آخر الأخبار

مركز لوجستي روسي في طرطوس: أهداف موسكو الاقتصادية في سوريا

شارك

تتسارع الخطى الروسية لتثبيت أقدام موسكو في الخارطة الاقتصادية السورية الجديدة، حيث كشفت مصادر مطلعة عن مساعٍ لتشغيل مركز لوجستي تجاري ضخم في ميناء طرطوس بحلول منتصف شهر يوليو الجاري. وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان استمرارية النفوذ الروسي عبر القنوات التجارية، خاصة بعد التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد بنهاية عام 2024 وسقوط النظام السابق.

وأفادت مصادر بأن المركز اللوجستي سيعمل انطلاقاً من الرصيف رقم 4 في الميناء، وهو موقع يقع ضمن نطاق القاعدة البحرية التي تستأجرها روسيا، مما يمنحه صبغة أمنية وتجارية مزدوجة. وفي الوقت الذي سيخصص فيه هذا الرصيف للنشاط التجاري، ستواصل القوات الروسية الاحتفاظ بوجودها العسكري في الأرصفة الأخرى التابعة للقاعدة البحرية.

ومن المقرر أن يتولى المركز الجديد عمليات مناولة واسعة النطاق تشمل القمح والحبوب والأخشاب والصلب، بالإضافة إلى المواد النفطية والزيوت المعدنية. وتستهدف الخطة الأولية الوصول إلى حجم شحنات يبلغ نحو 250 ألف طن شهرياً، تبدأ بشحنة حبوب فورية تقدر بـ 30 ألف طن مع انطلاق العمليات الرسمية.

ويأتي هذا المشروع كركيزة أساسية في استراتيجية موسكو للحفاظ على مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط، لا سيما بعد إلغاء الحكومة السورية الجديدة عقوداً سابقة كانت تمنح شركات روسية حقوقاً طويلة الأمد. وقد برز التوجه نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بشكل أوضح عقب اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في يناير الماضي.

وتشير البيانات الجمركية إلى أن سوريا لا تزال تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الروسية، حيث شكل القمح الروسي والقادم من شبه جزيرة القرم نحو 85% من إجمالي الواردات السورية خلال الموسم الحالي. كما سجلت معدلات استيراد النفط الخام الروسي ارتفاعاً ملحوظاً، مما يعكس حاجة دمشق الماسة لتأمين موارد الطاقة والغذاء عبر حليفها التقليدي.

وتتولى شركة 'روس لاين' السورية تنفيذ المشروع بالتعاون الوثيق مع مجلس الأعمال الروسي السوري، وتحت إشراف مباشر من الصندوق السيادي السوري. ويعكس هذا التعاون رغبة دمشق في الموازنة بين انفتاحها الجديد على الغرب ودول الخليج، وبين الحفاظ على علاقات استراتيجية مع موسكو في قطاعات الطاقة والأمن الغذائي.

ويهدف المشروع أيضاً إلى تدشين خط بحري منتظم يربط ميناء 'نوفوروسيسك' الروسي على البحر الأسود بميناء طرطوس مباشرة. ومن المتوقع أن يتحول طرطوس إلى مركز توزيع رئيسي للبضائع الروسية ليس فقط داخل سوريا، بل لتمتد إلى أسواق الجوار في العراق والأردن وصولاً إلى دول الخليج العربي.

نفوذ روسيا في سوريا يعتمد على ما تقدمه للبلاد، والدور اللوجستي يبقيها حاضرة فعلياً في طرطوس إلى حين حسم مستقبل القواعد العسكرية.

وفي سياق الترتيبات الأمنية، كشفت وثائق مسربة أن حماية الشحنات والمركز ستوكل إلى شركات أمنية سورية خاصة، مع استبعاد تام لمشاركة أي شركات أمنية روسية في هذه المهام. ويبدو أن هذا التوجه يهدف إلى تقليل الحساسيات السياسية المرتبطة بالوجود العسكري الأجنبي المباشر في المنشآت الحيوية السورية.

على الصعيد السياسي، تثير هذه التحركات قلقاً في واشنطن التي تسعى لتقليص الوجود الروسي العسكري والاقتصادي في المنطقة. وقد تحرك الكونغرس الأمريكي مؤخراً لتقييم خيارات الحد من نفوذ موسكو، مع الضغط باتجاه انسحاب القوات الروسية من قاعدتي طرطوس وحميميم العسكريتين.

وأكد مسؤولون في الخارجية الأمريكية أن واشنطن تتابع عن كثب هذه المشاريع اللوجستية، معبرين عن تخوفهم من أن تؤدي هذه المبادرات إلى عرقلة استقرار البلاد على المدى الطويل. وتشجع الولايات المتحدة الحكومة السورية على استقطاب شركاء تجاريين 'موثوقين' والالتزام بمنظومة العقوبات الدولية المفروضة على روسيا.

ويرى محللون أن النفوذ الروسي في سوريا بات يعتمد بشكل متزايد على ما يمكن أن تقدمه موسكو من دعم اقتصادي ودور دبلوماسي في مجلس الأمن الدولي. فبالرغم من تراجع الزخم العسكري، إلا أن السيطرة على مفاصل لوجستية في الموانئ تمنح روسيا أوراق ضغط قوية في أي مفاوضات مستقبلية حول شكل الدولة السورية.

وتجري حالياً مفاوضات معقدة بين دمشق وموسكو لإعادة هيكلة الاتفاقيات العسكرية المتعلقة بقاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية. وتأتي هذه المفاوضات في وقت تحاول فيه الحكومة السورية الجديدة إعادة صياغة سيادتها الوطنية مع الحفاظ على تدفق السلع الأساسية التي توفرها روسيا.

ويبرز اسم لؤي يوسف، رئيس مجلس الأعمال الروسي السوري، كشخصية محورية في تنفيذ هذه الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة. حيث تشير تقارير استخباراتية إلى أن موسكو تعول على الشخصيات الاقتصادية القادرة على بناء جسور مستدامة تتجاوز التغيرات في هرم السلطة السياسية.

ختاماً، يمثل المركز اللوجستي في طرطوس اختباراً حقيقياً لقدرة روسيا على التحول من 'حليف عسكري' إلى 'شريك اقتصادي' لا غنى عنه في سوريا. وفي ظل التنافس الدولي المحموم، يبقى ميناء طرطوس ساحة مفتوحة للصراع على النفوذ بين القوى الكبرى الساعية لرسم ملامح مستقبل الشرق الأوسط.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا