آخر الأخبار

توسع السيطرة الإسرائيلية في غزة والضفة ولبنان وسوريا 2026

شارك

تشهد الأراضي العربية المحيطة بفلسطين المحتلة زحفاً عسكرياً واستيطانياً إسرائيلياً متسارعاً، يتجاوز حدود السيطرة التقليدية عبر استراتيجيات تتنوع بين الخطوط العسكرية المؤقتة ونقاط التمركز الثابتة. وتكشف التقارير الحديثة عن تحركات ممنهجة لتقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، حيث تتحول الطرق اللوجستية والسواتر الترابية إلى حدود جغرافية جديدة تفرض أمراً واقعاً على الأرض.

في قطاع غزة، تحول ما يُعرف بـ 'الخط الأصفر' من ترتيب مؤقت عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 إلى حاجز مادي يقسم القطاع بشكل طولي. وتشير تحليلات الأقمار الصناعية إلى أن إسرائيل باتت تسيطر فعلياً على مساحة تتراوح بين 54% و60% من مساحة القطاع، مع صدور توجيهات سياسية لتوسيع هذه النسبة لتصل إلى 70% عبر عمليات هدم وتجريف واسعة.

وتظهر الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية توغل الكتل الخرسانية الصفراء بعمق يصل إلى 940 متراً داخل أراضي القطاع، خاصة في مناطق رفح وخان يونس والشجاعية. وقد شيدت قوات الاحتلال 48 موقعاً عسكرياً متصلاً بشبكة طرق لوجستية معقدة، شملت تحديث قواعد عسكرية في جباليا وتدشين مناطق عازلة بعمق 300 متر خلف الخطوط المعلنة.

أما في الجبهة الشمالية، فقد اعتمدت إسرائيل نموذجاً مشابهاً عبر ما أسمته 'منطقة خط الدفاع الأمامي' داخل جنوب لبنان، والتي تمتد من الناقورة غرباً وصولاً إلى مزارع شبعا شرقاً. وباتت مصادر ميدانية تؤكد أن التحركات العسكرية تجاوزت هذا الخط لتصل إلى مناطق النبطية ومحيط نهر الليطاني، حيث أعلن الجيش سيطرته على قلعة الشقيف الاستراتيجية لأول مرة منذ عام 2000.

وتشير البيانات الرسمية اللبنانية إلى حجم الدمار الهائل الذي خلفته العمليات الإسرائيلية، حيث نُفذت آلاف الضربات الجوية ومئات عمليات التفجير الممنهجة للمباني السكنية. هذا النمط من التدمير يهدف، بحسب مراقبين، إلى خلق منطقة جغرافية خالية من السكان تضمن سيطرة أمنية طويلة الأمد تتجاوز مفهوم العمليات العسكرية العابرة.

وفي الضفة الغربية، يتمدد الاستيطان كـ 'ورم' جغرافي مدعوم بتمويل حكومي ضخم يتجاوز 350 مليون دولار لإنشاء 61 مستوطنة جديدة بحكم الأمر الواقع. وتركز هذه الخطة على مناطق حساسة في غور الأردن وتلال جنوب الخليل، بهدف خلق استمرارية جغرافية بين المستوطنات القائمة وعزل التجمعات الفلسطينية في جيوب مقطعة الأوصال.

وتبرز مدينة جنين كنموذج صارخ لهذا التحول، حيث أقام الجيش الإسرائيلي موقعاً عسكرياً دائماً قرب مخيمها، في سابقة هي الأولى من نوعها داخل المناطق المصنفة 'أ'. وتترافق هذه الخطوة مع أوامر مصادرة عسكرية لأراضٍ في حي الجابريات، مما يشير إلى نية واضحة لتحويل الوجود العسكري المؤقت إلى قواعد دائمة تسيطر على المرتفعات المطلة على المدينة.

الاحتلال يتحرك في اتجاه واحد نحو تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين والعرب، عبر تثبيت مناطق نفوذ تتحول تدريجياً من إجراءات عسكرية مؤقتة إلى واقع استيطاني دائم.

وتكشف التقارير الحقوقية عن استخدام 'أوامر المصادرة العسكرية' كأداة قانونية لتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وشق طرق التفافية تربطها بالعمق الإسرائيلي. وقد تم توثيق أكثر من 140 أمر مصادرة عسكرياً خلال العامين الماضيين، وُظفت غالبيتها الساحقة لخدمة المشاريع الاستيطانية وتحويل القواعد المهجورة إلى مستوطنات مدنية مأهولة.

وفي القدس المحتلة، تجري عمليات 'ضم صامت' عبر دفع خطط لبناء أكثر من 33 ألف وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية، تستهدف أحياء الشيخ جراح وسلوان وبطن الهوى. وتهدف هذه المشاريع، مثل مشروع 'E1'، إلى عزل مدينة القدس تماماً عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، وتحويل الأحياء العربية إلى جزر معزولة وسط محيط استيطاني.

وتستخدم سلطات الاحتلال في القدس أدوات متعددة تشمل هدم المنازل، وإخلاء العائلات، ونقل الحواجز العسكرية إلى عمق الضفة الغربية لتغيير الحدود البلدية للمدينة. وقد رصدت منظمات حقوقية هدم عشرات المنازل في حي البستان وصور باهر، بالتزامن مع تخصيص ميزانيات ضخمة لحماية المستوطنين الذين يتم زرعهم داخل الأحياء الفلسطينية المكتظة.

وعلى الجبهة السورية، استغلت القوات الإسرائيلية التغيرات الميدانية لتعزيز حضورها العسكري وراء خط فض الاشتباك لعام 1974، خاصة في محيط جبل الشيخ وريف القنيطرة. وتنفذ دوريات الاحتلال توغلات دورية في قرى حوض اليرموك وريف درعا الغربي، حيث تقيم حواجز مؤقتة وتقوم بعمليات تفتيش واعتقال تطال المواطنين السوريين في تلك المناطق.

وتشير التقارير الواردة من القنيطرة إلى أن التوغلات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على المراقبة، بل شملت السيطرة على مزارع وقرى مثل 'أبو مذراة' و'العشة'. هذا التمدد العسكري غير المعلن يهدف إلى خلق منطقة نفوذ أمنية تضمن لإسرائيل حرية الحركة والتدخل السريع في العمق السوري بعيداً عن الاتفاقيات الدولية السابقة.

إن هذه التحركات المتزامنة على مختلف الجبهات تعكس استراتيجية إسرائيلية شاملة لإعادة رسم خارطة المنطقة بما يخدم مصالحها الأمنية والديموغرافية. فمن خلال تحويل 'الخطوط المؤقتة' إلى واقع ملموس، تنجح إسرائيل في قضم آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي العربية وسط صمت دولي أو اكتفاء ببيانات الإدانة التي لا تغير من الواقع الميداني شيئاً.

وفي الختام، يرى محللون أن ما يجري هو عملية 'هندسة جغرافية' تهدف إلى إنهاء أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متصلة، وتأمين حدود إسرائيل عبر مناطق عازلة مقتطعة من سيادة الدول المجاورة. ويظل التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين والعرب هو كيفية مواجهة هذا الزحف الذي لا يعترف بالحدود الدولية ولا بالاتفاقيات الموقعة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا