صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي من عملياته العسكرية في عمق الجنوب اللبناني مساء الجمعة، حيث نفذ ثلاث عمليات تفجير وصفت بالعنيفة في محيط بلدة الطيبة التابعة لقضاء مرجعيون. وأفادت مصادر رسمية بأن هذه التفجيرات تأتي في سياق سلسلة من الخروقات المتواصلة التي ينفذها الاحتلال، مما أثار حالة من الذعر بين السكان المحليين نتيجة شدة الانفجارات.
وتأتي هذه التطورات الميدانية عقب ليلة دامية شهدت تفجيرات ضخمة هزت محيط قلعة الشقيف التاريخية في قضاء النبطية فجر الجمعة. وادعى جيش الاحتلال أن هذه العمليات استهدفت تدمير شبكة أنفاق تابعة لحزب الله في المنطقة، في محاولة لتبرير حجم الدمار الهائل الذي خلفته المتفجرات في المواقع المستهدفة.
من جانبه، حذر الرئيس اللبناني جوزيف عون من التداعيات الخطيرة لهذا التصعيد، مؤكداً في بيان رسمي أن الاعتداءات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً لاتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه مؤخراً. وأشار عون إلى أن هذه الممارسات تقوض المساعي الدولية الرامية لتثبيت حالة الاستقرار في المنطقة الحدودية.
وأدانت الرئاسة اللبنانية بشدة استخدام كميات ضخمة من المتفجرات في محيط قلعة الشقيف المدرجة على لائحة التراث العالمي، واصفة العمليات بأنها غير مسبوقة. واعتبرت بيروت أن توقيت هذا التصعيد يحمل رسائل سلبية، خاصة وأنه يسبق جولة مفاوضات حاسمة من المقرر عقدها في العاصمة الإيطالية روما.
وفي سياق متصل، أفادت مصادر ميدانية بأن أصداء الانفجارات العنيفة التي استهدفت بلدات يحمر الشقيف وأرنون وكفرتبنيت ترددت في مناطق واسعة من الجنوب اللبناني. ووصلت موجات الضغط الناتجة عن التفجيرات إلى إقليم الخروب ومنطقة خلدة الواقعة على مشارف العاصمة بيروت، مما يعكس حجم القوة التدميرية المستخدمة.
ولم تقتصر العمليات الإسرائيلية على قضاء النبطية، بل امتدت لتشمل نسف عدد من الكهوف والمنازل في محيط بلدتي المنصوري ومجدل زون بقضاء صور. وتأتي هذه التحركات في وقت يحاول فيه الأهالي العودة لتفقد ممتلكاتهم، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والميدانية في القرى الحدودية.
وعلى الصعيد السياسي، كشفت تقارير دبلوماسية عن ترتيبات لعقد جولة مفاوضات جديدة في روما بين الرابع والسادس من أغسطس المقبل. وتهدف هذه الجولة، التي ترعاها الولايات المتحدة، إلى بحث الآليات التنفيذية لاتفاق الإطار ومواصلة العمل على تثبيت التفاهمات التي تم التوصل إليها في يونيو الماضي.
ووصف رئيس مجلس النواب اللبناني الاعتداءات الإسرائيلية بأنها محاولة ممنهجة لتحويل مناطق واسعة في الجنوب إلى أراضٍ غير قابلة للحياة. وأكد أن تدمير القرى ونسف المباني السكنية يهدف إلى فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد يعيق عودة النازحين إلى ديارهم التي هجروا منها.
ميدانياً، واصل الجيش اللبناني تعزيز انتشاره في المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال، حيث أجرى قائد الجيش جولة تفقدية في بلدة زوطر الغربية. وتعد هذه الجولة الثانية له خلال أسبوع، وتأتي في إطار التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية وبدء تنفيذ بنود الانتشار العسكري المقررة في الاتفاقات الدولية.
وتشير الأوساط السياسية في بيروت إلى أن التصعيد الإسرائيلي يهدف إلى تحسين شروط التفاوض قبل اجتماع روما المرتقب. ويرى مراقبون أن إسرائيل تسعى لتوسيع هامش مناورتها العسكرية للضغط على الجانب اللبناني، وهو ما ترفضه الحكومة اللبنانية التي تتمسك بتنفيذ كامل بنود اتفاق الإطار دون اجتزاء.
وتتزامن هذه التطورات مع تحركات دبلوماسية لبنانية مكثفة تشمل زيارة الرئيس اللبناني إلى تركيا لبحث سبل تعزيز الموقف اللبناني. وتسعى بيروت إلى حشد دعم إقليمي وعربي لمواقفها، بما يضمن حماية أراضيها وسيادتها في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية.
ووفقاً لبيانات وزارة الصحة اللبنانية، فإن العدوان المستمر منذ مطلع مارس الماضي قد خلف خسائر بشرية فادحة، حيث استشهد أكثر من 4333 مواطناً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة ما يزيد عن 12 ألف شخص، وسط ظروف صحية صعبة تعيشها المستشفيات في المناطق الجنوبية والضاحية.
وينص اتفاق 'صيغة الإطار' الذي وُقع برعاية أمريكية على انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال من كافة الأراضي اللبنانية التي دخلتها مؤخراً. وفي المقابل، يتولى الجيش اللبناني بسط سلطته في تلك المناطق مع العمل على نزع سلاح المجموعات المسلحة لضمان عدم العودة إلى مربع المواجهة العسكرية الشاملة.
وتبقى الأنظار متجهة نحو ما ستسفر عنه الأيام القادمة من جهود دبلوماسية لاحتواء التصعيد الميداني ومنع انهيار التفاهمات الهشة. ويخشى المتابعون من أن يؤدي استمرار التفجيرات الإسرائيلية إلى عرقلة وصول الوفود المفاوضة إلى روما، مما قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر ويهدد الاستقرار الإقليمي.
المصدر:
القدس