منذ نحو عامين، يعيش أهالي بلدة رابا الواقعة شرق مدينة جنين حالة من القلق الدائم، حيث تحولت حياتهم إلى كابوس جراء اعتداءات المستوطنين اليومية. وبدأت المعاناة بظهور بؤرة رعوية صغيرة على تلة مجاورة، سرعان ما تحولت إلى مستوطنة رسمية تُعرف باسم 'هار بيزك'، تطل مباشرة على أراضي المواطنين في جبل السالمة.
المزارع فضل نواجعة وعائلته يمثلون نموذجاً لهذا الصمود المر، إذ اضطروا لإحاطة منزلهم بسياج مرتفع لحماية أنفسهم من الهجمات المتكررة. ورغم هذه المحاولات، لم يمنع السياج المستوطنين من إطلاق أبقارهم لتخريب المحاصيل الزراعية، مما جعل نواجعة يصف حياته بأنها أصبحت داخل سجن كبير لا يقي من اعتداءات الغزاة.
الواقع المرير دفع نواجعة إلى بيع جزء كبير من قطيع أغنامه الذي كان يعتاش منه، بعد أن فرضت سلطات الاحتلال 'مناطق عازلة' منعت المزارعين من الوصول إلى مراعيهم. وأكد نواجعة أن رعي الأغنام في هذه المنطقة بات مهمة محفوفة بالموت، مفضلاً خسارة مصدر رزقه على خسارة أحد أبنائه برصاص المستوطنين أو جنود الاحتلال.
من جانبها، تصف فاطمة نواجعة، زوجة فضل، يوميات العائلة بأنها تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار والحرية، حيث بات الأطفال لا يخرجون للمدرسة إلا تحت حراسة مشددة وبوابات مغلقة. وأوضحت أن المستوطنين يتعمدون إدخال جراراتهم الزراعية لدهس الأراضي المنخفضة وتخريب التربة، مما يزرع الخوف والرهبة في نفوس السكان بشكل مستمر.
رئيس مجلس قروي رابا، غسان بزور، أشار إلى أن البلدة تعرضت لقرار مصادرة رسمي في يونيو 2024، شمل مساحات واسعة من جبل السالمة. وأكد أن أعمال البنية التحتية الاستيطانية لم تتوقف منذ ذلك الحين، حيث تجري عمليات حفر وتعبيد للطرق لتثبيت وجود المستوطنين الذين يهاجمون المناطق السكنية بشكل يومي.
وكشف بزور عن تحول نوعي في أدوات الاعتداء، يتمثل في استخدام أكثر من 70 رأساً من الأبقار كأداة لتخريب أشجار الزيتون والمحاصيل البعلية. وتصل هذه القطعان إلى عتبات المنازل، فيما يتعرض كل من يحاول إبعادها للضرب والإهانة من قبل المستوطنين الذين يحظون بحماية كاملة من جيش الاحتلال.
المشهد الأكثر خطورة، بحسب بزور، هو ممارسة الطقوس الدينية داخل الأراضي المصادرة، حيث يؤدي المستوطنون صلوات تلمودية بين أشجار الزيتون. ويرى أهالي البلدة أن هذه السلوكيات ليست عفوية، بل هي محاولة ممنهجة لخلق سردية دينية مزيفة تهدف لإثبات وجود صلة تاريخية لليهود بهذه المواقع الأثرية.
سامر بزور، مسؤول لجنة الحماية المجتمعية، أكد أنه شاهد مستوطنين يحملون كتباً دينية ويؤدون طقوسهم في الحقول، موجهين رسائل تهديد للأهالي بأن الأرض لم تعد ملكهم. ورغم امتلاك الفلسطينيين لأوراق ثبوتية و'كواشين' تؤكد ملكيتهم التاريخية، إلا أن المستوطنين يصرون على ادعاءاتهم تحت تهديد السلاح.
وأفادت مصادر ميدانية بأن المستوطنين يحملون أسلحة آلية تشبه تلك التي يستخدمها جيش الاحتلال، ويطلقون النار مباشرة على المزارعين لإرهابهم. وفي حالات عديدة، يتدخل الجيش ليس لحماية المدنيين، بل لتأمين انسحاب المستوطنين أو طرد الفلسطينيين من أراضيهم بذرائع أمنية واهية.
الحوادث العنيفة بلغت ذروتها في نوفمبر الماضي، عندما هاجم مستوطنون المنازل وأحرقوا أحدها بذريعة البحث عن حصان مفقود. وقد تصدى أهالي البلدة، الذين يبلغ عددهم نحو 5 آلاف نسمة، لهذه الهجمات بصفوف موحدة، مؤكدين تمسكهم بأرضهم رغم سياسة الترهيب المتبعة ضدهم.
وتشير التقارير الحقوقية إلى تصاعد ملحوظ في 'الرعي الاستيطاني' بالضفة الغربية منذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023. وتستخدم هذه السياسة كأداة فعالة للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي دون الحاجة إلى بناء وحدات سكنية فورية، مما يضيق الخناق على التجمعات الفلسطينية.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد سجل شهر أبريل الماضي وحده أكثر من 540 اعتداءً نفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. كما تم رصد إقامة 21 بؤرة استيطانية جديدة خلال فترة وجيزة، معظمها بؤر زراعية ورعوية تهدف إلى السيطرة على الموارد الطبيعية والمراعي.
هذا التصعيد الاستيطاني أدى إلى ارتقاء 15 شهيداً فلسطينياً برصاص المستوطنين منذ بداية العام الجاري، مما يعكس الضوء الأخضر الممنوح لهؤلاء لارتكاب الجرائم. وتواصل المؤسسات الرسمية في رابا توثيق هذه الانتهاكات لرفعها إلى الجهات الدولية، رغم محدودية الأدوات المتاحة لمواجهة هذه المنظومة الاستيطانية المتكاملة.
المصدر:
القدس