د. طالب عوض: الانتخابات المقبلة ستواجه تحديات كبيرة في ظل مرور أكثر من 20 عاماً على آخر انتخابات للمجلس التشريعي ما يجعلها محطة استثنائية
عارف جفال: توقيت إصدار المرسوم قبيل اجتماع المانحين في بروكسل قد يحمل رسالة إلى الجهات المانحة بشأن استمرار مسار الإصلاح السياسي
جهاد حرب: عدم تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يحرم الرئيس و"التشريعي" من شرعية متجددة ويرفع الكلفة على خزينة السلطة والمرشحين
عوني المشني: صدور المرسوم بتحديد موعد الانتخابات التشريعية لا يشكل ضمانة لإجرائها كون التجارب السابقة أظهرت إمكانية التراجع عن قرارات مماثلة
نهاد أبو غوش: نجاح الانتخابات يتطلب إجراءها بأجواء تتوافر فيها النزاهة وتكافؤ الفرص وفي ظل قانون انتخاب يحظى بتوافق غالبية القوى السياسية والمجتمعية
رام الله - خاص بـ"القدس"-
بعد أكثر من عقدين على غياب الانتخابات التشريعية، أعاد المرسوم الرئاسي بتحديد الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، موعداً للاقتراع، ملف تجديد الشرعيات إلى واجهة المشهد السياسي، وسط إجماع على أهمية الاستحقاق باعتباره مدخلاً لإعادة تفعيل المؤسسات، وسط مخاوف بشأن فرص إنجاز الانتخابات في ظل تعقيدات القدس وقطاع غزة والواقعين السياسي والأمني.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن المرسوم يعكس توجهاً لإحياء المسار الديمقراطي واستعادة الثقة بالمؤسسات، يثير آخرون تساؤلات حول الفصل بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، ومدى ارتباط استكمال الاستحقاقات بالتطورات السياسية الداخلية والخارجية، مؤكدين أن نجاح العملية الانتخابية سيظل مرهوناً بالإرادة السياسية والتوافق الوطني وتذليل العقبات الميدانية.
اكتمال المنظومة القانونية الناظمة
يؤكد رئيس مجلس إدارة مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات والخبير الإقليمي في شؤون الانتخابات د.طالب عوض أن المرسوم الرئاسي القاضي بتحديد الثامن والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية يمثل استكمالاً للموعد الذي كان متفقاً عليه سابقاً لإجراء الانتخابات في بداية الشهر ذاته.
ويوضح أن صدور المرسوم يعني اكتمال المنظومة القانونية الناظمة للعملية الانتخابية، بعد اعتماد قانون الانتخابات الصادر بقرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 وتعديلاته في عامي 2021 و2026، وباتت الأنظار تتجه إلى لجنة الانتخابات المركزية لإعلان الجدول الزمني الذي يشمل مراحل الترشح والدعاية والإجراءات التنفيذية وصولاً إلى يوم الاقتراع.
تحديات سياسية ولوجستية كبيرة
ويشير عوض إلى أن الانتخابات المقبلة ستواجه تحديات سياسية ولوجستية كبيرة، في ظل مرور أكثر من 20 عاماً على آخر انتخابات للمجلس التشريعي، الأمر الذي يجعلها محطة استثنائية سيدخل خلالها جيل جديد من الفلسطينيين العملية الانتخابية للمرة الأولى.
ويوضح أن أكثر من 55% من الناخبين سيكونون من هذه الفئة، فيما يبلغ عدد المسجلين حالياً في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس نحو 2.6 مليون ناخب، مع توقع ارتفاع العدد إلى قرابة 2.9 مليون، مرجحاً أن تصل نسبة المشاركة إلى نحو مليوني ناخب إذا شاركت جميع القوى والفعاليات السياسية.
ويشير عوض إلى أن تعديل قانون الانتخابات وخفض نسبة الحسم إلى 1% يفتح المجال أمام القوائم التي تحصل على ما يعادل مقعدين في المجلس التشريعي المؤلف من 200 عضو للفوز بالتمثيل، معتبراً أن الأشهر الأربعة المقبلة تتطلب جهوداً مكثفة من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام لإنجاح العملية الانتخابية بعد سنوات طويلة من الانقطاع.
المؤشرات الحالية وتعزيز فرص إجراء الانتخابات
ويرى عوض أن المؤشرات الحالية تعزز فرص إجراء الانتخابات، لافتاً إلى أن المرسوم الحالي هو "الثالث" بعد مرسومي عامي 2009 و2021 اللذين لم يفضيا إلى إجراء الانتخابات.
ويعتبر عوض أن الاستحقاق هذه المرة يختلف، لأن الجميع يؤكد أهمية المضي به، لافتاً إلى أن الانتخابات ليست مبكرة وإنما استحقاق دستوري وقانوني تأخر تنفيذه منذ عام 2010، أي لأكثر من ستة عشر عاماً.
تغييرات مهمة
وفي ما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني، يوضح عوض أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين يصبحون بحكم القانون أعضاءً في المجلس الوطني الفلسطيني، مؤكداً أهمية المشاركة الواسعة، ولا سيما من الشباب والنساء.
ويشير عوض إلى أن القانون عزز تمثيل المرأة، فيما خفض سن الترشح للشباب، معرباً عن أمله بأن تخصص القوائم الانتخابية ما لا يقل عن ربع مرشحيها لفئة الشباب دون الخامسة والثلاثين لتعزيز حضورهم في الحياة السياسية.
إمكانية عقد "الرئاسية" في آذار المقبل
وفي ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، يوضح عوض أن مؤسسات المجتمع المدني كانت تفضل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن أو بمرسوم واحد، إلا أن تحديد إجرائها خلال الربع الأول من عام 2027، يجعل نهاية شهر آذار المقبل، الموعد الأكثر ترجيحاً.
ويدعو عوض إلى إصدار مرسوم خاص بالانتخابات الرئاسية خلال شهري أيلول أو تشرين الأول المقبلين، وعدم الانتظار إلى ما بعد انتهاء الانتخابات التشريعية، تأكيداً على ترابط الاستحقاقين قانونياً وسياسياً.
أهمية معالجة أسباب إلغائها قبل 5 سنوات
يشدد مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات عارف جفال على أن صدور المرسوم الرئاسي بتحديد الثامن والعشرين من تشرين الثاني المقبل، موعداً للانتخابات التشريعية يمثل خطوة قانونية تعيد الحق للمواطنين في التوجه إلى صناديق الاقتراع، إلا أن إجراء الانتخابات لا يرتبط بالمرسوم وحده، وإنما بمعالجة الأسباب التي حالت دون إجرائها عام 2021، وعلى رأسها ملفا القدس وقطاع غزة.
ويوضح أن الظروف التي أدت إلى إلغاء انتخابات عام 2021 ما زالت، في جانب كبير منها، قائمة، مشيراً إلى عدم وجود تأكيدات بشأن ضمان إجراء الانتخابات في القدس، فضلاً عن تعقيدات المشهد في قطاع غزة بعد الحرب، وما يفرضه من ضرورة إطلاق حوار وطني يضم القوى السياسية وأبناء القطاع لبحث آليات تنظيم العملية الانتخابية في ظل الواقع الجديد، بما يشمل القضايا الإدارية والأمنية والمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والتحديات الميدانية المختلفة.
التحذير من تكرار تجربة عام 2021
ويشدد جفال على أن صدور المرسوم ينبغي التعامل معه باعتباره منطلقاً للتحضير الجاد للانتخابات، مع العمل على إزالة العقبات عبر توافق سياسي يحدد كيفية التعامل مع التحديات الأساسية، محذراً من تكرار تجربة عام 2021 إذا بقيت القرارات أحادية.
ويؤكد أن الاتفاق الجماعي على البدائل، خصوصاً إذا مُنع الاقتراع في القدس، يجعل جميع الأطراف شريكة في تحمل المسؤولية، مؤكداً أن الانتخابات تبقى ممكنة إذا توفرت إرادة حقيقية لإجرائها.
ويشير جفال إلى أن توقيت إصدار المرسوم، قبيل اجتماع المانحين في بروكسل، قد يحمل رسالة إلى الجهات المانحة بشأن استمرار مسار الإصلاح السياسي، لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي واصل دعم إجراء الانتخابات حتى بعد إلغائها عام 2021، فيما لا يزال مستوى انخراط الولايات المتحدة بدعم الانتخابات حالياً غير واضح، رغم أن واشنطن كان لها دور في تهيئة الظروف لإجراء انتخابات عام 2006.
وفي ما يتعلق بإعلان إجراء الانتخابات الرئاسية خلال الربع الأول من عام 2027، يوضح جفال أن مؤسسات المجتمع المدني والائتلاف الأهلي للانتخابات طالبت بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن، انسجاماً مع القانون، معتبراً أن الفصل بين الاستحقاقين وعدم تحديد موعد دقيق للرئاسية قد يُفهم على أنه انتظار لنتائج الانتخابات التشريعية قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
ويؤكد جفال أن الفلسطينيين غابوا عن الانتخابات أكثر من عشرين عاماً، وأن استعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر انتخابات شاملة يشارك فيها الجميع وتعبر عن الإرادة الشعبية.
ضرورة للحفاظ على وحدة النظام السياسي
يشدد مدير مركز "ثبات" للبحوث واستطلاعات الرأي، والباحث في قضايا الحكم والسياسة، جهاد حرب، على أن إجراء الانتخابات الفلسطينية يمثل استحقاقاً وطنياً ودستورياً، إلى جانب كونه ضرورة للحفاظ على وحدة النظام السياسي ومنع فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، في ظل التطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2803 واحتمالات استمرار إدارة انتقالية دولية في قطاع غزة، إضافة إلى اشتراطات أميركية تتعلق بعودة القطاع إلى إدارة السلطة الفلسطينية بعد تنفيذ إصلاحات معاييرها ما تزال غير واضحة.
ويوضح حرب أن إمكانية إجراء الانتخابات ترتبط بإجابات واضحة من القيادة الفلسطينية بشأن آليات تنظيم الاقتراع في القدس وقطاع غزة، حتى لا تتكرر تجربة عام 2021، عندما ألغيت الانتخابات في مراحلها الأخيرة بسبب عدم التوصل إلى آلية لإجرائها في القدس وفق بروتوكول الانتخابات الموقع عام 1995، والذي ينص على اقتراع نحو ستة آلاف مقدسي في مكاتب البريد والسماح بالحملة الانتخابية داخل مدينة القدس.
ويوضح حرب أن هناك تساؤلات أساسية تتعلق بالوضع في قطاع غزة، وفي مقدمتها الجهة التي ستشرف على العملية الانتخابية، وما إذا كانت السلطة القائمة هناك، سواء لجنة تكنوقراط أو حركة حماس، ستوافق على تنظيم الانتخابات من دون تفاهمات سياسية واضحة بشأن آليات التنفيذ وحماية صناديق الاقتراع، إلى جانب التساؤل حول سماح إسرائيل بإدخال المواد الانتخابية، وقدرة لجنة الانتخابات المركزية على تحديث سجل الناخبين بعد الدمار الواسع وحركة النزوح داخل القطاع.
قضايا بحاجة لحسم مبكر
ويعتبر حرب أن هذه القضايا السياسية والفنية واللوجستية تحتاج إلى حسم مبكر، محذراً من تركها حتى المراحل الأخيرة، لأن ذلك قد يهدد بإفشال العملية الانتخابية.
ويرى حرب أن عدم إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن كان قراراً غير موفق، لأنه يحرم الرئيس والمجلس التشريعي من شرعية متجددة في الوقت نفسه، ويرفع الكلفة المالية على خزينة السلطة والمرشحين، فضلاً عن أن تزامن الاستحقاقين يعزز انسجام خيارات الناخبين.
عدم تحديد موعد واضح للرئاسية يثير شكوكاً
ويعتبر حرب أن عدم تحديد موعد دقيق للانتخابات الرئاسية، والاكتفاء بالإشارة إلى الربع الأول من عام 2027، يثير شكوكاً لدى الفلسطينيين، معتبراً أن تحديد التاريخ في المرسوم ذاته كان سيعزز الثقة بالعملية الانتخابية، رغم وجود التزام معلن من الرئيس محمود عباس بإجرائها خلال تلك الفترة.
ويشير إلى أن الرسالة بعدم تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية هو أن مصير الانتخابات الرئاسية سيظل مرتبطاً بنجاح إجراء الانتخابات التشريعية وتجاوز تحديات القدس وقطاع غزة.
إحياء المسار الديمقراطي بعد نحو عقدين
تعتبر د. دلال عريقات، عضو المجلس الثوري لحركة فتح وأستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، أن المرسوم الرئاسي القاضي بتحديد الثامن والعشرين من تشرين الثاني 2026، موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية يمثل خطوة سياسية ودستورية مهمة باتجاه الاحتكام إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر الشرعية، وإحياء المسار الديمقراطي بعد نحو عقدين من غياب الانتخابات التشريعية.
وتؤكد أن وجود مؤسسات تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية يشكل ضرورة وطنية في ظل أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية.
إعادة بناء الشرعية الفلسطينية
وتوضح عريقات أن المرسوم يندرج ضمن مسار أشمل يستهدف إعادة بناء الشرعية الفلسطينية، وضمان حق المواطنين في المشاركة السياسية واختيار ممثليهم، إلى جانب إعادة تفعيل السلطة التشريعية.
وتعتبر عريقات أن الانتخابات ليست خياراً سياسياً أو منحة من أي طرف، وإنما حق دستوري أصيل للشعب الفلسطيني، وفرصة لتعزيز المشروع الوطني التحرري والارتقاء بمستوى التمثيل الفلسطيني على أسس وحدوية ووطنية.
تحديات كبيرة
وترى عريقات أن الانتقال من إصدار المرسوم إلى إجراء الانتخابات على أرض الواقع يواجه تحديات كبيرة، موضحة أن نجاح العملية الانتخابية يرتبط بتوفر إرادة وطنية جامعة، وضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية، وإمكانية تنظيم الانتخابات في قطاع غزة، إضافة إلى عدم عرقلة الاحتلال الإسرائيلي للعملية الانتخابية كما حدث في محطات سابقة. وتشدد عريقات على أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته وممارسة الضغط على إسرائيل لضمان تمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم الديمقراطي، ولا سيما في مدينة القدس.
وتؤكد عريقات أنه إذا واجهت الانتخابات عراقيل، فإن ذلك يجب أن يتحول إلى معركة سياسية وشعبية وقانونية ودبلوماسية تُسخَّر فيها مختلف الأدوات لضمان إجرائها وكشف الجهة التي تعطل المسار الديمقراطي الفلسطيني.
أهمية تجديد جميع المؤسسات
وفي ما يتعلق بما تضمنه المرسوم من تحديد موعد لإجراء الانتخابات الرئاسية خلال الربع الأول من عام 2027، ترى عريقات أن هذه الخطوة تعكس وجود رؤية متكاملة لتجديد الشرعيات الدستورية وعدم الاكتفاء بانتخاب مجلس تشريعي.
وتشير عريقات إلى أن اكتمال الشرعية في أي نظام سياسي يتطلب تجديد جميع المؤسسات وفق أحكام القانون، بما يسهم في تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم.
وتعرب عريقات عن أملها في إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، معتبرة أن صناديق الاقتراع تمثل الطريق الطبيعي والديمقراطي لتجديد الشرعية وتداول السلطة وتعزيز صمود النظام السياسي الفلسطيني في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وتؤكد عريقات أن تنفيذ هذا الاستحقاق يبقى مرتبطاً باستمرار الحرب، وموقف الاحتلال الإسرائيلي، وإمكانية إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس وقطاع غزة، إلى جانب قدرة القوى السياسية على إدارة التنافس ضمن قواعد ديمقراطية تحافظ على الوحدة الوطنية.
وتشدد عريقات على أن الحوار الوطني والانتخابات مساران متكاملان، وأن فلسطين تحتاج في هذه المرحلة إلى مؤسسات قوية وشرعية ديمقراطية ووحدة وطنية، لأن الاحتلال هو المستفيد الأول من استمرار الانقسام وتعطيل المسار الديمقراطي.
تحديد التشريعية لا يشكل ضمانة لإجرائها
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن صدور المرسوم الرئاسي بتحديد موعد الانتخابات التشريعية لا يشكل ضمانة لإجرائها، مؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت إمكانية التراجع عن قرارات مماثلة تبعاً للمتغيرات التي تؤثر في مصالح صانع القرار، وليس استناداً إلى ضوابط قانونية أو مؤسسية ملزمة.
ويشير المشني إلى أن إعلان موعد الانتخابات ثم التراجع عنه في مرات سابقة يجعل من الصعب الجزم بأن المرسوم الحالي سيصل إلى نهايته، في ظل غياب قانون أو محكمة دستورية أو معارضة قادرة على منع إلغاء الانتخابات إذا اتخذ قرار بذلك.
ويلفت إلى أن تأجيل الانتخابات السابقة تم تبريره بعدم ضمان مشاركة أهالي القدس، متسائلاً عما إذا كانت الظروف قد تغيرت فعلاً بما يسمح بمشاركتهم هذه المرة، أم أن ما تبدل هو مصالح صانع القرار أو وجود عوامل وضغوط خارجية لا يستطيع تجاوزها.
ويرى المشني أن العامل الحاسم في تحديد مسار الانتخابات ليس مصالح الشعب الفلسطيني، وإنما اعتبارات أخرى، معتبراً أن ما يجري يمثل استفراداً بالقرار السياسي وليَّاً للنصوص القانونية بما يتوافق مع المصالح أو الضغوط.
جميع السيناريوهات مفتوحة
ويشدد المشني على أن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية تقوم على قواعد قانونية مستقرة تحظى بالاحترام ولا تخضع للأمزجة أو الحسابات السياسية، معتبراً أن الحالة الفلسطينية تختلف عن ذلك، وهو ما يجعل جميع السيناريوهات مفتوحة، سواء من حيث إجراء الانتخابات أو تأجيلها، إلى جانب استمرار الغموض بشأن شكل الكتل الانتخابية وتحالفاتها وفرصها، وهي عوامل ستؤثر بصورة مباشرة في مصير العملية الانتخابية.
هل نحن أمام بالون اختبار؟
وفي ما يتعلق بالفصل بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، يرى المشني أن تأجيل الانتخابات الرئاسية ثلاثة أو أربعة أشهر قد يكون مؤشراً إلى التعامل مع الانتخابات التشريعية باعتبارها "بالون اختبار" لقياس فرص الفوز في الانتخابات الرئاسية.
ويعتبر المشني أنه إذا أظهرت نتائج التشريعية مؤشرات إيجابية لصانع القرار فستستكمل العملية، أما إذا جاءت بعكس ذلك فقد يتم إلغاء الانتخابات الرئاسية والبحث عن بدائل أخرى.
ويتساءل المشني عن جدوى تنظيم عمليتي اقتراع منفصلتين خلال فترة قصيرة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية، معتبراً أن إجراء انتخابات واحدة كان سيجنب إنفاق عشرات الملايين من الدولارات.
ويرى أن آلية إدارة هذا الملف لا تعكس تداولاً ديمقراطياً للسلطة، بل استمراراً لنهج أدى إلى بقاء النظام السياسي لأكثر من عشرين عاماً من دون انتخابات.
واقع فلسطيني شديد الهشاشة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن المرسوم الرئاسي الخاص بإجراء الانتخابات التشريعية يأتي في ظل واقع فلسطيني شديد الهشاشة، نتج عن تداخل عاملين رئيسيين يتمثلان في الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته وحربه المستمرة على الشعب الفلسطيني، إلى جانب نمط الأداء الداخلي الذي رافقته مظاهر التفرد والفساد والتسلط.
ويعتبر أبو غوش أن ذلك أدى إلى تشويه بنية النظام السياسي وتعطيل مؤسساته، بما في ذلك المجلس التشريعي ومؤسسات منظمة التحرير التي يرى أنها تحولت إلى هياكل شكلية يجري استدعاؤها عند الحاجة.
ويشدد أبو غوش على أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يمكن أن تشكل مدخلاً للإصلاح وإعادة بناء الشراكة الوطنية وتفعيل المؤسسات، إلا أنها لا تكفي وحدها لتحقيق هذه الأهداف، مؤكداً أن نجاحها يتطلب إجراءها في أجواء تتوافر فيها النزاهة وتكافؤ الفرص، وفي ظل قانون انتخاب يحظى بتوافق غالبية القوى السياسية والمجتمعية، وهو ما اعتبر أنه لم يتحقق، إذ جرى إقرار مواعيد الانتخابات وقوانينها عبر مراسيم رئاسية وقرارات بقانون بعيداً عن مخرجات الحوارات الوطنية، وبالنهج ذاته الذي سبق انتخابات عام 2021 التي أُلغيت بحجة عدم سماح إسرائيل بإجرائها في القدس، متسائلاً عما إذا كانت إسرائيل وافقت هذه المرة على إجرائها في تشرين الثاني 2026.
تحفظات حول الإطار القانوني للانتخابات
ويشير أبو غوش إلى أن إعداد الإطار القانوني للانتخابات شابه قدرٌ من التخبط، تمثل في الانتقال من الحديث عن انتخابات المجلس الوطني إلى الانتخابات التشريعية، وتغيير توزيع الحصص بين الداخل والخارج، إلى جانب استمرار النص الذي يشترط الالتزام بالبرنامج السياسي والوطني لمنظمة التحرير، معتبراً أن هذا الشرط، رغم تخفيف صياغته، يبقي الباب مفتوحاً أمام تفسيرات قد تؤدي إلى استبعاد قوى سياسية رئيسية من المشاركة.
ويرى أن تزامن الانتخابات الفلسطينية مع الانتخابات الإسرائيلية يثير تساؤلات في ظل استمرار الحرب والتهديدات الإسرائيلية بتوسيع العمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية، متسائلاً عما إذا كانت هناك ضمانات حقيقية لإجرائها في ظروف طبيعية، ولا سيما في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة في قطاع غزة، حيث تستمر الخروقات الإسرائيلية والمجاعة والأوبئة وظروف النزوح.
ويعتبر أبو غوش أن الأزمة لا تقتصر على إدارة الشأن الداخلي، بل ترتبط أيضاً بكون الفلسطينيين شعباً يعيش تحت الاحتلال، ما يفرض الجمع بين النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال وبين بناء نظام ديمقراطي.
ويؤكد أبو غوش أن الضغوط الخارجية، ولا سيما الأميركية، كان لها دور في إعادة طرح ملف الإصلاح والانتخابات، لكنه يشكك في دوافعها، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية لا تُختزل بإجراء انتخابات لمرة واحدة، وإنما تتطلب حريات عامة، واستقلالاً للقضاء، وفصل السلطات، وحرية العمل السياسي، والتعددية، والرقابة والمساءلة والشفافية والمساواة، مؤكداً أن انتخابات بهذا السياق تبقى محل شك، كما أن قدرتها على إحداث تغيير حقيقي تظل موضع تساؤل.
المصدر:
القدس