آخر الأخبار

تاريخ أساطيل الحرية لكسر حصار غزة: مواجهات وتحديات قانونية

شارك

تحول البحر الأبيض المتوسط في السنوات الأخيرة إلى ساحة اشتباك سياسي وحقوقي بين نشطاء دوليين يسعون لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وقوات الاحتلال الإسرائيلي التي تستخدم القوة العسكرية لمنع وصولهم. واستعرضت تقارير صحفية دولية تاريخ هذه المواجهات، مشيرة إلى أن مياه المتوسط باتت مسرحاً لاختبار مدى التزام المجتمع الدولي بالقوانين البحرية والإنسانية أمام الغطرسة الإسرائيلية.

في واقعة حديثة جرت في المياه الدولية، أرسلت مجموعة من القوارب نداءات استغاثة لاسلكية بعد تعرضها للملاحقة، إلا أن الدول القريبة لم تستجب لتلك النداءات. وسرعان ما اقتحمت قوات مسلحة تابعة للاحتلال السفن، حيث نفذت عمليات اعتقال واسعة بحق الركاب واقتادتهم إلى مراكز احتجاز، وسط شهادات مروعة عن تعرضهم للضرب المبرح والإذلال المتعمد.

أفادت مصادر بأن النشطاء المحتجزين واجهوا ظروفاً قاسية شملت الصعق بالكهرباء واستخدام الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية داخل السفن التي تحولت إلى سجون عائمة. كما وثقت شهادات الناجين حالات من التحرش الجنسي والإهانة النفسية، في محاولة من سلطات الاحتلال لترهيب المتضامنين الدوليين ومنعهم من تكرار محاولات الوصول إلى شواطئ غزة.

برز في هذه الأحداث دور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي ظهر في مقطع فيديو يوبخ النشطاء بسخرية مدعياً ملكية الأرض للاحتلال. وقد أجبرت قوات الاحتلال عشرات المتضامنين على السجود في أوضاع مهينة، وهو ما اعتبره مراقبون انعكاساً لسياسة التفاخر بالانتهاكات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية تجاه كل من يساند الحق الفلسطيني.

حتى الثاني والعشرين من مايو، أُطلق سراح مئات المعتقلين الذين أدلوا بشهادات صادمة حول ما جرى خلف القضبان، من بينهم صحفيون وثقوا لحظات فقدان زملائهم للوعي نتيجة التعذيب. وتضمنت التقارير الحقوقية ما لا يقل عن خمس عشرة حالة اعتداء جنسي، مما يرفع من مستوى الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في عرض البحر تحت غطاء أمني إسرائيلي.

تعد المحامية الفلسطينية الأمريكية هويدا عراف من أبرز مؤسسي هذا التكتيك النضالي الذي بدأ في عام 2008، حيث تؤكد أن الهدف ليس رمزياً فحسب بل هو تحدٍ مباشر لشرعية الحصار. وترى عراف أن هذه القوارب، رغم صغر حجمها، تحمل رسالة سياسية قوية ترفض عزل غزة عن العالم وتؤكد على حق الفلسطينيين في التواصل البحري الحر.

إن فكرة أساطيل الحرية ولدت من رحم المعاناة في الضفة الغربية خلال الانتفاضة الثانية، حين أدرك النشطاء أن غياب المساءلة الدولية يشجع الاحتلال على التمادي. وقد أسست عراف حركة التضامن الدولية بهدف إيجاد شهود دوليين على الأرض، آملة أن يساهم وجودهم في ردع العنف الإسرائيلي الممارس ضد المدنيين الفلسطينيين.

لن تحمل قواربنا الصغيرة أبداً كمية المساعدات التي يحتاجها الفلسطينيون، لكن هدفنا دائماً هو تحدي الحصار غير القانوني من خلال العمل المباشر.

تاريخياً، دفع المتضامنون أثماناً باهظة مقابل مواقفهم، كما حدث مع المتطوعة الأمريكية راشيل كوري التي قتلتها جرافة إسرائيلية عام 2003 أثناء محاولتها حماية منزل فلسطيني من الهدم. هذه الحوادث لم توقف الحركة، بل دفعت النشطاء للبحث عن وسائل جديدة للتضامن، كان أبرزها التوجه نحو البحر بعد تشديد الحصار البري الشامل على قطاع غزة.

في أغسطس 2008، نجحت حركة 'غزة الحرة' في إيصال قاربين صغيرين إلى ميناء غزة لأول مرة منذ عام 1967، في لحظة تاريخية استقبلها الفلسطينيون بحفاوة بالغة. هذا النجاح دفع الاحتلال لتغيير استراتيجيته البحرية، حيث بدأ باستخدام القوة المميتة وصدم القوارب لمنع تكرار مشهد كسر الحصار الذي أحرج المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

تطورت الحركة لاحقاً لتشكل أساطيل أكبر، مثل أسطول الحرية الذي قادته السفينة التركية 'مافي مرمرة' عام 2010، والتي تعرضت لهجوم دموي أسفر عن ارتقاء شهداء وجرحى. ومنذ ذلك الحين، بات الاحتلال يتبع نمطاً ثابتاً يتمثل في اعتراض السفن في المياه الدولية واختطاف ركابها قبل وصولهم إلى المنطقة المحددة للحصار البحري.

تشير التقارير إلى أن تواطؤ بعض الحكومات الغربية وسلبيتها تجاه هذه الانتهاكات ساهم في استمرار العنف الإسرائيلي ضد النشطاء. وبينما وصفت إيطاليا المعاملة الإسرائيلية بأنها غير مقبولة، استمرت الولايات المتحدة في تبني الرواية الإسرائيلية التي تصم هذه التحركات الإنسانية بأنها داعمة لمنظمات معادية، مما يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار.

يقارن المحللون بين رحلات أساطيل الحرية ورحلات المهاجرين في المتوسط، حيث يواجه كلاهما خطر الموت أو الاعتقال في سبيل الوصول إلى شاطئ الأمان أو الحرية. إن الانخراط في هذا العمل التضامني يجرد النشطاء من حماية جوازات سفرهم الغربية، ويضعهم في مواجهة مباشرة مع آلة القمع التي لا تفرق بين فلسطيني ومتضامن أجنبي.

في ظل التصعيد الأخير وحرب الإبادة الجماعية في غزة، عادت الحيوية لحركة الأساطيل رغم التحديات اللوجستية والضغوط السياسية التي تمارسها دول مثل اليونان لمنع إبحار السفن. ويرى النشطاء أن الصمت الدولي تجاه تجويع سكان القطاع يجعل من التحرك البحري ضرورة أخلاقية ملحة لا يمكن التنازل عنها مهما بلغت التضحيات.

ختاماً، تظل أساطيل الحرية صرخة في وجه الضمير العالمي، حيث يضع المتطوعون أجسادهم في مواجهة الرصاص لكسر عزلة غزة. ورغم الانتقادات التي تدعو للتركيز على منع شحنات الأسلحة، يبقى الإبحار نحو غزة تأكيداً على أن هذا الشاطئ جزء لا يتجزأ من الإنسانية، وأن الحصار مهما طال سيبقى فعلاً غير قانوني يجب مواجهته.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل لبنان أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا