على امتداد ساحل قطاع غزة، لم تعد أمواج البحر هي الصوت الطاغي، بل حل مكانها أزيز الرصاص المباغت الذي تطلقه الزوارق الحربية الإسرائيلية تجاه كل من يحاول الاقتراب من الشاطئ. المراكب الراسية على الرمال لم تعد مهيأة لرحلات صيد جديدة، بل تحولت إلى شواهد صامتة على حجم الدمار والحصار الذي أكل نيران أجسادها الخشبية، تاركة الصيادين في مواجهة مباشرة مع الفقر والبطالة القسرية.
تتراكم القوارب المدمرة والشباك الممزقة على جنبات الشاطئ، حيث هجرها أصحابها مجبرين بعد أن استهدفها الاحتلال بشكل مباشر. الوجع الحقيقي لا يكمن فقط في الآلات المحطمة، بل في أصوات الصيادين التي بحّها الشوق للعودة إلى عمق البحر، وفي عيونهم التي يملؤها القهر وهم يشاهدون مصدر رزقهم الوحيد يتلاشى أمام أعينهم نتيجة سياسات الخنق الممنهجة.
يروي الصياد عبد جربوع، من مخيم الشاطئ، بمرارة كيف انقلبت أحواله من مدير لمركب يعج بالحركة والعمال إلى رجل يقف عاجزاً عن تأمين لقمة عيش عائلته. ويؤكد جربوع أن الصيد الذي كان يعتمد على المواسم لم يعد متاحاً، حيث بات الحصول على سمكة واحدة أمراً مستحيلاً في ظل الملاحقة المستمرة والواقع المرير الذي فرضه العدوان على سكان القطاع.
تتفاقم الأزمة مع النقص الحاد في المعدات الأساسية، حيث يضطر الصيادون لاستخدام أدوات بدائية وغير مخصصة للصيد لمحاولة رتق شباكهم الممزقة. ويشير الصيادون إلى أن أسعار المعدات إن وجدت، قد قفزت من شواكل معدودة إلى آلاف الدولارات، في ظل منع الاحتلال دخول أي مواد لازمة للإصلاح أو الصيانة إلى القطاع المحاصر.
من جانبه، يسرد الصياد عاطف أبو ريالة حكاية جرح نازف يمتد لسنوات، حيث فقد زملاءه ومراكبه الأربعة في اعتداءات الاحتلال المتكررة. ويقول أبو ريالة إن البحر الذي كان حضناً للرزق بات مكاناً تفوح منه رائحة الموت، حيث يمنع الاحتلال الصيادين من دخول حتى ميل بحري واحد، ويحرمهم من أبسط حقوقهم في العمل والعيش الكريم.
يؤكد رئيس نقابة الصيادين، نزار عياش أن ما يتعرض له هذا القطاع هو عملية تدمير شاملة تهدف إلى إنهاء المهنة كلياً وتحويل الصيادين إلى فئة منكوبة تعتمد على المساعدات. وتكشف الإحصائيات الرسمية عن حصيلة ثقيلة من الخسائر البشرية، حيث ارتقى 170 شهيداً من الصيادين وهم يبحثون عن رزقهم، بالإضافة إلى عشرات الجرحى والمعتقلين في عرض البحر.
خارطة التدمير المادي تبدو مرعبة، حيث بلغت نسبة تدمير المراكب في شمال قطاع غزة 100%، وفي مدينة غزة وصلت إلى 95%. هذه الأرقام تعكس رغبة واضحة في شل الحركة الاقتصادية لهذا القطاع الحيوي، وتدمير البنية التحتية التي يعتمد عليها آلاف الأسر الفلسطينية في تأمين قوت يومهم.
لم تقتصر آلة الهدم على المراكب فحسب، بل طالت الغرف والمباني التي تضم معدات الصيادين وشباكهم على طول الساحل. ففي محافظة رفح، مُسحت غرف الصيادين بالكامل بنسبة 100%، بينما تفاوتت نسب الدمار في المحافظات الأخرى، مما جعل الصيادين مجردين تماماً من أي أدوات تساعدهم على الاستمرار في مهنتهم التاريخية.
المعاناة امتدت لتطال المشاريع المجتمعية المساندة، حيث تعرض 'مطبخ زوجات الصيادين' في دير البلح لعمليات سطو وسرقة طالت كافة معداته. هذا المشروع كان يهدف إلى دعم أسر الصيادين وتحسين دخلهم عبر تسويق المأكولات البحرية، لكنه بات اليوم جزءاً من المشهد المنكوب الذي يلف قطاع الصيد في غزة بكل مقوماته البشرية والمادية.
يبقى صيادو غزة محاصرين بين مطرقة الرصاص الإسرائيلي وسندان الفقر المدقع، في ظل صمت دولي تجاه الجرائم المرتكبة بحقهم. إن غياب المواد الأساسية مثل المسامير والألياف الزجاجية يمنع أي محاولة لترميم ما دمره الاحتلال، مما يجعل عودة الحياة إلى شاطئ غزة رهينة بكسر الحصار ووقف العدوان الشامل على الإنسان والحجر.
المصدر:
القدس