لم تعد مشاهد الجنازات الجماعية التي تضم أفراد العائلة الواحدة حدثاً عابراً في لبنان، بل تحولت إلى نمط متكرر يعكس وحشية الغارات الإسرائيلية المستمرة. فقد شهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في استهداف المنازل المأهولة والمركبات المدنية، مما أدى إلى مسح أسر بأكملها من السجلات الرسمية في مناطق متفرقة من البلاد.
وفي أحدث هذه المجازر، أفادت مصادر ميدانية باستشهاد ستة أفراد من عائلة العبد الله، بينهم نساء وأطفال، جراء غارة جوية استهدفت منزلهم في بلدة المروانية جنوبي لبنان. وتأتي هذه الحادثة لتنضم العائلة إلى قائمة طويلة من الأسر التي فُقدت بالكامل تحت أنقاض منازلها خلال الأشهر القليلة الماضية.
ولم تمضِ ساعات قليلة على مجزرة المروانية، حتى استهدفت غارة أخرى طبيباً لبنانياً ونجليه أثناء عودتهم عبر طريق النبطية الخردلي، مما أدى إلى استشهادهم على الفور. وتؤكد هذه الوقائع أن الاستهداف لا يفرق بين الكوادر الطبية أو المدنيين، بل يطال كل من يتحرك في المناطق المستهدفة.
وتشير التقارير الواردة من بلدات دير قانون النهر والنميرية وجبشيت إلى وقوع فظائع مماثلة، حيث استشهد عدد كبير من أفراد عائلة محمد نجدي وأقاربهم في ضربة واحدة. كما أودت غارة على بلدة النميرية بحياة ستة أفراد من أسرة واحدة، في مشهد يكرر مأساة الفقد الجماعي التي تعيشها القرى الجنوبية.
وفي بلدة شمسطار، سُجلت واحدة من أقسى الهجمات التي أدت إلى استشهاد طبيب وزوجته وأطفالهما الأربعة، مما يعكس تعمد استهداف البنية الاجتماعية للأسر. كما طالت الغارات اللاجئين السوريين في بلدة عدلون، حيث استشهد تسعة أفراد من عائلة واحدة في غارة جوية استهدفت مكان إقامتهم.
ووفقاً لبيانات مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة اللبنانية، فإن الحصيلة التراكمية للعدوان منذ مطلع مارس وحتى يونيو 2026 بلغت 3433 شهيداً. كما أصيب أكثر من عشرة آلاف شخص بجروح متفاوتة، في ظل ضغط هائل يواجهه القطاع الصحي المنهك أساساً جراء استمرار العمليات العسكرية.
من جانبها، أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة 'اليونيسف' عن قلقها البالغ إزاء استمرار سقوط الأطفال بين قتيل وجريح في لبنان. وأكدت المنظمة أن العمليات العسكرية لا تزال تحصد أرواح الصغار بوتيرة متسارعة، حتى في الفترات التي تلي إعلانات التهدئة أو وقف إطلاق النار، مما يضع المدنيين في خطر دائم.
هذا المشهد الدامي في لبنان يجد صدىً أكثر مأساوية في قطاع غزة، حيث وثقت الجهات الرسمية إبادة أكثر من 2700 عائلة فلسطينية بشكل كامل. هذه العائلات لم يعد لها وجود في السجل المدني الفلسطيني، بعد أن استشهد جميع أفرادها في غارات جوية وقصف مدفعي مكثف استهدف المربعات السكنية.
وتشير الإحصائيات الصادرة من غزة إلى أن نحو 6000 عائلة أخرى فقدت معظم أفرادها، ولم ينجُ منها سوى فرد واحد فقط ليحمل عبء الذاكرة والألم. وتتحول هذه القصص الإنسانية بمرور الوقت إلى مجرد أرقام في سجلات الضحايا، رغم ما تحمله من مآسي تمس جوهر الوجود الإنساني في المنطقة.
إن التكرار الممنهج لهذه الهجمات بين غزة وجنوب لبنان يشير إلى سياسة عسكرية تعتمد على إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين. وتظل الجنازات الجماعية والأسماء المتكررة في قوائم الشهداء الشاهد الأكبر على حجم الكارثة التي تخلفها الحرب في كلا الساحتين.
المصدر:
القدس