يواجه الوضع التاريخي والقانوني في مدينة الخليل منعطفاً خطيراً عقب قرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش القاضي بسحب صلاحيات بلدية الخليل. ويهدف هذا الإجراء إلى تغيير قواعد الاشتباك السياسي والمدني في قلب المدينة، مما يفتح الباب أمام معركة سيادة جديدة تستهدف الهوية الدينية والتاريخية للمنطقة.
وأفادت مصادر بأن هذا التحرك لا يقتصر تأثيره على التجمعات الاستيطانية القائمة فحسب، بل يمتد ليشمل المواقع الأثرية والدينية البارزة وفي مقدمتها الحرم الإبراهيمي الشريف. وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولات فرض واقع جديد يتجاوز التفاهمات التي حكمت المدينة منذ عقود طويلة.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى اتفاقية الخليل الموقعة قبل نحو ثلاثة عقود بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة الاحتلال، حيث كانت الخليل المدينة الوحيدة التي لم تشهد انسحاباً كاملاً عقب اتفاق أوسلو. وقد أرست تلك الاتفاقية قواعد خاصة لإدارة المدينة المقسمة بين سيطرة فلسطينية وأخرى إسرائيلية.
وبموجب الاتفاقية التاريخية، قُسمت المدينة إلى منطقتين؛ الأولى (إتش 1) وتغطي 80% من المساحة وتخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، والثانية (إتش 2) وتشمل البلدة القديمة. ورغم بقاء المنطقة الثانية تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، إلا أن صلاحيات التخطيط والبناء والإدارة المدنية ظلت بيد بلدية الخليل الفلسطينية.
ويسعى قرار سموتريتش الأخير إلى تقويض هذه الصلاحيات المدنية بشكل كامل، مما اعتبره مراقبون انقلاباً صريحاً على بنود الاتفاقية الموقعة. ويهدف الاحتلال من خلال هذه الخطوة إلى إحكام قبضته على المركز التاريخي للمدينة وتهميش الدور المؤسساتي الفلسطيني فيها.
وفي الداخل الإسرائيلي، أثار القرار موجة من التباين، حيث حاولت وزارة الخارجية التخفيف من وطأة الإجراء بنفي إلغاء الاتفاقية بشكل رسمي. وادعت الخارجية أن التغييرات تتعلق بصلاحيات فنية محددة، في محاولة لتجنب الضغوط الدولية المترتبة على خرق الاتفاقيات الموقعة.
وعلى الجانب الفلسطيني، سادت حالة من الغضب الشعبي والرسمي، حيث أدانت الرئاسة والفصائل الفلسطينية هذا التغول الاستيطاني الجديد. وأكد رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، رفض البلدية القاطع لهذه القرارات، مشدداً على التمسك بالحقوق الفلسطينية في إدارة الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة.
يُذكر أن سلطات الاحتلال كانت قد بدأت خطواتها التمهيدية في فبراير الماضي عبر منح شرعية قانونية للجنة استيطانية محلية في قلب الخليل. وتهدف هذه السياسة المتدرجة إلى إحالة كافة الصلاحيات الخدمية والإدارية للمستوطنين، مما يهدد بإفراغ الوجود الفلسطيني من محتواه القانوني والسيادي في المدينة.
المصدر:
القدس