آخر الأخبار

قصة الطفل راتب أبو قليق: طرف صناعي من مواسير البلاستيك في غز

شارك

تختصر ملامح الطفل راتب أبو قليق، ابن العشر سنوات، حكاية جيل فلسطيني كامل تمزقت أحلامه قبل أجساده تحت وطأة الحرب المستمرة. راتب الذي كان يسكن مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، لم يكن يدرك أن رحلة النزوح القسري نحو الجنوب ستسلبه أغلى ما يملك، حيث باغتت غارة للاحتلال عائلته أثناء توجههم إلى خان يونس الشهر الماضي، محولةً طريقهم إلى ساحة من الدماء والركام.

استيقظ الصغير في المستشفى ليواجه واقعاً مريراً، فقد علم باستشهاد والدته مريم وشقيقه الأصغر حميد، بينما كان جسده الغض يصارع للبقاء بعد إصابات بليغة. خضع راتب لخمس عمليات جراحية معقدة شملت تدخلات في الكبد والأمعاء والمعدة، وانتهت بقرار الأطباء بتر ساقه لإنقاذ حياته، ليجد نفسه نازحاً في دير البلح، يراقب العالم من فراش العجز واليتم.

أمام غياب الأطراف الصناعية والحصار الطبي الخانق المفروض على القطاع، لم تستسلم عائلة راتب لليأس، بل بادر ابن عمه أحمد بمساعدة الأقارب لابتكار حل بديل. قاموا باستصلاح ماسورة مياه بلاستيكية من مخلفات الصرف الصحي، وعملوا على تنظيفها وقصها وتجهيزها لتكون طرفاً صناعياً بدائياً، في محاولة لانتشال الطفل من حالة الركود ومنحه فرصة الوقوف مجدداً.

كلما نظر راتب إلى رفاقه وهم يركضون، تمزق قلبه شوقاً لأمه وأخيه، لكنه ينهض مجدداً محاولاً الوقوف على ساقه البلاستيكية.

رغم أن هذه الساق البلاستيكية تسببت في سقوطه المتكرر على الأرض، إلا أن ملامح البهجة كانت تظهر على وجه راتب في كل مرة ينجح فيها بالوقوف. هذه المحاولات لم تكن مجرد حركة فيزيائية، بل كانت إعلاناً عن إرادة طفل يرفض الانكسار أمام آلة الحرب، ويحاول التشبث بما تبقى من طفولته وسط ظروف معيشية وصحية مأساوية في مراكز النزوح.

تتجلى غصة القلب حين يحاول راتب مشاركة أصدقائه لعب كرة القدم، حيث يخذله الطرف البدائي كلما حاول ركل الكرة بقوة، ليسقط أرضاً وسط صمت حزين. يراقب رفاقه وهم يركضون ويسجلون الأهداف في ملاعب النزوح الترابية، بينما يظل هو أسيراً لحلم بسيط يتمثل في الحصول على طرف صناعي حقيقي يعيده إلى صفوف اللاعبين كما كان قبل الإصابة.

تمثل صرخة راتب أبو قليق نداءً إنسانياً يبرز معاناة آلاف الجرحى في قطاع غزة الذين يفتقرون لأدنى مقومات التأهيل الطبي. إن حلمه بالركض مجدداً ليس مجرد رغبة رياضية، بل هو محاولة لطرده صور القصف والدمار من ذاكرته، واستعادة جزء من حياته التي سلبها الاحتلال، منتظراً يوماً يتمكن فيه من ملاحقة الكرة دون أن تخونه ساقه البلاستيكية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا