آخر الأخبار

تراجع نفوذ إسرائيل وتصريحات ترمب

شارك

د. أحمد رفيق عوض: ما صدر عن ترمب يعبر عن حقيقة ومخاوف من تراجع نفوذ اللوبي الصهيوني في ظل استمرار نجاح تيارات مختلفة داخل الحزب الديمقراطي

د. رائد أبو بدوية: إسرائيل تواجه احتمال فقدان قدرتها السابقة على افتراض أن واشنطن ستقف معها بالطريقة والسرعة نفسيهما وتحت جميع الظروف

داود كُتّاب: ما يطرحه ترمب في هذه المرحلة يمثل مناورة سياسية لكنها قد تتحول إلى واقع إذا جاءت متوافقة مع ما يريده ويسعى إلى تحقيقه

د. رائد الدبعي: ترمب يحاول توظيف التحول تجاه إسرائيل انتخابياً ولا يعني موقفه انهيار اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن الذي ما زال يمتلك الكثير من الأمور

د. حسين الديك: تصريحات ترمب "حقيقة وليست مناورة" وهو ما انعكس برفض الإدارة الأمريكية بملفات عدة لما تريده إسرائيل كمؤشر على اهتزاز العلاقة بينهما

محمد الرجوب: المرحلة الراهنة تمثل انتقالاً من نفوذ إسرائيلي أوسع في تحديد أجندة السياسة الأمريكية إلى علاقة توازن أكبر في الملفات الإقليمية

رام الله - خاص بـ"القدس"-

تمثل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة، بشأن تراجع نفوذ إسرائيل واللوبي المؤيد لها في واشنطن موقفاً تاريخياً ولافتاً غير مسبوق، ليس فقط بسبب مضمونها، وإنما لأنها صدرت عن رئيس يُعد من أكثر الرؤساء الأمريكيين دعماً لإسرائيل خلال العقود الأخيرة.

وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، فإن هذه التصريحات تكتسب أهميتها من توقيتها أيضاً، في ظل تغيرات سياسية ومجتمعية متراكمة داخل الولايات المتحدة، وتراجع الإجماع التقليدي حول إسرائيل، خصوصاً داخل أوساط الحزب الديمقراطي والشباب والتيارات التقدمية، مقابل استمرار نفوذ مؤسسات وجماعات الضغط المؤيدة لتل أبيب داخل الكونغرس والحياة السياسية.

ورغم ذلك، يرون أن الحديث لا يدور بالضرورة عن انهيار التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وإنما عن تآكل قدرة إسرائيل على افتراض أن دعم واشنطن لها سيكون تلقائياً وثابتاً في جميع الظروف.

وبينما يمكن قراءة موقف ترمب باعتباره اعترافاً بتحول حقيقي داخل البيئة السياسية الأمريكية، فإنه بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، يحمل في الوقت نفسه أبعاداً سياسية وانتخابية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وتصاعد التنافس داخل الحزبين، غير أن صدور هذا التوصيف عن رئيس ارتبط اسمه تاريخياً بقرارات شديدة الانحياز لإسرائيل يجعل التصريحات تتجاوز كونها مجرد موقف عابر، لتطرح احتمال دخول العلاقة الأمريكية الإسرائيلية مرحلة جديدة يجري فيها التفاوض بصورة أكبر على حدود النفوذ وشروط التحالف.




تراجع حقيقي وتحولات متسارعة


يرى الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن تصريحات ترمب بشأن تراجع نفوذ تل أبيب واللوبي الصهيوني في واشنطن تعكس حقيقة وجود تراجع في هذا النفوذ، في ضوء تحولات متسارعة داخل المجتمع الأمريكي، خصوصاً نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وما أظهرته من صعود لتيارات تقدمية ويسارية واشتراكية، إلى جانب تنامي حضور جماعات وشخصيات من الجاليات العربية والمسلمة.


رسالة مباشرة إلى اللوبي الصهيوني


ويوضح عوض أن تصريحات ترمب يمكن فهمها أيضاً باعتبارها رسالة مباشرة إلى اللوبي الصهيوني، ولا سيما "إيباك"، لاستدراك المخاطر والتحديات التي تواجه نفوذه في الولايات المتحدة، والعمل على استعادة قوته ودوره السياسي.

ويشير عوض إلى أن ترمب، في هذا السياق، قد يكون يسعى إلى حشد دعم اللوبي الصهيوني للحزب الجمهوري، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، في ظل احتمال تعرض الجمهوريين لخسائر، رغم علاقاتهم القوية بهذا اللوبي.


حاجز الخوف من انتقاد إسرائيل بدأ ينكسر


ويلفت عوض إلى أن حديث ترمب عن ضعف اللوبي الصهيوني يحمل دلالات أعمق، إذ يعكس وجود مخاطر حقيقية على قدرته على التأثير في القرارات والتشريعات والإجراءات الأمريكية، رغم كل ما بذله من جهود في مواجهة انتقاد إسرائيل والصهيونية، وما ارتبط بذلك من محاولات للحد من حرية التعبير، لافتاً إلى أن "حاجز الخوف" من انتقاد إسرائيل والصهيونية ومن اتهامات معاداة السامية بدأ ينكسر داخل المجتمع الأمريكي.


تغيرات عميقة ومستمرة في المجتمع الأمريكي


ويؤكد عوض أن هذه التحولات تشير إلى تغيرات عميقة ومستمرة في المجتمع الأمريكي، بحيث لم يعد اللوبي الصهيوني قادراً على التأثير بالدرجة ذاتها التي كان يتمتع بها سابقاً.

ويستبعد عوض أن يكون ترمب قد قصد من تصريحاته إعلان استقلاله عن اللوبي الصهيوني أو التخلص من نفوذه، معتبراً أن الرسالة الأقرب هي دعوته إلى استعادة قوته وقدرته على التأثير في القرار السياسي والكونغرس، خصوصاً مجلسي الشيوخ والنواب.

ويرى عوض أن هجوم ترمب المتزامن على زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر ووصفه بأنه "فلسطيني" يؤكد استمرار انحياز الرئيس الأمريكي لإسرائيل وتعبيره عن مواقف صهيونية.


ليس مجرد مناورة


ويعتقد عوض أن ما صدر عن ترمب ليس مجرد مناورة، بل يعبر عن حقيقة ومخاوف حقيقية من تراجع نفوذ اللوبي الصهيوني، مشيراً إلى أن ذلك يأتي في ظل استمرار نجاح التيارات التقدمية واليسارية والاشتراكية داخل الحزب الديمقراطي.

ويوضح عوض أن اللوبيات الصهيونية كانت من الجهات التي قدمت دعماً مالياً كبيراً لترمب للوصول إلى الرئاسة، ما يؤكد أنه ليس بعيداً عنها ولا عن تأثيرها.


الحدود بين المصلحتين لم تعد واضحة


يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية أن أهمية تصريحات ترمب بشأن تراجع نفوذ إسرائيل في واشنطن لا تكمن في اكتشاف هذا التراجع، وإنما في تحويله من ملاحظة خارجية إلى حقيقة يعترف بها رئيس أمريكي من داخل مركز القرار، معتبراً أن ذلك يعكس تغيراً في البيئة السياسية التي يعمل ضمنها النفوذ الإسرائيلي.

ويوضح أبو بدوية أن إسرائيل لا تزال تتمتع بنفوذ كبير في الولايات المتحدة، وأن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ما زالت استراتيجية وعميقة، لكن الحدود بين المصلحة الأمريكية والإسرائيلية لم تعد واضحة كما كانت سابقاً. ويبيّن أبو بدوية أن النفوذ لا يقاس فقط بحجم اللوبيات أو الأموال، وإنما بقدرتها على جعل مواقفها تبدو جزءاً طبيعياً من تعريف المصلحة الأمريكية، وهو ما بدأ يتغير.


حرب غزة أحدثت تحولاً


ويشير أبو بدوية إلى أن حرب غزة أحدثت تحولاً داخل الحزب الديمقراطي، خصوصاً بين الشباب والتيار التقدمي، إذ لم تعد إسرائيل تحظى بالقبول نفسه باعتبارها قضية خارج الخلاف الحزبي، بل أصبحت العلاقة معها موضع نقاش حول حقوق الإنسان والسياسة الخارجية واستخدام القوة وطبيعة الدعم الأمريكي.


العلاقة من زاوية المصلحة الأمريكية


وفي الحزب الجمهوري، يرى أبو بدوية أن التحول أكثر دقة، إذ لم ينتقل الجمهوريون إلى الموقف الديمقراطي من إسرائيل، لكن قطاعات من اليمين الأمريكي بدأت تنظر إلى العلاقة من زاوية المصلحة الأمريكية، وتتساءل عما إذا كانت تخدم الأولويات الأمريكية، أم تفرض على الولايات المتحدة أعباءً استراتيجية وسياسية تتجاوز مصالحها.

ويشير أبو بدوية إلى أن هذا السياق يفسر موقف ترمب، الذي لا يعيد النظر في العلاقة مع إسرائيل من منطلق أيديولوجي مؤيد للفلسطينيين، وإنما ينطلق من تصور للسياسة الخارجية يقوم على الصفقات والمصالح والقوة، لذلك فإن تراجع هامش النفوذ الإسرائيلي بالنسبة إليه لا يعني التخلي عن إسرائيل، بل رفض تحول التحالف إلى حق دائم في التأثير على القرار الأمريكي.


إسرائيل يمكن أن تبقى حليفاً استراتيجياً


ويؤكد أبو بدوية أن الدلالة الأهم قد لا تكون تراجع أهمية إسرائيل بالنسبة إلى واشنطن، وإنما تراجع قدرتها على تعريف معنى هذه الأهمية، موضحاً أن إسرائيل يمكن أن تبقى حليفاً استراتيجياً، وتستمر المساعدات والتعاون الأمني والاستخباري، بالتوازي مع استعداد واشنطن للقول إن المصالح الأمريكية تفرض على إسرائيل التكيف معها.

وحول ما إذا كانت تصريحات ترمب حقيقة أم مناورة، يرى أبو بدوية أن الفصل بينهما غير دقيق، فالتصريحات تستند إلى تحول حقيقي، لكنها تُستخدم أيضاً كمناورة لإعادة ترتيب العلاقة.


تراجع النفوذ لا يعني انتهاء التحالف


ويشدد أبو بدوية على ضرورة التمييز بين النفوذ والتحالف والاعتماد، مؤكداً أن تراجع النفوذ لا يعني انتهاء التحالف، وأن الاتجاه الأكثر احتمالاً هو علاقة أكثر توازناً دون تخلي واشنطن عن اعتمادها الاستراتيجي على إسرائيل.

ويرى أبو بدوية أن ترمب يريد توسيع مساحة القرار الأمريكي وإزالة الافتراض بأن موقع إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية يمنحها قدرة تلقائية على التأثير في القرار، موضحاً أن المعركة ليست حول وجود التحالف، بل حول من يحدد شروطه.

ويلفت أبو بدوية إلى أن أهمية ذلك للفلسطينيين تتوقف على ما إذا كان الأمر خلافاً شخصياً بين ترمب ونتنياهو، أم تعبيراً عن تحول أوسع داخل المجتمع الأمريكي والحزبين.


تحالف قائم على التفاوض


ويعتقد أبو بدوية أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال العلاقة من تحالف قائم على المسلّمات إلى تحالف قائم على التفاوض، مؤكداً أن الاختبار الحقيقي سيكون في كيفية استخدام واشنطن لهذا التراجع؛ فإذا قاد إلى ضغوط حقيقية وإعادة تعريف حدود الالتزام الأمريكي، فسيكون التحول استراتيجياً، أما إذا بقي في إطار التصريحات والضغوط التكتيكية، فسيكون مجرد إعادة تفاوض داخل التحالف.

ويرى أبو بدوية أن إسرائيل لا تواجه خطر فقدان الولايات المتحدة كحليف، بقدر ما تواجه احتمال فقدان قدرتها السابقة على افتراض أن واشنطن ستقف معها بالطريقة والسرعة نفسيهما وتحت جميع الظروف.


صراع أمريكي إسرائيلي خفي


يعتقد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن هناك صراعاً أمريكياً إسرائيلياً خفياً، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، في ظل تفضيل نتنياهو المزاودة الانتخابية على حساب العلاقات مع الولايات المتحدة، رغم أن ذلك لن يفيده إذا خسر الانتخابات.

ويوضح كُتّاب أنه من الضروري عدم إعطاء تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب العلنية مساحة أكبر من حجمها، نظراً إلى تقلبها وعدم انضباطها، مشيراً إلى التناقض في مواقفه بشأن الحرب على إيران، إذ يظهر يوماً على حافة تدمير إيران، ثم يعود في اليوم التالي لمدح المفاوضين الإيرانيين.


تحولات تجري داخل الولايات المتحدة والعالم


ويشير كُتّاب إلى أن تصريحات ترمب تعكس، من جهة، تحولات تجري داخل الولايات المتحدة والعالم، لكن الأهم هو معرفة ما يريده الرئيس الأمريكي فعلياً.

ويعتبر كُتّاب أن ما يطرحه ترمب في هذه المرحلة يمثل مناورة سياسية، لكنها قد تتحول إلى واقع إذا جاءت متوافقة مع ما يريده ويسعى إلى تحقيقه.


تصريحات مهمة صادرة عن رئيس يتحالف مع إسرائيل


يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د.رائد الدبعي أن تصريحات ترمب بشأن تراجع النفوذ الإسرائيلي في واشنطن تحمل دلالات مهمة، باعتبارها صادرة عن رئيس يُعد من أكثر الرؤساء الأمريكيين قرباً من إسرائيل.

ويشير الدبعي إلى أن ترمب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ما يجعل تصريحاته مؤشراً على تحولات حقيقية داخل السياسة والمجتمع الأمريكيين، وإن كانت في الوقت ذاته جزءاً من توظيف انتخابي يخدم الجمهوريين.


إسرائيل لم تعد تحظى بالإجماع


ويوضح الدبعي أن إسرائيل لم تعد تحظى بالإجماع الحزبي الأمريكي الذي تمتعت به منذ عام 1948، حين كان دعمها من القضايا التي يلتقي حولها الجمهوريون والديمقراطيون، مبيناً أن انقساماً واضحاً بات يظهر داخل القاعدة الديمقراطية، خصوصاً بين الشباب والتقدميين، الذين ابتعد قطاع واسع منهم عن التأييد التقليدي غير المشروط لإسرائيل.


استطلاعات مهمة


ويشير الدبعي إلى أن استطلاعاً لمركز "بيو" في يوليو/تموز 2026، أظهر أن 62% من الأمريكيين ينظرون سلباً إلى الحكومة الإسرائيلية، مقابل 32% ينظرون إليها بإيجابية، لافتاً إلى أن الأهم يتمثل في الفجوة العمرية؛ إذ ينظر 58% من الأمريكيين دون سن الثلاثين بإيجابية إلى الشعب الفلسطيني، مقابل 32% تجاه الإسرائيليين، فيما تقل النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية بين هذه الفئة العمرية عن 18%.

ويؤكد أن هذه الأرقام تعني أن إسرائيل لا تواجه خسارة في الرأي العام الحالي فقط، وإنما أمام احتمال خسارة "الرأي العام القادم"، بما يشمل أجيالاً جديدة من النخب السياسية والأكاديمية الأمريكية التي تتعامل مع القضية الفلسطينية بصورة مختلفة جذرياً عن الأجيال السابقة.

ويلفت الدبعي إلى أن الحرب على غزة أحدثت تحولاً داخل الحزب الديمقراطي، إذ أصبح انتقاد الحكومة الإسرائيلية والمساعدات العسكرية والاستيطان وسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر قبولاً داخل التيار الرئيسي للحزب، ولم يعد محصوراً بشخصيات تقدمية مثل رشيدة طليب وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، مستشهداً بنتائج الانتخابات التمهيدية، ولا سيما صعود عبد السيد في ميشيغان.


ترمب يحاول توظيف التحول تجاه إسرائيل انتخابياً


ويبيّن الدبعي أن ترمب يحاول توظيف هذا التحول تجاه إسرائيل انتخابياً، عبر تقديمه للناخب الجمهوري باعتباره انتقالاً للحزب الديمقراطي من الدفاع عن إسرائيل إلى الدفاع عن الفلسطينيين، وإعادة تأطير القضية من موضوع سياسي وأخلاقي يرتبط بالاحتلال والحرية والكرامة إلى قضية أمنية مرتبطة بالخوف من الإسلام والتطرف والجهادية.

ويشدد الدبعي على أن ذلك لا يعني انهيار اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن، الذي ما زال يمتلك الكثير من الأمور بما فيها الموارد والعلاقات والتمويل السياسي والتحالفات داخل البنتاغون ومجتمع الاستخبارات والصناعات العسكرية، فضلاً عن دعم التيار الإنجيلي المحافظ.


تراجع قدرة إسرائيل على احتكار الرواية داخل واشنطن


وبحسب الدبعي، فإن التحول الأبرز يتمثل في تراجع قدرة إسرائيل على احتكار الرواية داخل واشنطن، نتيجة تغيرات صاعدة من الجامعات والشباب والناخبين الديمقراطيين والأقليات الأفريقية والمجتمعات الإسلامية والليبراليين اليهود والحركات التقدمية.

ويشير الدبعي إلى أن النموذج الذي حافظ على دعم أمريكي لإسرائيل على مدى نحو 78 عاماً بدأ يتآكل، ولم يعد دعم إسرائيل إجماعاً جمهورياً-ديمقراطياً مضموناً، فيما بات القرب منها ومن "أيباك" في بعض الحالات عبئاً انتخابياً على مرشحين وأعضاء في الكونغرس، بفعل سياسات الحكومة الإسرائيلية واتجاه المجتمع الإسرائيلي المتزايد نحو اليمين.


حقائق جديدة تشهدها الساحة السياسية والمجتمع الأمريكي


يرى الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د.حسين الديك أن تصريحات ترمب بشأن تراجع نفوذ إسرائيل في واشنطن تعبّر عن "حقائق جديدة" تشهدها الساحة السياسية والمجتمع الأمريكي، وليست مجرد ادعاءات أو مناورة سياسية، مشيراً إلى أن مؤشرات هذا التحول باتت واضحة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

ويوضح الديك أن تيار "أمريكا أولاً" (MAGA) داخل الحزب الجمهوري بدأ يتحرر من ضغوط اللوبي الصهيوني و"أيباك"، ويركز على أيديولوجيته الخاصة القائمة على تقديم المصالح الأمريكية، مشيراً إلى أن هذا التيار تمثله داخل الإدارة الأمريكية شخصيات، بينها نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يرفض خوض مواجهات عسكرية خارج الحدود، وكان له دور في صياغة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، التي ركزت على اعتبار أمريكا اللاتينية "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة ومنع تدخل دول أخرى في شؤونها.

ويشير الديك إلى وجود تيار داخل الحزب الجمهوري يضم الإنجيليين والصقور المتحالفين مع "أيباك"، معتبراً أن ترمب يدرك طبيعة هذا الصراع الداخلي ويرى أن تيار "MAGA" أصبح الأكثر قوة وتأثيراً.


هزائم متكررة لمرشحي "أيباك"


وعلى صعيد الحزب الديمقراطي، يوضح الديك أن الانتخابات التمهيدية شهدت هزائم متكررة لمرشحي "أيباك"، معتبراً ذلك مؤشراً على تراجع قدرة اللوبي الصهيوني وحلفائه على التأثير في صناعة القرار الأمريكي.

ويرى الديك أن انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ستكون محطة حاسمة، خصوصاً في تحديد تركيبة مجلسي النواب والشيوخ، وقد تكشف بصورة أوضح حجم التحول في الموقف من إسرائيل.


انتقاد إسرائيل وسيلة للوصول للمناصب السياسية


ويؤكد الديك أن انتقاد إسرائيل كان في السابق "خسارة للحياة السياسية" لأي مرشح، بينما أصبح اليوم وسيلة للوصول إلى المناصب السياسية، سواء في مجلسي النواب والشيوخ أو مناصب حكام الولايات والمجالس التشريعية المحلية، ما يعكس تراجعاً حقيقياً في نفوذ تل أبيب.

ويشير الديك إلى أن دعم إسرائيل كان لعقود قضية "فوق حزبية" تجمع الجمهوريين والديمقراطيين، لكن الحزب الديمقراطي بدأ يتمرد على سياسة الدعم الأمريكي المطلق، متوقعاً أن يضم الكونغرس المقبل عدداً أكبر من المؤيدين لفلسطين والحقوق الفلسطينية، بما سينعكس على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ونفوذ جماعات الضغط.

ويلفت الديك إلى أن التحول يشمل الشباب وطلاب الجامعات والنقابات والمهندسين والمحامين ومؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى شرائح من اليهود الأمريكيين والأقليات والعرب والمسلمين، معتبراً أن هذه المكونات تشكل كتلة متنامية في مواجهة الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل.


تصريحات ترمب "حقيقة وليست مناورة"


ويؤكد الديك أن تصريحات ترمب "حقيقة وليست مناورة"، مستشهداً برفض الإدارة الأمريكية في ملفات عدة لما تريده إسرائيل، حيث أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية "تهتز بشكل حقيقي".

ويتوقع الديك أن تظهر خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولا سيما في 2028 أو 2032، تحولات أعمق في الموقف الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، قد تصل إلى اعتراض أمريكي على استمرار الوضع القائم، معتبراً أن ذلك قد يشكل "استدارة تاريخية" لم تحدث منذ قيام إسرائيل عام 1948.

ويدعو الديك الفلسطينيين والعرب إلى توحيد الجهود واستثمار هذه التحولات، معتبراً أن الرأي العام والمؤسسات الأمريكية باتت أكثر استعداداً لمساندة الحقوق الفلسطينية ورفض الدعم "الأعمى والمطلق" لإسرائيل.


تصريحات مبالغ فيها


يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن تراجع نفوذ إسرائيل في واشنطن تعكس تحولاً حقيقياً، لكنه مبالغ فيه إذا فُهم على أنه انتهاء للنفوذ الإسرائيلي أو انهيار للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، مشيراً إلى أن أهمية التصريحات ترتبط أيضاً بصدورها عن رئيس يُعد تاريخياً من أكثر الرؤساء الأمريكيين دعماً لإسرائيل.

ويوضح أن المقصود بتراجع النفوذ ليس فقدان إسرائيل قدرتها على التأثير في الولايات المتحدة، وإنما تراجع قدرتها على تحويل تفضيلاتها السياسية إلى قرارات أمريكية ملزمة للإدارة.

ويشير إلى أن ذلك ظهر في ملفات عدة، أبرزها المفاوضات الأمريكية مع إيران، التي استمرت رغم خلافات واشنطن وتل أبيب بشأن طبيعة الاتفاق وحدوده، ولا سيما ما يتعلق بالصواريخ البالستية ودعم إيران لحلفائها الإقليميين.

ويوضح الرجوب أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان كاد، وفق تقارير صحفية، أن يعرقل التفاوض الأمريكي الإيراني، ما دفع ترمب إلى توجيه انتقادات علنية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، كما برزت خلافات في ملفات التعاون النووي المدني الأمريكي السعودي، واحتمال إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات "إف-35"، إلى جانب إعلان ترمب دراسة بيع هذه الطائرات لأنقرة، وإلغاء وزير الدفاع الأمريكي اجتماعاً كان مقرراً مع نتنياهو لبحث المسألة.


استعداد واشنطن للتعامل مع المصالح الإقليمية بصورة مستقلة


وبحسب الرجوب، تعكس هذه التطورات استعداد واشنطن بصورة أكبر للتعامل مع المصالح السعودية والتركية والخليجية باعتبارها مصالح أمريكية مستقلة، وليس بالضرورة ملفات تمر أولاً عبر الموقف الإسرائيلي، وهو ما دفع مصادر إسرائيلية إلى الحديث عن تآكل النفوذ الإسرائيلي في واشنطن.

ويحذر الرجوب من اعتبار ذلك نهاية للنفوذ الإسرائيلي، مؤكداً أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية عميقة ومؤسسية، وتشمل الكونغرس واتفاقيات التعاون الدفاعي ومؤسسات راسخة، فيما يتضمن مشروع قانون للشراكات الدفاعية بين البلدين توسيع التعاون في الدفاع والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية، مع طرح تمويلات إضافية.

ويشير الرجوب إلى استمرار تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها "أيباك"، رغم المبالغة في القول إنها تتحكم بواشنطن، فضلاً عن استمرار الشبكات السياسية والانتخابية المؤيدة لإسرائيل داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.


تغير البيئة السياسية الأمريكية


ويرى الرجوب أن التحول الأهم يتعلق بتغير البيئة السياسية الأمريكية، موضحاً أن استطلاعات رأي تشير إلى تراجع النظرة الإيجابية للحكومة الإسرائيلية إلى 32% مقابل 62% سلبية، وانخفاض النظرة الإيجابية إلى الإسرائيليين من 67% عام 2022 إلى 52% عام 2026، فيما بلغت النظرة الإيجابية إلى الفلسطينيين بين الشباب الأمريكيين 18-29 عاماً 58% مقابل 32% للإسرائيليين.

ويرى الرجوب أن تصريحات ترمب تجمع بين الحقيقة والمناورة؛ فهناك تراجع نسبي في قدرة إسرائيل على فرض أولوياتها، خصوصاً في ملفات إيران والسعودية وتركيا ولبنان، لكن ترمب يستخدم ذلك أيضاً لإظهار استقلالية قراره وسياسة "أمريكا أولاً".


علاقة توازن أكبر بين المصالح


ويعتقد الرجوب أن المرحلة الراهنة تمثل انتقالاً من نفوذ إسرائيلي أوسع في تحديد أجندة السياسة الأمريكية إلى علاقة توازن أكبر بين المصالح الإسرائيلية والأمريكية والإقليمية، من دون أن يعني ذلك نهاية التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا