمن حملة التحشيد التي تقودها الحكومة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وتمثل خطاب كراهية وتحريض يجرّمه القانون الدولي

د. عدنان نعيم: عدد المستوطنين العسكريين المدربين والمهيئين للهجوم يقدّر بنحو 7500 عنصر وهم مستعدون لمهاجمة القرى ومحاصرتها بأي وقت

سليمان بشارات: حجم المأساة الإنسانية والإبادة في قطاع غزة جعل اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية تبدو في نظر العالم أقل خطورة وتأثيراً

د. سهيل دياب: المناطق الأخطر بالاستهداف الاستيطاني الممرات التي تحفظ اتصال أجزاء الضفة خصوصاً محيط القدس والأغوار والتجمعات بمنطقة "ج"


رام الله - خاص بـ"القدس"-

تتصاعد التحذيرات من دخول الضفة الغربية وخاصة القرى والبلدات مرحلة جديدة من التصعيد الاستيطاني، في ظل تنامي عنف المستوطنين، وتصاعد خطاب التحريض ضد القرى والبلدات، وتوفير غطاء سياسي وأمني للمجموعات الاستيطانية.

ويثير تصاعد التحريض الاستيطاني مخاوف من انتقال الدعوات إلى إبادة الفلسطينيين من الخطاب إلى الميدان، خصوصاً مع تصريحات المحامي الإسرائيلي المتطرف يهودا شمعون، الذي دعا إلى قتل أهالي قرى في محافظتي نابلس وقلقيلية وارتكاب مجازر وإبادة جماعية فيها.

ويرى مسؤولون وخبراء في الاستيطان وكتاب ومحللون ومختصون، في أحاديث مع "ے"، أن تداخل هذه العوامل قد يهيئ الظروف أمام اعتداءات واسعة وهجمات دامية وربما مجازر تستهدف قرى وتجمعات فلسطينية، وصولاً إلى عمليات تهجير قسري وتغيير ممنهج للواقع الديموغرافي والجغرافي.

ويشيرون إلى أن ما يجري لا يقتصر على اعتداءات فردية، بل يأتي في سياق أوسع يرتبط بالتوسع الاستيطاني وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وسط مخاوف من تحول التحريض إلى جرائم ميدانية واسعة في ظل غياب الردع والمحاسبة الدولية، محذرين من أن القرى والمناطق الواقعة في المواقع الاستراتيجية، ولا سيما المنطقة المصنفة "ج" وفق اتفاق أوسلو، والممرات التي تربط أجزاء الضفة الغربية ومحيط القدس والأغوار، قد تكون الأكثر عرضة للاستهداف.

وبينما تتزامن هذه التطورات مع إجراءات إسرائيلية لتوسيع المستوطنات وشرعنة البؤر وتعزيز السيطرة على الأراضي، يرى المسؤولون والخبراء والكتاب أن المرحلة المقبلة، وصولاً إلى الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، قد تشهد تسارعاً في فرض الوقائع على الأرض، وسط مخاوف من انتقال سياسة "الضم الفعلي" إلى مستوى أوسع، بما يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في منع تحول التحريض والعنف الاستيطاني إلى سياسة تهجير منظمة.



الضفة أمام معركة كبيرة جداً


يحذّر الخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي من أن الضفة الغربية قد تكون مقبلة على "معركة كبيرة جداً"، في ظل تصاعد الإيديولوجيا اليمينية المتطرفة في إسرائيل، واستغلال الظروف الإقليمية والدولية لتنفيذ مخططات تهدف إلى التهجير والتطهير العرقي، معتبراً أن ما يجري في قطاع غزة يشكل جزءاً من مشروع إسرائيلي أوسع.

ويؤكد تفكجي أن ما قد يحدث في قرية فلسطينية أو أكثر لن يكون مجرد كارثة منفصلة، بل قد يتخذ شكل سلسلة من الكوارث والاعتداءات التي تهدف إلى تكرار ما حدث عام 1948، من إعدامات وقتل وتدمير ومذابح، وصولاً إلى تهجير السكان.

ويوضح تفكجي أن البؤر الاستيطانية التي أُنشئت بموافقة الدولة ودعم الحكومة الإسرائيلية وقائد المنطقة الوسطى، تمثل جزءاً من هذا الواقع، معتبراً أن ما حدث في قرية تل قد يتكرر في مناطق أخرى بهدف دفع الفلسطينيين إلى النزوح.

ويشير تفكجي إلى أن الفارق بين عام 1948 والمرحلة الحالية يتمثل في أن الفلسطينيين تعلموا من تجربة النكبة أن من يخرج من أرضه قد لا يعود إليها، ولذلك فإن الفلسطيني اليوم، حتى في حال وقوع كوارث جديدة، لن يكون أمامه سوى خيار البقاء.


الإيديولوجيا الاستيطانية واستغلال الأحداث


ويلفت تفكجي إلى التعبئة العقدية والعنصرية داخل إسرائيل، كما حدث من تصريحات صدرت عن محامٍ إسرائيلي حول إبادة قرى في منطقة نابلس وقلقيلية، وهو ما يدلل على مدى التحريض ضد الفلسطينيين وتصويرهم باعتبارهم العدو الرئيسي.

ويؤكد تفكجي أن الإيديولوجيا اليمينية المتطرفة استغلت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتطورات التي شهدها لبنان وسوريا وإيران، لتعزيز اعتقاد لدى إسرائيل بأنها "المنتصر الوحيد" في المنطقة، وأنها لن تواجه عقوبات حقيقية من الولايات المتحدة.

ويرى تفكجي أن الحرب على غزة لم تبدأ بوصفها مشروعاً منفصلاً، بل جاءت ضمن مشروع إسرائيلي كان قائماً، واستفاد من الصمت العربي والإسلامي والدولي، خصوصاً خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، عندما روّجت إسرائيل لرواية أنها تعرضت لاعتداء من جهة فلسطينية، واستخدمت روايات توراتية لتبرير القتل والتدمير.


الدعم الأمريكي لإسرائيل عامل مهم


ويوضح تفكجي أن الدعم الأميركي السياسي والعسكري والمدني لإسرائيل، إلى جانب استخدام واشنطن حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، شكّل عاملاً أساسياً في غياب العقوبات، مشيراً إلى اختلاف ذلك عن العراق عام 2003، حين صدرت قرارات دولية بموجب الفصل السابع.


خروج إسرائيل من دائرة العقاب الدولي


ويرى تفكجي أن إسرائيل خرجت من دائرة العقاب الدولي، بالتزامن مع استمرار عمليات القتل والتدمير في الضفة الغربية ومخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، معتبراً أن الجنود الإسرائيليين والمستوطنين يتحركون في ظل حماية تمنع محاسبتهم.

ويشير إلى تأثير الولايات المتحدة والصهيونية المسيحية واليمين الإسرائيلي المتطرف، معتبراً أن الدم الفلسطيني بات جزءاً من حسابات سياسية وانتخابية داخل إسرائيل.

وبحسب تفكجي، فإن القانون الدولي لم يوفر الحماية الكافية للفلسطينيين، وإن ما جرى بشأن المحكمة الجنائية الدولية والمدعي العام يؤكد محاولة إسرائيل تفادي العقاب، محذراً من أن إسرائيل تشعر بالاطمئنان إلى غياب الردع، وتسعى إلى استغلال الظروف الحالية لتنفيذ مشروعها "من النهر إلى البحر" وإقامة دولة يهودية دون وجود فلسطيني، مع اعتبار القدس "عاصمة أبدية" لها.


مرحلة مهيأة لارتكاب المجازر


يحذّر القائم بأعمال نائب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة من أن البيئة السياسية والأمنية التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة باتت مواتية لارتكاب جرائم واسعة أو مجازر على يد مجموعات المستوطنين، في ظل التحريض الرسمي الإسرائيلي، والدعم الحكومي، والتسليح، وغياب المحاسبة والعقاب.

ويؤكد أبو رحمة أن التحريض الإسرائيلي ليس جديداً، مشيراً إلى تصريحات لوزراء في الحكومة الإسرائيلية، بينهم وزير التراث ووزيرا الأمن القومي والمالية إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، والتي تضمنت دعوات أو مواقف مرتبطة بالإبادة الجماعية والتهجير القسري، معتبراً أن الظروف الحالية أكثر مواءمة لعمل هذه المجموعات مما كانت عليه خلال عامي 1947 و1948.


استيطان بدعم رسمي


ويوضح أبو رحمة أن هذه المجموعات تحظى بدعم من الحكومة والكنيست، عبر التمويل وضخ الأموال والتسليح، إلى جانب تساهل جيش وشرطة الاحتلال في التعامل معها، وعدم اعتقال أفرادها أو منع اعتداءاتهم، فضلاً عن شرعنة البؤر الاستيطانية التي تنطلق منها تلك الاعتداءات.

وبحسب أبو رحمة، فإن هذا الواقع يمثل ضوءاً أخضر أمام المستوطنين لارتكاب الجرائم، مشيراً إلى أن الاعتداءات تطاول الأطفال والنساء وكبار السن والمتضامنين والنشطاء الإسرائيليين الذين يقفون إلى جانب الفلسطينيين.


التحقيق في أسباب توجه المستوطنين للقرى


ويتطرق أبو رحمة إلى ما جرى في قرية تل جنوب غرب نابلس الشهر الماضي، مؤكداً أن التحريض تصاعد بدلاً من التحقيق في ملابسات ما جرى، داعياً إلى الكشف عن تسجيلات جيش الاحتلال والمستوطنين، والتحقق من مصدر الرصاصة التي أدت إلى مقتل أحد المستوطنين، لمعرفة ما إذا كانت أطلقت من مستوطن أو جندي إسرائيلي، وما حدث بقتل أربعة مواطنين.

ووفق أبو رحمة، فإن مقاطع فيديو تظهر أن الشهيد فاروق رمضان ومن معه لم يطلقوا النار مباشرة على الحارس أو الموجودين في المكان، وإنما أطلقوا رصاصة في الهواء، معتبراً أن ما جرى بحقهم كان "إعداماً".

ويدعو أبو رحمة إلى التحقيق في أسباب توجه المستوطنين إلى داخل القرى الفلسطينية، مشيراً إلى تصريحات سابقة لوزير الأمن الإسرائيلي السابق موشيه يعالون، قال فيها إن المجموعة هي التي توجهت إلى تل، إضافة إلى تصريحات لرئيس مجلس المستوطنات في شمال الضفة، اعتبرها أبو رحمة تحريضاً على القتل والإبادة.


مؤشرات ارتكاب المستوطنين مجازر في القرى


ويحذّر أبو رحمة من تصاعد مؤشرات احتمال ارتكاب المستوطنين مجازر في القرى الفلسطينية المستهدفة، داعياً المواطنين إلى الحيطة والحذر وتفعيل لجان الحماية، مؤكداً ضرورة ملاحقة المحرضين ومحاسبتهم.

وعلى الصعيد الدولي، يؤكد أبو رحمة أن ما جرى في غزة من "إبادة جماعية" لم يقابله مستوى كافٍ من الملاحقة والمحاسبة، معتبراً أن غياب الردع يشجع على تكرار الجرائم في الضفة، حيث يرى أن الهدف الأساسي هو تفريغ الأرض من سكانها وإعادة احتلالها وضمها وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.

ويوضح أبو رحمة أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وثقت خلال يوليو/تموز الماضي، نحو 800 اعتداء للمستوطنين بحق الفلسطينيين، مؤكداً عدم تسجيل اعتقالات أو إجراءات بحق منفذي هذه الاعتداءات، وهو ما يعد مؤشراً على خطورة المرحلة المقبلة.


خطاب كراهية وتحريض يجرّمه القانون الدولي


يؤكد الباحث في شؤون الاستيطان د.حسن بريجية أن التصريحات التحريضية الصادرة عن مستوطن أو محامٍ إسرائيلي وغيره بحق المواطنين في قرى وبلدات في شمال الضفة الغربية وإبادتها تندرج ضمن حملة التحشيد التي تقودها الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة ضد الشعب الفلسطيني، معتبراً أنها تمثل خطاب كراهية وتحريض يجرّمه القانون الدولي.

ويوضح بريجية أن ما يصدر عن هذه الشخصيات لا يمكن فصله عن نهج الحكومة الإسرائيلية الحالية، بل هو جزء من توجه موجّه ومدروس من جانب الحكومة وشخصياتها، ويهدف إلى التحريض والتجييش ضد الفلسطينيين، بما قد يقود إلى ارتكاب جرائم بحقهم.

ويشير بريجية إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر عام 2016، الذي أكد عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي وطالب إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية، مؤكداً أن خطاب الكراهية والتحريض ضد الشعب الفلسطيني يتعارض مع الالتزامات والقواعد الدولية.

وبحسب بريجية، فإن ما يمارسه المستوطنون يمثل خطاب كراهية وتحريض ضد الفلسطينيين، وقد يتسبب في "إبادة ومقتلة" بحقهم، وبالتالي يجب أن يخضع للمساءلة والمحاسبة الدولية.

ويؤكد بريجية أن الجرائم التي نص عليها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المعروف بنظام روما الأساسي لعام 1998، ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني، ومنها القتل العمد، والهدم الموسع، والإبادة الجماعية، والتهجير القسري، والعدوان، فضلاً عن خطاب الكراهية.

ويوضح بريجية أن هذه الممارسات تجري "على مرأى من المجتمع الدولي"، داعياً إلى تفعيل آليات المحاسبة الدولية، باعتبار أن خطاب الكراهية والتحريض يمكن أن يشكلا أفعالاً تستوجب المساءلة أمام الهيئات الدولية المختصة.


اختبار حاسم أمام المجتمع الدولي


يؤكد الباحث في السياسات الإسرائيلية والكاتب والمحلل السياسي د. عدنان نعيم أن وقوع مجزرة أو "كارثة" في قرية فلسطينية أو أكثر سيشكل اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على منع تحول التحريض الإسرائيلي إلى سياسة ميدانية منظمة، محذراً من إعادة إنتاج جرائم العصابات التي استهدفت الفلسطينيين تاريخياً، في ظل الحماية التي توفرها منظومة الاحتلال للمستوطنين.

وبحسب نعيم، فإن عنف المستوطنين ظاهرة متصاعدة منذ سنوات، ولا سيما منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيراً إلى أن المستوطنين يمارسون سلوكاً منظماً ومحرضاً على القتل والتدمير والحرق والسيطرة على الأراضي، بدعم من مستويات سياسية وأمنية وبرلمانية إسرائيلية، إلى جانب دعم مالي ومعنوي وثقافي من أكثر من 30 منظمة يهودية لديها فروع في الولايات المتحدة أو منظمات أمريكية يهودية.

ويؤكد نعيم أن عدد المستوطنين العسكريين المدربين والمهيئين للهجوم يقدّر بنحو 7500 عنصر، موزعين على حلقات ومجموعات عسكرية، وهم مستعدون لمهاجمة القرى الفلسطينية ومحاصرتها في أي وقت.


مشاهد الجرائم في النكبة إلى الواجهة


ويرى نعيم أن وقوع كارثة واسعة سيعيد إلى الواجهة مشاهد جرائم العصابات التي ارتكبتها عصابات شتيرن وأرغون وإيتسل وليحي عام 1948، مؤكداً أن الأمر لن يكون مجرد جريمة معزولة، بل اختباراً للمجتمع الدولي في مواجهة التحريض وتحوله إلى فعل ميداني، خصوصاً مع حماية عسكرية وشرطية وأمنية وسياسية وبرلمانية لمتطرفين، بينهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.


غياب المحاسبة على جرائم غزة يفتح شهية تكرارها بالضفة


ويؤكد نعيم أن غياب المحاسبة على الجرائم في غزة يفتح الشهية لتكرارها في الضفة، لأن الإفلات من العقاب ينتج حافزاً لتكرار الاعتداءات، ويجعل الصمت الدولي عاملاً مشجعاً بدلاً من أن يكون رادعاً.

ويحذّر نعيم من احتمال تطور الاعتداءات إلى مهاجمة قرى كاملة وتشريد سكانها، معتبراً أن التهجير والطرد باتا حاضرين في الفكر والسياسة والمخططات الإسرائيلية ضمن ما سمي "خطة الحسم".

ويشير نعيم إلى أن هذا السلوك أدى، خلال الثلاثة أعوام الماضية، إلى تهجير أكثر من 100 تجمع فلسطيني رعوي وبدوي، خصوصاً في المناطق المصنفة "ج"، داعياً إلى جهد فلسطيني وعربي ودولي مضاعف لمواجهته.


تغذية نهج التحريض


ويشير نعيم إلى دور مراكز دينية متطرفة، بينها مركز "هار إتسهار"، وحاخامين وفتاوى، في تغذية هذا النهج، قائلاً إن مدارس دينية في المستوطنات تتلقى تمويلاً رسمياً من الحكومة الإسرائيلية ودعماً من جمعيات أجنبية، وتدفع أطفال المستوطنين والفتيان والشباب نحو نزعات عدوانية تقوم على السرقة والطرد والقتل والحرق وتضييق حياة الفلسطينيين بهدف تهجيرهم.



سلوك المستوطنين سياسة منظمة


يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن السياسات الإسرائيلية الرسمية توفر البيئة الحاضنة للسلوك الاستيطاني والاعتداءات التي تنفذها مجموعات المستوطنين ضد الفلسطينيين، مؤكداً أن هذا السلوك لا يمكن التعامل معه باعتباره تصرفات فردية أو عابرة، بل يأتي في إطار سياسة منظمة.

ويوضح بشارات أن وجود مثل هذه المجموعات وسلوكها العدواني ما كان ليأخذ هذا الشكل لولا البيئة السياسية الإسرائيلية الحالية، معتبراً أن ما يحدث يومياً يمثل كارثة متواصلة، إذ إن كل اعتداء ينفذه المستوطنون يمكن أن يرتقي إلى مرتبة الجريمة، لكونه عملاً منظماً يهدف إما إلى قتل الفلسطيني أو اقتلاعه من أرضه.

ويشير بشارات إلى أن هذه الممارسات، وفق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقيات روما وغيرها من المواثيق الدولية، تصنف كجرائم، وقد تصل في مراحل معينة إلى جرائم حرب، في ظل منهجية القتل والاستهداف بحق الفلسطينيين.


المستوطنون أداة لتنفيذ رؤية الاحتلال


ويرى بشارات أن سلوك المستوطنين يمثل أداة لتنفيذ رؤية الاحتلال تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية، وأن وجود المستوطنات والاعتداءات المرتبطة بها يهدفان إلى حسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية.

ويقارن بشارات ذلك باستخدام العصابات الصهيونية، قبل وخلال نكبة عام 1948، مثل "الهاغاناه" و"شتيرن"، كأدوات لاستهداف الفلسطينيين وتهجيرهم، حيث أن مجموعات المستوطنين تستخدم اليوم بصورة منهجية لتنفيذ السياسات الإسرائيلية.


جرأة إسرائيل على مواصلة الانتهاكات


وحول تأثير ما جرى في قطاع غزة على الضفة الغربية، يؤكد بشارات أن التغاضي الدولي عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، ليس في غزة فقط وإنما على مدار 77 عاماً من الاحتلال، عزز جرأة إسرائيل على مواصلة الانتهاكات، في ظل عدم تنفيذ قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، وعدم توفير الحماية للفلسطينيين وعدم منحهم حقوقهم السياسية والإنسانية.

ويشير بشارات إلى أن التحرك الدولي لو كان موجهاً لردع الاحتلال وسياسات المستوطنين، لما وصلت الاعتداءات إلى هذا المستوى، لافتاً إلى أن حجم المأساة الإنسانية والإبادة في قطاع غزة جعل اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية تبدو، في نظر العالم، أقل خطورة، وكأنها لا ترقى إلى مستوى التأثير في مواقف صناع القرار الغربي والأوروبي.


إمكانية تغير المعادلة


ويشدد بشارات على أن هذه المعادلة قد تتغير مستقبلاً، في ظل تنامي الوعي المجتمعي عالمياً تجاه السلوك الإسرائيلي، معتبراً أن قطاعات متزايدة باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مصدراً لعدم الاستقرار.

ويؤكد بشارات أن اعتداءات المستوطنين والاعتداءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين ستبقى ناقوس خطر للعالم، لأن استمرارها لن يقود إلى تحقيق الاستقرار.



تسريع تغيير الواقع السياسي والجغرافي قبل الانتخابات


يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د.سهيل دياب أن ما يجري في الضفة الغربية خلال صيف 2026، لا يبدو موجة أمنية عابرة، بل يشير إلى محاولة لتسريع تغيير الواقع السياسي والجغرافي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، بما يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة، حتى من دون إعلان ضم رسمي.

ويوضح دياب أن ذلك لا يعني أن كل حادث أو عملية يجري تنفيذها ضمن خطة مركزية واحدة، لكن الاتجاه العام يظهر في القرارات الحكومية، والتوسع الاستيطاني، وإدارة الأرض، وتصاعد عنف المستوطنين.

ويرى دياب أن التصعيد الاستيطاني في الضفة الغربية يرتبط أولاً بالنافذة السياسية داخل إسرائيل، في ظل حكومة تضم قوى استيطانية تعتبر السيطرة الدائمة على الضفة هدفاً إيديولوجياً، وفي مقدمتها سموتريتش، الذي يواجه معركة انتخابية تتعلق بمستقبله السياسي، لذلك، فإن الاستيطان والسيادة على الضفة لا يمثلان سياسة خارجية فقط، بل يشكلان أيضاً ساحة للتنافس على أصوات اليمين.


إجراءات استيطانية أوسع


ويشير دياب إلى أن إسرائيل لم تعد تعتمد فقط على إقامة مستوطنة هنا وأخرى هناك، بل اتجهت خلال 2026، إلى إجراءات أوسع؛ ففي فبراير/شباط الماضي، أقر المجلس الوزاري الأمني المصغر "الكابينت" إجراءات توسع سلطة الدولة الإسرائيلية في الضفة الغربية وتسهّل شراء الأراضي من قبل الإسرائيليين، قبل استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة "ج" للمرة الأولى منذ عقود.

وبحسب دياب، فإنه في 25 آذار الماضي، أُقرت إقامة أو شرعنة 34 مستوطنة، فيما خُصص في يوليو/تموز الماضي، نحو 1.3 مليار شيكل لدفع المشروع قدماً.

ويشير دياب إلى أن الأمم المتحدة تصف المسار الأوسع بأنه تسارع في "الضم الفعلي"، في حين ترفض إسرائيل توصيف الاستيطان بأنه غير قانوني، وبالتوازي، تصاعد الضغط على التجمعات الفلسطينية، إذ قالت أوتشا إن أكثر من 3200 فلسطيني نزحوا في الضفة خلال 2026 حتى أوائل يوليو/تموز الماضي، بسبب اعتداءات المستوطنين وهدم المباني المرتبط بنظام التراخيص، بمعدل يقارب 17 شخصاً يومياً.


خمسة عوامل تعتمد عليها إسرائيل


ويحدد دياب خمسة عوامل تعتمد عليها إسرائيل، وهي: التفوق العسكري والأمني، وضعف الردع الدولي العملي، وضعف النظام السياسي الفلسطيني وانقسامه، وصلابة الائتلاف اليميني الاستيطاني، إضافة إلى انشغال الولايات المتحدة بأزمات إيران والانتخابات النصفية والأوضاع الاقتصادية.

ويستبعد دياب أن يعلن نتنياهو ضم الضفة الغربية دفعة واحدة، معتبراً أن السيناريو الأرجح حتى انتخابات أكتوبر / تشرين الأول المقبل، هو "الضم التدريجي" عبر توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر، وتوسعة الطرق والبنية التحتية، وتعزيز السيطرة على المنطقة "ج"، والضغط على التجمعات الفلسطينية الصغيرة في المواقع الاستراتيجية.


المناطق الأخطر بالاستهداف الاستيطاني


ويرى دياب أن المناطق الأخطر بالاستهداف الاستيطاني هي الممرات التي تحفظ اتصال أجزاء الضفة، خصوصاً محيط القدس والأغوار والتجمعات الصغيرة في المنطقة "ج"، مشيراً إلى الأهمية الاستراتيجية للخان الأحمر.

ويرى دياب أن الاستراتيجية الناشئة أقرب إلى "ضم أكبر قدر ممكن من الأرض مع إبقاء أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين خارج المواطنة الإسرائيلية"، معتبراً أن فرض وقائع يصعب التراجع عنها قبل إعلان الضم القانوني أكثر قابلية للتنفيذ حالياً، فيما قد يصطدم الضم الرسمي الواسع بالموقف الأميركي والدول العربية المطبّعة والضغوط الأوروبية والدولية. ويشير دياب إلى أن انتخابات 27 أكتوبر / تشرين الأول المقبل، ستكون نقطة فاصلة في تحديد حجم الوقائع التي ستسعى الحكومة إلى تثبيتها قبل ذلك التاريخ.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا