آخر الأخبار

مستقبل الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى والمقدسات في القدس

شارك

تتصاعد في الآونة الأخيرة التحذيرات من تداعيات أي محاولة لتغيير ترتيبات الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة. ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث يستند الدور الأردني إلى إرث تاريخي وديني طويل كرّسته اتفاقيات سياسية وقانونية دولية.

تؤكد الأوساط السياسية أن الوصاية الهاشمية تمثل عامل استقرار أساسي يحظى بقبول فلسطيني وعربي وإسلامي واسع، وهي الضمانة لمنع انزلاق المنطقة نحو صراعات دينية أوسع. ويرى مراقبون أن أي مساس بهذه المكانة سيفتح الباب أمام توترات غير مسبوقة تؤثر على مستقبل المدينة المقدسة ومكانتها في ظل الظروف الإقليمية المتقلبة.

تشير تقارير إلى أن واشنطن، رغم اعترافها التقليدي بالوصاية الأردنية، تشهد تحركات من قبل تيارات داعمة لإسرائيل تهدف لتقويض هذا الترتيب التاريخي. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع اقتراب استحقاقات انتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يسعى قادة سياسيون لتحقيق مكاسب عبر اللعب بورقة المقدسات.

في الداخل الإسرائيلي، يسمح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لوزراء متطرفين في حكومته، مثل إيتمار بن غفير، بتنفيذ اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى في محاولة لفرض واقع جديد. هذه السياسة تذكر بزيارة آرييل شارون المستفزة عام 2000، والتي أدت حينها إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وتغيير المشهد السياسي بالكامل.

يعود تاريخ الرعاية الهاشمية للمقدسات إلى جذور الأسرة التي تولت حماية الحجيج في مكة والمدينة لألف عام، قبل أن تنتقل هذه المسؤولية إلى القدس في أوائل القرن العشرين. وقد بدأت هذه الوصاية ببيعة دينية للشريف حسين بن علي عام 1917، ثم بيعة سياسية عام 1924، لترتبط هوية العائلة برعاية المسجد الأقصى.

حافظ الملك حسين بن طلال على هذا الارتباط الوثيق حتى عند إعلان فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية عام 1988، حيث استثنى المقدسات والأوقاف صراحة. وقد تم هذا الاستثناء بالتنسيق الكامل مع القيادة الفلسطينية آنذاك، لضمان عدم ترك فراغ سيادي تستغله سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

تعززت هذه المكانة قانونياً في معاهدة السلام عام 1994، ثم عبر اتفاقية تاريخية وقعها الملك عبد الله الثاني مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عام 2013. هذه الاتفاقية منحت العاهل الأردني الحق في بذل كافة الجهود القانونية لحماية المسجد الأقصى وساحاته، معتبرة إياه مكاناً غير قابل للقسمة أو الشراكة.

المساس بالوضع الراهن الهاشمي في المواقع المقدسة بالقدس يوشك أن يضع المنطقة والعالم على مسار تصادمي بدلاً من إطلاق حقبة من السلام والتعايش.

على الصعيد الميداني، تُعد دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية المحرك الأساسي لإدارة الشؤون الدينية في القدس الشرقية. وتعتبر الدائرة أكبر جهة توظيف للفلسطينيين في المدينة، مما يساهم في دعم صمود المقدسيين وتعزيز القطاع الاقتصادي المحلي في مواجهة سياسات التضييق.

يمول الملك عبد الله الثاني بشكل مباشر مشاريع الترميم الكبرى في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، بالإضافة إلى كنيسة القيامة، مما يعكس شمولية الوصاية للمقدسات الإسلامية والمسيحية معاً. هذا الدور يلقى تقديراً واسعاً من رؤساء الكنائس الذين يصفون الوصاية الهاشمية بأنها 'صمام أمان' للوجود المسيحي في القدس.

برزت مؤخراً مخاوف من خطط يقودها صهاينة مسيحيون في الولايات المتحدة تهدف لنزع الصلاحيات الأردنية ومنحها لأطراف أخرى أو إخضاعها للسيادة الإسرائيلية الكاملة. وتتجاهل هذه الرؤى المتطرفة القوانين الدولية التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وتدفع نحو مواجهة دينية قد لا يمكن احتواؤها.

يرى محللون أن محاولات ربط ملف المقدسات بمسارات التطبيع الإقليمي، مثل اتفاقيات أبراهام، تصطدم بموقف سعودي وعربي ثابت يربط السلام بإقامة دولة فلسطينية. فالمبادرة العربية لعام 2002 لا تزال تشكل المرجعية الأساسية التي ترفض القفز فوق الحقوق الفلسطينية المشروعة في المدينة المقدسة.

تعتبر الوصاية الهاشمية بالنسبة للأردنيين خطاً أحمر وركناً أساسياً من أركان الهوية الوطنية، حيث يرفض الشعب والقيادة أي مساومة على هذا الدور. كما يرفض الفلسطينيون بشكل قاطع فكرة إشراك دول أخرى في إدارة المقدسات، متمسكين بالترتيب الحالي كحائط صد أمام الأطماع التوسعية.

إن التاريخ الإسلامي، بدءاً من العهدة العمرية التي وقعها الخليفة عمر بن الخطاب، أسس لقيم التسامح وحماية دور العبادة لجميع الأديان في القدس. واليوم، يسير الأردن على هذا النهج من خلال تعزيز العيش المشترك وحماية الوضع القائم 'الستاتيكو' الذي يضمن حرية العبادة ويمنع تهويد المعالم التاريخية.

في الختام، يبقى العالم العربي والإسلامي موحداً خلف الدور الأردني في القدس، محذراً من أن أي 'حريق سياسي' يستهدف الأقصى قد يغير تاريخ المنطقة للأبد. فالوصاية ليست مجرد لقب تشريفي، بل هي مسؤولية قانونية ودينية وتاريخية تقف في وجه محاولات تصفية القضية الفلسطينية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا