كشفت مصادر إعلامية أمريكية عن تفاصيل مكالمة هاتفية متوترة جرت بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث وجه الأول توبيخاً لاذعاً للأخير على خلفية تعثّر مفاوضات قطاع غزة. وأفادت التقارير بأن ترامب أعرب عن إحباطه الشديد من سياسات نتنياهو التي اعتبرها معرقلة للجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق ينهي التصعيد العسكري.
ووفقاً لما ورد في كتاب جديد للصحافيين ماغي هابرمان وجوناثان سوان، فإن ترامب قال لنتنياهو بوضوح: 'جميع اليهود سئموا منك'. وجاء هذا التصريح خلال اتصال جرى في سبتمبر الماضي، في وقت كانت فيه واشنطن تضغط بقوة لإنجاز صفقة تبادل للأسرى ووقف إطلاق النار في القطاع المحاصر.
وأشارت المصادر إلى أن ترامب لم يكتفِ بالتوبيخ العام، بل حدد بالذكر الشخصيات اليهودية الحاضرة معه في المكالمة، وهما صهره وجاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف. وأكد ترامب لنتنياهو أن حتى هؤلاء المقربين منه والمنخرطين في دعم إسرائيل قد نفد صبرهم تجاه تصرفاته والمماطلة المستمرة في ملف غزة.
خلال المكالمة، استعرض ترامب قائمة طويلة من القرارات التاريخية والمثيرة للجدل التي اتخذها خلال سنوات حكمه لتعزيز أمن إسرائيل وحماية نتنياهو سياسياً. وبدا ترامب غاضباً من عدم رد الجميل من خلال التعاون في ملف السلام، مطالباً نتنياهو بالمضي قدماً في الاتفاق دون مزيد من الأعذار.
وصفت الصحافية ماغي هابرمان هذه المكالمة بأنها 'لحظة استثنائية' كشفت عن عمق الشرخ في العلاقة بين الرجلين. وأوضحت أن هذا التوتر مهد الطريق للتعامل الحالي بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو، خاصة مع تزايد الإحباط داخل البيت الأبيض من القرارات الإسرائيلية المفاجئة.
ومن بين النقاط التي أثارت غضب واشنطن، قيام إسرائيل بشن ضربة عسكرية في العاصمة القطرية الدوحة استهدفت وفداً من حركة حماس. ووقعت هذه الضربة في وقت كانت فيه الولايات المتحدة وقطر تبذلان جهوداً مضنية للتفاوض على مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار، مما اعتبره المسؤولون الأمريكيون طعنة في ظهر الوساطة.
الهجوم الذي وقع في سبتمبر 2025 أدى إلى إدانات دولية واسعة، حيث اعتبرته قطر انتهاكاً لسيادتها وعرقلة متعمدة لجهود السلام. ورأت إدارة ترامب أن هذا التصرف الإسرائيلي يعكس عدم رغبة حقيقية من جانب نتنياهو في إنهاء الحرب، ويفضل بدلاً من ذلك الاستمرار في التصعيد العسكري لأهداف سياسية شخصية.
ولم تكن هذه الحادثة هي الوحيدة، إذ تشير التقارير إلى توبيخ آخر وجهه ترامب لنتنياهو في يونيو 2026 بسبب التصعيد العسكري في لبنان. وحذر ترامب نتنياهو من أن تحركاته العسكرية تقوض المسارات الدبلوماسية الأوسع في المنطقة، بما في ذلك المفاوضات الجارية مع أطراف إقليمية أخرى.
وفي لحظة مكاشفة حادة، قال ترامب لنتنياهو في اتصال هاتفي: 'لولاي لكنت الآن في السجن'، في إشارة واضحة إلى الدعم السياسي والقانوني الذي وفره له. وتعكس هذه الجملة مدى إدراك ترامب للأزمات القانونية التي تلاحق نتنياهو داخل إسرائيل وخارجها، ومحاولته استخدامها كورقة ضغط.
يواجه نتنياهو ضغوطاً قانونية هائلة، حيث يحاكم في إسرائيل بتهم تتعلق بالرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة في ثلاثة ملفات منفصلة. وتأتي هذه المحاكمات في وقت حساس جداً من مسيرته السياسية، حيث يسعى للحفاظ على ائتلافه الحكومي اليميني المتطرف بأي ثمن.
وعلى الصعيد الدولي، تلاحق المحكمة الجنائية الدولية نتنياهو منذ عام 2024 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. هذا الوضع القانوني المعقد جعله منبوذاً في العديد من العواصم الدولية، وزاد من اعتماده على الدعم الأمريكي الذي بدأ يهتز مؤخراً.
المصادر أكدت أن جاريد كوشنر وستيف ويتكوف كانا يشعران بإحباط مماثل لإحباط ترامب، رغم كونهما من أقوى المدافعين عن المصالح الإسرائيلية. ويرى هؤلاء المسؤولون أن تعنت نتنياهو يضر بصورة إسرائيل العالمية ويجعل من الصعب الاستمرار في الدفاع عن سياساتها أمام المجتمع الدولي.
تأتي هذه التسريبات لتسلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين الخطاب العلني الذي يظهر تحالفاً متيناً، وبين الكواليس التي تعج بالخلافات والاتهامات المتبادلة. ويبدو أن العلاقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، حيث يرى ترامب في نتنياهو عبئاً سياسياً أكثر منه شريكاً استراتيجياً.
ختاماً، فإن هذه التفاصيل تعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في حال استمرار ترامب في السلطة أو عودته إليها. فالتوبيخ المتكرر واللغة القاسية المستخدمة تشير إلى أن الصبر الأمريكي تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية قد وصل إلى حدوده الدنيا، مما قد يفتح الباب أمام تغييرات جوهرية في طبيعة الدعم المقدم لتل أبيب.
المصدر:
القدس