يقف الأب عبد الله يوليو، بصوته الوطني العابر للتقسيمات الطائفية، شاهداً على تجذر الهوية المسيحية في الأرض الفلسطينية. ويرى يوليو أن المسيحيين في فلسطين هم الورثة الشرعيون للنصارى العرب الذين دافعوا عن المنطقة منذ فجر التاريخ، مؤكداً أن الكنيسة المحلية تنطق وتصلي بالعربية وتعتبر القضية الفلسطينية بوصلتها الروحية والوجودية.
ويحذر يوليو من مشروع إسرائيلي يسعى لتفتيت النسيج المجتمعي عبر إثارة الفتن الطائفية وتصوير المسيحيين كأقلية مضطهدة تمهيداً لتهجيرهم. ويشير إلى أن سياسات العزل الاجتماعي الناعمة، التي تفصل بين الجيران عبر مؤسسات طائفية، تهدف إلى كسر وحدة المصير التي تجلت في تضحيات شخصيات وطنية مثل المطران هيلاريون كبوتشي والشهيدة شيرين أبو عاقلة.
من جانبه، يؤكد حسن خاطر، رئيس مركز القدس الدولي أن الاعتداءات على المقدسات المسيحية تتبع ذات المنهجية المتبعة ضد المقدسات الإسلامية. وأوضح أن الاحتلال استهدف أكثر من 500 قرية مدمرة خلال النكبة، وسجلت المصادر أكثر من 120 اعتداءً موثقاً على الكنائس والأديرة شملت الحرق والسرقة والنهب منذ عام 1948.
وتعد مصادرة ممتلكات الكنائس وأراضيها الواسعة من أخطر أدوات الصراع، حيث تتعرض أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية التي تقدر بـ 80 ألف دونم لعمليات احتيال وتزوير. ويصف خاطر هذه العمليات بأنها محاولات ممنهجة لتفريغ الأرض من أصحابها، معتبراً أن بقاء الحجر دون البشر هو أكبر عدوان على الوجود المسيحي الأصيل.
ويربط الخبراء بين النهب الممنهج للأرض وبين التراجع الديموغرافي الحاد للمسيحيين في فلسطين التاريخية. فبعد أن كانت نسبتهم تتراوح بين 11% و14% قبل عام 1948، تراجعت اليوم لتصل إلى أقل من 1%، وهو ما يعكس نجاح سياسات التضييق والتهجير القسري التي يمارسها الاحتلال طوال ثمانية عقود.
وتتنوع أشكال الانتهاكات اليومية في القدس المحتلة، حيث يتعرض رجال الدين لعمليات البصق والرشق بالبيض والضرب من قبل المستوطنين. وتتم هذه الاعتداءات تحت غطاء سياسات منظمة لدولة الاحتلال التي تسعى لفرض طابع يهودي خالص على المدينة المقدسة، متجاهلة الحقوق التاريخية للمسلمين والمسيحيين على حد سواء.
وفي سياق متصل، يرى عمر عوض الله، عضو اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس أن إسرائيل تسعى لتحويل الصراع من طابعه السياسي الوطني إلى صراع ديني محصور. ويؤكد أن استهداف المسيحيين يندرج ضمن مشروع الإبادة أو التهجير القسري، مشدداً على أن المسيحيين هم "الحجارة الحية" التي تحمي الهوية الفلسطينية من التزوير.
ووثقت اللجنة الرئاسية اعتداءات صارخة شملت استهداف الراهبات بسبب لباسهن الديني، والتغول على الأراضي في بيت لحم وبيت جالا وسلوان. وتعمل اللجنة على المستوى الدولي لشرح واقع الاضطهاد الذي يعيشه المسيحي الفلسطيني، مؤكدة أن المعاناة لا تفرق بين مواطن وآخر بناءً على معتقده الديني.
وتخوض المؤسسات الفلسطينية معركة فكرية ضد تيار "المسيحية الصهيونية" الذي يحاول تحريف العقيدة المسيحية لخدمة أهداف الاحتلال. ويشدد المسؤولون على أن هذا التيار غريب عن قيم المسيحية المشرقية التي تدعو للعدل والسلام، ولا يمت بصلة لتعاليم السيد المسيح التي يؤمن بها أبناء الكنائس الوطنية.
الأرقام الإحصائية تعكس واقعاً مأساوياً، حيث تراجع عدد المسيحيين في الضفة وغزة والقدس إلى نحو 47 ألف نسمة فقط وفق تعداد عام 2017. ويتركز الثقل السكاني المسيحي حالياً في محافظة بيت لحم، تليها رام الله والقدس الشرقية، بينما يواجه الوجود المسيحي في قطاع غزة خطر الاندثار الكامل بسبب حرب الإبادة المستمرة.
خلال الحرب الأخيرة على غزة، لم تسلم الكنائس من القصف المباشر، حيث استهدف الاحتلال الكنيسة المعمدانية وكنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية. وأسفرت هذه الهجمات عن استشهاد العشرات من المدنيين الذين لجأوا إلى بيوت الله طلباً للأمان، مما يثبت أن آلة الحرب الإسرائيلية لا تقيم وزناً لحرمة الأماكن المقدسة.
وفي حادثة مأساوية داخل كنيسة العائلة المقدسة اللاتينية، قتل قناص إسرائيلي أماً وابنتها بدم بارد، في جريمة هزت الأوساط الكنسية الدولية. وتكرر القصف على ذات الكنيسة في تموز 2024، مما أدى لسقوط مزيد من الضحايا والجرحى بين صفوف النازحين والكاهن المسؤول عن الرعية، وسط مطالبات دولية بالتحقيق.
أما في الضفة الغربية، فإن اعتداءات المستوطنين باتت خبراً يومياً يطال المقابر والأديرة في البلدات المسيحية مثل الطيبة وبيت جالا. وتتزامن هذه الاعتداءات مع محاولات قانونية وقسرية للاستيلاء على عقارات تاريخية في قلب القدس القديمة، تهدف لتغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمدينة لصالح المستوطنين.
ختاماً، يبقى الصمود المسيحي في فلسطين جزءاً لا يتجزأ من الصمود الوطني الشامل في وجه الاحتلال. ورغم تراجع الأعداد وضغوط التهجير، تصر الكنائس الوطنية على البقاء كحارس للتاريخ والهوية، مؤكدة أن وحدة المصير بين أبناء الشعب الواحد هي الضمانة الوحيدة لمواجهة مشاريع التصفية والتهجير.
المصدر:
القدس