آخر الأخبار

تحولات مواقف جنوب إفريقيا والهند وإسبانيا تجاه فلسطين

شارك

نظم مركز قرار لأبحاث الشأن العام، مساء الأحد، عبر الفضاء الإلكتروني، الندوة الأولى من سلسلة "الشباب يتحدثون عن فلسطين في العالم"، بمشاركة ثلاثة باحثين تناولوا تحولات مواقف كل من جنوب إفريقيا والهند وإسبانيا تجاه فلسطين، في ضوء التحولات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها هذه الدول، وانعكاساتها المحتملة على حضور فلسطين في السياسة الدولية.

أدار الندوة د. أحمد جميل عزم، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة قطر ونائب رئيس مجلس أمناء مركز قرار، الذي افتتح اللقاء بتقديم نبذة عن المركز، وأهدافه ومجالات عمله في إنتاج المعرفة والبحث في القضايا السياسية والاجتماعية ذات الصلة بالشأن العام، مؤكدًا أهمية توسيع مساحة البحث والنقاش حول موقع فلسطين في التحولات الدولية والإقليمية. كما قدم عزم المشاركين في الندوة، وهم: الباحثة المصرية دينا رجائي المتخصصة في السياسة الأفريقية، والباحثة الفلسطينية منال علان المتخصصة في السياسة الهندية، والباحث الفلسطيني بهاء غسان المقيم في إسبانيا والمتخصص في الدراسات الدولية والأوروبية. وثلاثتهم باحثون زملاء في مركز قرار.

جنوب إفريقيا.. ثبات في الموقف رغم التحولات الداخلية

تناولت رجائي جذور الموقف الجنوب إفريقي الداعم للقضية الفلسطينية، والتحولات السياسية الداخلية التي شهدتها البلاد عقب انتخابات عام 2024، وانعكاساتها المحتملة على السياسة الخارجية. وأوضحت رجائي أن دعم جنوب إفريقيا لفلسطين لا يرتبط بأحداث ما بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وإنما يستند إلى إرث تاريخي مرتبط بمناهضة نظام الفصل العنصري ودعم حركات التحرر الوطني، وإلى الهوية السياسية التي تبناها حزب المؤتمر الوطني الإفريقي منذ وصوله إلى الحكم عام 1994. وأشارت إلى أن هذا الدعم انتقل من مستوى الخطاب السياسي إلى التحرك القانوني الدولي، ولا سيما مع لجوء جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية في كانون الأول/ ديسمبر 2023.

كما أشارت رجائي إلى أثر الانتخابات البرلمانية لعام 2024 في جنوب إفريقيا، التي فقد فيها المؤتمر الوطني الإفريقي أغلبيته البرلمانية لأول مرة منذ ثلاثة عقود، وما ترتب على ذلك من تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم عددًا من الأحزاب ذات المواقف المختلفة تجاه إسرائيل والغرب. وبيّنت أن هذه التحولات الداخلية لم تؤدِ، حتى الآن، إلى تغيير جوهري في موقف جنوب إفريقيا تجاه القضية الفلسطينية، مستندة في ذلك إلى استمرار احتفاظ المؤتمر الوطني الإفريقي بوزارة الخارجية، ومواصلة متابعة الدعوى أمام محكمة العدل الدولية، إلى جانب اتساع حضور القضية الفلسطينية في المجتمع المدني الجنوب إفريقي.

وفي استشرافها للمستقبل، رجحت رجائي استمرار الدعم الجنوب إفريقي للقضية الفلسطينية، مع احتمال تغير بعض أدوات هذا الدعم تبعًا للتوازنات السياسية الداخلية، مشيرة إلى أن أثر الموقف الجنوب إفريقي في المرحلة الراهنة قد يكون أكثر وضوحًا على المستويين السياسي والدبلوماسي، في ظل استمرار حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.

الهند.. من دعم القضية إلى التركيز على الحل والتنمية والاستجابة الإنسانية

استعرضت علان في مداخلتها مسارات التحول في السياسة الخارجية الهندية تجاه فلسطين، مركزة على العوامل السياسية والاستراتيجية التي يمكن أن تفسر هذه التحولات. وأشارت علان إلى أهمية فهم المنهج العام الذي يحكم مقاربة نيودلهي للقضايا الدولية، باعتباره إطارًا يساعد على تفسير طبيعة توجهاتها الخارجية تجاه القضية الفلسطينية. وركزت على مسارين أساسيين، يتعلق الأول بطبيعة الاعتراف السياسي الهندي بفلسطين ومستوى التمثيل الدبلوماسي بين الطرفين، فيما يتناول الثاني طبيعة الموقف الهندي وآليات ترجمة السياسة تجاه القضية الفلسطينية.

وأوضحت علان أن مكانة فلسطين في الرؤية الهندية شهدت تحولات متدرجة، من قضية ارتبطت في بداياتها بمناهضة الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني، إلى قضية سياسية ذات أبعاد دولية، ثم التركيز على أبعادها التنموية، وصولًا إلى بروز مقاربة أكثر ارتباطًا بالمساعدات والاستجابة الإنسانية للأزمات. كما رصدت الباحثة تحولًا في الخطاب الهندي من دعم القضية الفلسطينية بوصفها قضية سياسية وحقوقية، إلى التركيز بصورة أكبر على الدعوة إلى إيجاد حل للقضية، معتبرة أن هذا التحول يعكس تغيرًا في مستوى الالتزام السياسي والقانوني وموقع فلسطين ضمن أولويات السياسة الخارجية الهندية.

وتناولت الباحثة ثلاث مراحل رئيسية لفهم هذا التحول، تبدأ بالخلفية التاريخية للموقف الهندي تجاه فلسطين في سياق مناهضة الاستعمار، مرورًا بمرحلة ما بعد استقلال الهند عام 1947 وحتى ما قبل حرب غزة عام 2023، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي أعقبت الحرب على غزة، في ظل تنامي العلاقات الهندية الإسرائيلية. وفي استشرافها للمستقبل، ركزت علان على بُعدين رئيسيين: الأول سياسي ودبلوماسي، ويتصل بإعادة تعريف موقع القضية الفلسطينية في الرؤية الهندية، والثاني أمني واستراتيجي، ويرتبط بتنامي العلاقات الأمنية والاستراتيجية بين الهند وإسرائيل وتأثيرها المحتمل في هامش المناورة السياسية الهندية تجاه فلسطين، إلى جانب دور البيئة السياسية الداخلية والأحزاب المعارضة في تشكيل النقاش العام حول السياسة الخارجية.

إسبانيا.. تحول تدريجي يرتبط بالداخل الإسباني والأوروبي

ركز غسان على التحول الذي شهده الموقف الإسباني تجاه فلسطين منذ عام 2023، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو الممارسة الدبلوماسية. وتطرق إلى السياق التاريخي للعلاقات الفلسطينية–الإسبانية، وتطور السياسة الخارجية الإسبانية تجاه القضية الفلسطينية في سياق التحول الديمقراطي الذي شهدته إسبانيا منذ عام 1975، إلى جانب موقع إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وتأثير ذلك في مواقف الحكومات الإسبانية المتعاقبة.

كما ناقش غسان موقف المجتمع الإسباني من القضية الفلسطينية، والفاعلين الداعمين لها والمناهضين لها، والعوامل الاجتماعية والإعلامية التي أسهمت في تشكيل المواقف، ولا سيما خلال الفترة التي شهدت الحرب على غزة منذ عام 2023. وتناول كذلك التحولات التي طرأت على الموقف الإسباني، بما في ذلك الاتجاه نحو إدانة الإبادة الجماعية والاعتراف بالدولة الفلسطينية، مع التأكيد على أن استمرار هذا الاتجاه يظل مرتبطًا بالتحولات السياسية الداخلية في إسبانيا، وبالتطورات الأوسع داخل أوروبا. وفي إطار استشراف المستقبل، استعرض غسان السيناريوهات المحتملة للموقف الإسباني في ظل اقتراب الانتخابات البرلمانية للعام 2027، وصعود اليمين التقليدي واليمين المتطرف من جهة، ومحاولات تشكيل جبهة موحدة لليسار من جهة أخرى.

نقاش تفاعلي حول مستقبل المواقف الدولية

في الجزء الأخير من الندوة، فُتح باب النقاش والمداخلات أمام المشاركين والحضور، حيث طُرحت مجموعة من الأسئلة والاستفسارات المرتبطة بالمحاور التي تناولها الباحثون، وبطبيعة التحولات السياسية والدبلوماسية في مواقف جنوب إفريقيا والهند وإسبانيا تجاه فلسطين والقضية الفلسطينية، وانعكاسات المتغيرات الداخلية والدولية على مستقبل هذه المواقف. وقد تفاعل الباحثون مع الأسئلة المطروحة، مقدمين إجابات وتوضيحات حول القضايا التي أثارها المشاركون، ما أتاح توسيع النقاش وتعميق الحوار حول فرص تعزيز حضور القضية الفلسطينية في السياسات والمواقف الدولية، والتحديات التي قد تواجه هذا الحضور في ظل التحولات السياسية المتسارعة.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية مواصلة النقاش والبحث في التحولات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، بما ينسجم مع توجه مركز قرار لأبحاث الشأن العام، نحو إنتاج المعرفة وفتح مساحات للحوار والتحليل، وإتاحة المجال أمام الباحثين الشباب لتقديم قراءات متخصصة تسهم في فهم موقع فلسطين في العالم والتحولات التي تحيط بها.


القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا