د. مؤيد عفانة: حجم الاقتصاد الفلسطيني تضاعف منذ توقيع بروتوكول باريس وإسرائيل لا تزال تستقبل نحو 18 مليار شيكل سنوياً بما لا يتناسب مع النمو الاقتصادي
ياسين دويكات: الاحتجاجات لإيصال رسالة عاجلة إلى الجهات المختصة بضرورة التدخل لتخفيف آثار الأزمة قبل الدخول بمرحلة أكثر خطورة يصعب تحملها
خالد سراحنة: رفض البنوك استقبال إيداعات الشيكل يعني عملياً عجز أصحاب المحطات عن تسديد قيمة المحروقات ما يهدد استمرار نشاطهم
أيهم أبوغوش: أزمة تكدس الشيكل بخزنات البنوك ليست داخلية والجهود لا بدّ أن تتوجه للضغط على الجانب الإسرائيلي لاستقبال الفائض من العملة
إخلاص طمليه: استمرار الأزمة دون حلول جذرية سيؤدي لزيادة الاعتماد على التعاملات النقدية غير الرسمية بما يوسع الاقتصاد غير المنظم
رام الله – خاص بـ"القدس"-
تتسع المخاوف من تفاقم أزمة تكدس الشيكل في البنوك العاملة في فلسطين، في ظل تحذيرات اقتصادية متزايدة من انعكاساتها على القطاع المصرفي والقطاع الخاص والمواطنين، وسط إجماع على أن جذور الأزمة تتجاوز الجوانب المصرفية والفنية، وترتبط بالقيود الإسرائيلية المفروضة على استقبال فائض العملة الإسرائيلية، بما يهدد بتعميق حالة الركود والضغوط التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني، فيما تدق الاحتجاجات التي شهدتها الضفة الغربية أخيراً، للغرف التجارية والصناعية وأصحاب محطات الوقود تعميق الأزمة.
ويجمعون على أن معالجة الأزمة تتطلب تحركاً سياسياً ودبلوماسياً متزامناً مع إجراءات فنية داخلية، تشمل الحراك من أجل الضغط على إسرائيل لرفع سقف استقبال فائض الشيكل والإفراج عن أموال المقاصة، إلى جانب تسريع التحول إلى وسائل الدفع الإلكتروني، وتقليل الاعتماد على النقد، وإيجاد قنوات مصرفية بديلة، محذرين من أن استمرار الأزمة دون حلول جذرية قد يقود إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتهديد استقرار مختلف القطاعات الاقتصادية.
أزمة "قديمة متجددة"
يؤكد الخبير الاقتصادي د.مؤيد عفانة أن أزمة تكدس الشيكل في البنوك العاملة في فلسطين تمثل أزمة "قديمة متجددة"، لكنها بلغت مستويات أكثر حدة خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة القيود التي تفرضها إسرائيل على استقبال فائض الشيكل من الاقتصاد الفلسطيني، رغم وجود نص واضح في بروتوكول باريس الاقتصادي ينظم هذه العملية، محذراً من أن الأزمة ستبقى مصدر ضغط دائم على الاقتصاد الفلسطيني ما لم تُعالج جذورها السياسية والفنية.
ويوضح عفانة أن بروتوكول باريس، الموقع عام 1994، ينظم العلاقة المالية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، إلا أن حجم الاقتصاد الفلسطيني تضاعف منذ ذلك الحين، بينما لا تزال إسرائيل تستقبل نحو 18 مليار شيكل سنوياً فقط عبر أربع دفعات، وهو رقم لا يتناسب مع النمو الاقتصادي، إذ يقدر الاحتياج الفعلي بنقل ما لا يقل عن 30 مليار شيكل سنوياً إلى البنوك الإسرائيلية، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم فائض دائم من العملة الإسرائيلية داخل السوق الفلسطينية.
أزمة تكدس الشيكل تتضاعف
ويشير عفانة إلى أن الأزمة بلغت مستوى حرجاً مع نهاية الربع الثاني من العام، قبيل تحويل الدفعة الربعية البالغة 4.5 مليارات شيكل، لافتاً إلى أن حجم الشيكل المتكدس في البنوك الفلسطينية يبلغ حالياً نحو 18 مليار شيكل. ويبين عفانة أن هذا الواقع يعيق تغذية حسابات البنوك الفلسطينية لدى البنوك الإسرائيلية، وهي الحسابات المستخدمة لتنفيذ المدفوعات الخاصة بالتبادل التجاري بين الجانبين، كما يفرض على البنوك تكاليف إضافية تشمل التخزين والتأمين والنقل، وخسارة الفرص الاستثمارية، وتكاليف عمليات المبادلة المالية (SWAPS)، ويضعف دور القطاع المصرفي كوسيط مالي، بما يفتح المجال أمام تنامي السوق السوداء والاقتصاد غير الرسمي.
ويرجح عفانة أن تبدأ البنوك الإسرائيلية خلال الشهر الحالي باستقبال الدفعة الربعية، وهو ما سيخفف من حدة الأزمة مؤقتاً، لكنه لن ينهيها، متوقعاً عودة الضغوط بعد فترة قصيرة بسبب استمرار الخلل القائم.
تداعيات ممتدة
ويؤكد عفانة أن تداعيات الأزمة تمتد إلى ثلاثة مستويات رئيسية؛ إذ تتحمل البنوك خسائر ناجمة عن بقاء كتلة نقدية معطلة وارتفاع تكاليف إدارتها، فيما تواجه الشركات والتجار صعوبات في إيداع الشيكل وتمويل عمليات الاستيراد والتبادل التجاري، ما يدفعهم إلى حلول بديلة أكثر كلفة، أما المواطن، فيتأثر بعدم قدرته على إيداع أمواله أو الحصول على العملات الأجنبية بسهولة، الأمر الذي يضطره للجوء إلى محلات الصرافة وتحمل فروقات إضافية في أسعار الصرف، مؤكداً أن جميع هذه التكاليف تنعكس في النهاية على المستهلك، لتزيد الأعباء التي يرزح تحتها الاقتصاد الفلسطيني منذ أكثر من 32 شهراً.
مساران لمعالجة الأزمة
ويرى عفانة أن معالجة الأزمة تتطلب مسارين متوازيين؛ الأول سياسي، عبر تحرك فلسطيني ودولي للضغط على إسرائيل لاستقبال فائض الشيكل، من خلال الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
أما المسار الثاني وفق عفانة، فهو فني، ويتمثل في تفعيل قانون خفض التعامل النقدي، وتسريع التحول الرقمي، وتوفير الحوافز والبنية اللازمة لتعزيز المدفوعات الإلكترونية، إلى جانب إيجاد قنوات إقليمية أو دولية لتصريف فائض الشيكل عبر بنوك ترتبط بعلاقات مصرفية مع إسرائيل.
الاحتجاجات وإيصال رسالة للجهات الرسمية
يؤكد مسؤول مقرر لجنة الضرائب في اتحاد الغرف التجارية والصناعية والزراعية، وعضو مجلس إدارة غرفة نابلس التجارية والصناعية والمتحدث الرسمي باسمها ياسين دويكات أن أزمة تكدس الشيكل وما ترتب عليها من تشديد البنوك إجراءاتها بشأن إيداع العملة ومنح دفاتر الشيكات، ألحقت أضراراً واسعة بالقطاع الخاص والاقتصاد الفلسطيني، موضحاً أن الاحتجاجات التي نفذتها الغرف التجارية والصناعية جاءت لإيصال رسالة عاجلة إلى الجهات الرسمية والقطاع المصرفي بضرورة التدخل لتخفيف آثار الأزمة قبل الدخول بمرحلة أكثر خطورة يصعب تحملها.
ويوضح دويكات أن الأزمة ليست جديدة، بل يجري الحديث عنها منذ نحو عام، إلا أن تداعياتها تصاعدت بصورة غير مسبوقة، ما دفع اتحاد الغرف التجارية إلى الدعوة لوقفات احتجاجية أمام مقرات الغرف في مختلف المحافظات، بعد أن أصابت الأزمة مختلف مكونات القطاع الخاص، وأثرت بشكل مباشر على الدورة الاقتصادية، وحجم الصفقات التجارية، والتبادل التجاري بين التجار.
أزمة تقنين منح دفاتر الشيكات
ويشير دويكات إلى أن تقنين منح دفاتر الشيكات ورفض البنوك استقبال إيداعات الشيكل حال دون قدرة التجار على سداد التزاماتهم المالية، سواء المتعلقة بثمن البضائع أو الالتزامات التجارية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى تراجع واضح في حجم التعاملات التجارية.
ويلفت دويكات إلى أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على التجار، وإنما امتدت إلى الموظفين والعمال والمواطنين، موضحاً أن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد تاريخياً على الشيكات باعتبارها وسيلة الدفع الرئيسية، خاصة في شراء السلع مرتفعة الثمن مثل السيارات والأثاث والأجهزة الكهربائية والشقق السكنية، حيث يقوم نظام البيع في هذه القطاعات على دفعة نقدية أولى يتبعها السداد عبر شيكات آجلة.
ويؤكد أن تقليص إصدار دفاتر الشيكات حرم شريحة واسعة من المواطنين من الشراء بالتقسيط، كما أفقد التجار إحدى أهم أدوات المنافسة في السوق، لأن البيع الآجل المدعوم بالشيكات يعد الوسيلة الأكثر أماناً للبائع والأكثر تشجيعاً للمبيعات.
ويوضح دويكات أن الأزمة انعكست أيضاً على المالية العامة، إذ أصبح عدد كبير من المكلفين غير قادرين على سداد الضرائب المستحقة عليهم بالطريقة المعتادة عبر الشيكات، وهو ما أدى إلى تراجع في الإيرادات الضريبية وزيادة الضغوط على موازنة السلطة الفلسطينية.
ويشدد دويكات على أن اتحاد الغرف التجارية والصناعية طالب الحكومة وسلطة النقد وجمعية البنوك وإدارات المصارف باتخاذ خطوات عملية لتخفيف آثار الأزمة، وفي مقدمتها الاستمرار في قبول إيداعات الشيكل، وتسهيل منح دفاتر الشيكات، معتبراً أن البنوك مطالبة بتحمل جزء من المسؤولية إلى جانب القطاع الخاص، رغم أن السبب الرئيسي للأزمة يتمثل في رفض الجانب الإسرائيلي استقبال فائض الشيكل.
أهمية التحرك الدولي للضغط على إسرائيل
ويؤكد دويكات أن الحل الجذري يتطلب تحركاً دولياً للضغط على إسرائيل من أجل استئناف استقبال فائض الشيكل والإفراج عن أموال المقاصة، معتبراً أن استمرار احتجاز المقاصة ورفض استقبال العملة الإسرائيلية أسهما في تعميق الركود والانكماش الاقتصادي.
ويحذر دويكات من أن الاقتصاد الفلسطيني دخل بالفعل مرحلة أزمة حقيقية، انعكست في انخفاض الصفقات التجارية، وتراجع قدرة تجار الجملة والتجزئة على إتمام عمليات البيع، إضافة إلى الصعوبات المتزايدة في الحصول على الدولار لتمويل الواردات، ما يدفع بعض التجار إلى اللجوء إلى السوق السوداء.
ويشدد دويكات على أن استمرار الأوضاع الحالية دون حلول سريعة قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة يصعب على القطاع الخاص والسلطة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني تحمل تداعياتها.
استنفاد محاولات عدة لمعالجة المشكلة
يؤكد أمين سر نقابة أصحاب محطات الوقود، خالد سراحنة، أن أزمة تكدس الشيكل أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني، مشيراً إلى أنها ليست أزمة جديدة، بل تتواصل منذ نحو عام، فيما جاءت الاحتجاجات الأخيرة بعد استنفاد محاولات عديدة لمعالجة المشكلة عبر الحوار مع سلطة النقد والجهات ذات العلاقة، بهدف تسليط الضوء على الأزمة والمساهمة في إيجاد حلول لها، وليس لتوجيه الاتهامات لأي طرف.
ويوضح سراحنة أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأساسية عن تفاقم الأزمة، باعتباره الطرف الذي يفرض القيود على ترحيل فائض الشيكل، مؤكداً أن سلطة النقد بذلت جهوداً وعقدت اجتماعات متواصلة لمحاولة إيجاد حلول، إلا أن صلاحياتها محدودة أمام هذه القيود، ما جعل مختلف الأطراف تدور في حلقة مفرغة؛ فالبنوك تواجه مشكلة مع سلطة النقد، وسلطة النقد تواجه المشكلة مع الجانب الإسرائيلي، فيما تتحمل القطاعات التجارية نتائج ذلك بصورة مباشرة.
احتجاجات ليست داخلية
ويشير سراحنة إلى أن الوقفات الاحتجاجية التي نظمتها الغرف التجارية لم تكن موجهة ضد الحكومة أو المؤسسات الفلسطينية، وإنما هدفت إلى حشد جميع الشركاء للمشاركة في معالجة الأزمة، مؤكداً أن الحكومة وسلطة النقد وهيئة البترول والبنوك والقطاع الخاص "شركاء في الوطن والهم والحل"، وأن المطلوب هو التعاون لحل المشكلة وليس تبادل الاتهامات.
ويشدد سراحنة على أن الهيئة العامة للبترول كانت ولا تزال تبذل جهوداً متواصلة بالتعاون مع محطات الوقود لإيجاد حلول للمشكلات المرتبطة بالبنوك، وشاركت في العديد من الاجتماعات مع سلطة النقد وجمعية البنوك، كما بادرت إلى منح حافز (بونص) إضافي على مبيعات بطاقات الدفع الإلكتروني، مؤكداً أن جميع الأطراف شركاء في المشكلة، كما أنهم شركاء في إيجاد الحلول.
انعكاس مباشر على عمل محطات الوقود
ويبيّن سراحنة أن الأزمة انعكست بشكل مباشر على عمل محطات الوقود، إذ إن رفض البنوك استقبال إيداعات الشيكل يعني عملياً عجز أصحاب المحطات عن تسديد قيمة المحروقات، ما يهدد استمرار نشاطهم.
ويوضح سراحنة أن اشتراط الإيداع بالدينار أو الدولار يجبر أصحاب المحطات على شراء العملات الأجنبية من السوق، وهو ما يرفع التكاليف ويكبدهم خسائر إضافية، مؤكداً أن البنوك ليست خصماً، بل شريكاً يواجه أزمة حقيقية.
ويرى أن نقل البنوك أعباء أزمتها إلى أصحاب المحطات والتجار الصغار يزيد تعقيد المشهد الاقتصادي، لافتاً إلى أن البنوك تمتلك إمكانات وعلاقات مصرفية أوسع تساعدها على إدارة أزماتها، بينما يعتمد صاحب المحطة بشكل كامل على نشاطه التجاري اليومي، الأمر الذي يجعل أي تعطل في العمليات المصرفية تهديداً مباشراً لاستمرار نشاطها.
الأزمة تمتد لمختلف القطاعات الاقتصادية
ويشير سراحنة إلى أن الأزمة لا تقتصر على قطاع المحروقات، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، في ظل الضائقة المالية التي تعانيها الحكومة، والصعوبات التي تواجهها هيئة البترول في تعاملاتها مع الشركات الإسرائيلية، مؤكداً أن جميع المؤسسات تبذل جهوداً لمعالجة الأزمة، لكنها تحتاج إلى دعم أوسع وإجراءات أكثر فاعلية.
تهديد السلع الأساسية
ويدعو سراحنة إلى تحرك حكومي ودبلوماسي واسع يشمل التواصل مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية والمجتمع الدولي للضغط من أجل معالجة الأزمة، محذراً من أن استمرارها قد يهدد قدرة الفلسطينيين على توفير السلع الأساسية، بما فيها الغذاء والدواء والمحروقات.
ويعرب سراحنة عن أمله في إيجاد مساعٍ سياسية قد تفضي إلى حلول لا تزال غير معلنة، لكنه يحذر من أنه في حال استمرار الأزمة دون انفراج، فإن كثيراً من التجار قد يعجزون عن مواصلة أعمالهم.
ويشير سراحنة إلى أن بعض المؤسسات والمحال التجارية أغلقت بالفعل وسلمت مفاتيحها للغرف التجارية، بعدما أصبحت الخسائر المتراكمة تفوق قدرتها على الاستمرار.
سياسة إسرائيلية ممنهجة
يرى الخبير والمحلل الاقتصادي د.ثابت أبو الروس أن أزمة تكدس الشيكل في السوق الفلسطينية لا تمثل أزمة مصرفية أو فنية مرتبطة باتفاقية باريس الاقتصادية، وإنما تعكس سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف خنق الاقتصاد الفلسطيني وإضعاف مقوماته الأساسية.
ويحذر أبو الروس من أن استمرار الأزمة سيدفع الأوضاع الاقتصادية نحو مزيد من التدهور، لافتاً إلى تطور الأزمة بتنفيذ احتجاجات لمحطات الوقود والغرف التجارية في الضفة الغربية.
وبحسب أبو الروس، فإن إسرائيل أعلنت أكثر من مرة أنها تخوض حرباً اقتصادية ضد الاقتصاد الفلسطيني، معتبراً أن أزمة تكدس الشيكل تأتي في هذا السياق، خاصة أنها تضرب القطاع الخاص الذي يشكل "صمام الأمان الأخير" للاقتصاد الفلسطيني.
ويوضح أبو الروس أن الاقتصاد الفلسطيني لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على الجانب الإسرائيلي، إذ تتراوح نسبة التبادل التجاري الشهري معه بين 57 و63%، إضافة إلى الاعتماد على إسرائيل في الكهرباء والغاز والمحروقات، فضلاً عن مرور الواردات الفلسطينية عبر الموانئ الإسرائيلية.
إجراءات مختلفة
ويشير أبو الروس إلى أن ما يجري حالياً يختلف عما كان معمولاً به قبل السابع من أكتوبر 2023، إذ كانت اتفاقية باريس تتيح نقل نحو 18 مليار شيكل إلى الجانب الإسرائيلي، مع إمكانية زيادة هذا السقف، بينما باتت إسرائيل حالياً تمتنع عن استقبال حتى القيمة المتفق عليها، ما يؤكد، برأيه، أن الدوافع سياسية وليست اقتصادية.
ويحذر أبو الروس من أن استمرار الأزمة ستكون له تداعيات واسعة، موضحاً أن البنوك الفلسطينية باتت ترفض استقبال المزيد من الشيكل، في وقت لم تعد وثائق التأمين تغطي حجم السيولة النقدية المتراكمة، لافتاً إلى أن القدرة الاستيعابية للجهاز المصرفي تتراوح بين ستة وسبعة مليارات شيكل، بينما تبلغ الكتلة النقدية الموجودة حالياً نحو 17 مليار شيكل. ويوضح أبو الروس أن التجار أصبحوا يواجهون صعوبات في تحويل أثمان البضائع للموردين الإسرائيليين، الأمر الذي يهدد سلاسل الإمداد ويؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي، مع آثار قد تمتد لسنوات.
ويؤكد أبو الروس أن تداعيات الأزمة تمتد من مؤسسات السلطة الفلسطينية حتى المواطنين، موضحاً أن توقف البنوك الإسرائيلية عن التعامل مع السلطة، وفق التصريحات الإسرائيلية في شهر سبتمبر / أيلول المقبل، قد يهدد مسار تحويل أموال المقاصة، كما سيرفع كلفة الاستيراد ويعرقل حصول القطاعات التجارية والصناعية على مدخلات الإنتاج، في حين سينعكس ضعف قدرة البنوك على تلبية احتياجات السوق سلباً على القطاع المصرفي وربحيته، وعلى المواطنين بصورة مباشرة.
ويدعو أبو الروس إلى تحرك فلسطيني عاجل على المستويين السياسي والدبلوماسي لإثارة القضية أمام المحافل الدولية، إلى جانب العمل تدريجياً على تقليل الاعتماد على الشيكل من خلال توسيع استخدام الدينار الأردني والدولار، وتعزيز وسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية وبطاقات الدفع، إضافة إلى إيجاد ترتيبات مؤقتة للتبادلات المالية بين التجار، بما يخفف من حدة الأزمة إلى حين إيجاد حلول أكثر استدامة.
محاولة ضرب الاقتصاد الفلسطيني
يقول الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبوغوش: "إن أزمة تكدس الشيكل في خزنات البنوك العاملة في فلسطين مستمرة ومستفحلة، ويتحمل مسؤوليتها الاحتلال الإسرائيلي الذي يستخدم هذه القضية ضمن الأدوات المختلفة لضرب الاقتصاد الفلسطيني بموازاة أدوات أخرى مثل التهديد بقطع العلاقة المصرفية أو احتجاز أموال المقاصة أو منع العمال من العمل داخل الخط الأخضر، لذلك فإن هذه المشكلة تضغط على الاقتصاد الفلسطيني سواء القطاعات التجارية أو الاقتصادية أو حتى الأفراد، إضافة إلى أنها تضغط بشكل كبير على البنوك العاملة في فلسطين، فالكل الفلسطيني يدفع ثمن هذه الأزمة المتفاقة".
ويؤكد أبوغوش أن استمرار هذه المشكلة يكون لها تداعيات خطيرة على الاقتصاد الفلسطيني، كون أن الأموال المتكدسة في خزنات البنوك بعملة الشيكل تصبح خارج النظام المصرفي، بمعنى لا يمكن استثمارها أو اقراضها أو تسديد الموردين الإسرائيليين منها، ولذك نجد أن البنوك تميل إلى سياسة الحد من سقف الإيداعات بعملة الشيكل ليس رغبة منها، بل لأن الواقع يفرض عليها ذلك، وبالطبع، فإن القطاعات الاقتصادية والتجارية المختلفة محقة في احتجاجاتها للوضع القائم، فالمصالح تتضرر، والتسويات المالية تتأخر، والعجلة الاقتصادية تعود إلى الوراء.
وبحسب أبو غوش، فإنه لذلك لا مخرج لهذه الأزمة إلا بالضغط على الجانب الإسرائيلي لحل المشاكل الاقتصادية التي تعكس أبعادا سياسية خطيرة ومنها هذه المشكلة، وذلك برفع سقف حجم الأموال التي يستقبلها البنك المركزي الإسرائيلي من قرابة(18) مليار شيكل سنوياً إلى قرابة(30) مليار شيكل سنوياً، إضافة إلى العمل فلسطينياً على تسريع عمليات تطبيق قانون الحد من استخدام (الكاش) الذي تم إقراره مؤخراً، إضافة إلى تعزيز عمليات الرقابة المالية ومكافحة غسيل الأموال، كذلك يمكن التفكير بطرق خارج الصندوق كما طرحت جهات رسمية، وذلك بأن تقوم دولة ثالثة لها علاقات تجارية مع إسرائيل باسيعاب الفائض من عملة الشيكل، مقابل تحويل عملة صعبة للجانب الفلسطيني.
ويشير أبو غوش إلى أن الأزمة متعلقة بالعلاقة مع الجانب الإسرائيلي، ولذلك فإن أي احتجاجات توجه للقطاع المصرفي الفلسطيني ليست في محلها، بل يجب أن تتضافر الجهود لممارسة الضغط على الجانب الإسرائيلي لاستيعاب الفائض من العملة كونه الجهة المصدر لها.
أزمة اقتصادية هيكلية
تؤكد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن أزمة تكدس الشيكل في البنوك العاملة في فلسطين لم تعد مجرد مشكلة مصرفية، وإنما تحولت إلى أزمة اقتصادية هيكلية تعكس القيود المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني، ولا سيما القيود الإسرائيلية على القطاعين المالي والنقدي.
وتوضح طمليه أن جوهر الأزمة يتمثل في استمرار القيود المفروضة على سقوف شحن فائض الشيكل من البنوك الفلسطينية إلى البنوك الإسرائيلية المتعاقدة معها، الأمر الذي أدى إلى تراكم كميات كبيرة من العملة داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني بما يتجاوز احتياجاته التشغيلية اليومية.
حالة من الاختناق المالي
وتشير طمليه إلى أن هذا التراكم خلق حالة من الاختناق المالي، وحوّل فائض الشيكل إلى عبء حقيقي على البنوك، نتيجة صعوبة استثماره أو إعادة تدويره بصورة طبيعية، كما أن البنوك تتحمل في الوقت ذاته خسائر مالية متزايدة بسبب تجميد هذه السيولة، فضلاً عن تكاليف التأمين والتخزين المرتبطة بها.
وتوضح طمليه أن الأزمة تجاوزت حدود القطاع المصرفي، بعدما استنفدت البنوك الفلسطينية قدرتها على تنفيذ عمليات تبادل العملات الأجنبية المعروفة بـ(Swap)، ما حدّ من قدرتها على تمويل العمليات التجارية وضمان استيراد السلع الأساسية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي وعلى حياة المواطنين، خاصة فيما يتعلق بتوفير الغذاء والوقود والسلع الأساسية.
تقييد حركة السوق المحلية
وتلفت طمليه إلى أن خطورة الأزمة تتفاقم مع استمرار ارتفاع حجم الشيكل المتكدس، والذي بلغ، وفق آخر إعلان، نحو 17 مليار شيكل، معتبرة أن هذا الواقع يفرض ضغوطاً كبيرة على البنوك والتجار والمودعين والمستوردين، ويؤدي إلى تقييد حركة السوق المحلية، ويغذي حالة الاحتجاج والضغط التي يشهدها الاقتصاد الفلسطيني.
وتحذر طمليه من أن استمرار الأزمة دون حلول جذرية سيؤدي إلى توتر أكبر في الأسواق، وتراجع الثقة بالنظام المصرفي، وزيادة الاعتماد على التعاملات النقدية خارج الإطار الرسمي، بما يوسع الاقتصاد غير المنظم ويضعف قدرة الجهاز المصرفي على أداء دوره الأساسي في تمويل النشاط الاقتصادي المحلي.
جذور سياسية واقتصادية للأزمة
وترى طمليه أن معالجة الأزمة تتطلب حلولاً متعددة المستويات، لأن جذورها سياسية واقتصادية وليست مصرفية فقط، داعية إلى تحرك دبلوماسي وسياسي مكثف تشارك فيه الأطراف الضامنة لاتفاق وبروتوكول باريس الاقتصادي، بهدف ضمان الالتزام بالاتفاقيات المالية، والسماح بزيادة سقوف شحن فائض الشيكل بصورة منتظمة ودون قيود، مع وجود جهة ضامنة لتنفيذ هذه الالتزامات.
إجراءات لا بدّ منها
وتدعو طمليه إلى توحيد الجهود بين سلطة النقد الفلسطينية والحكومة والقطاع الخاص من خلال مجلس تنسيقي موحد لإدارة السيولة والأزمة بكفاءة أكبر، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات المصرفية للتجار والمواطنين دون تحميلهم أعباء إضافية.
وتؤكد طمليه أهمية توسيع استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني، وإقرار سياسات تحفيزية تقلل الاعتماد على النقد الورقي، إلى جانب تبني رؤية اقتصادية استراتيجية طويلة المدى تستهدف تقليص التبعية البنيوية للاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، وتعزيز استقلاليته وتنويع قنوات الاستيراد خارج بنية المعابر الإسرائيلية.
المصدر:
القدس