آخر الأخبار

رضوى عاشور في ذكرى ميلادها: سيرة المثقفة الإنسان ومشروع المق

شارك

تحل ذكرى ميلاد الكاتبة والناقدة الكبيرة رضوى عاشور لتستعيد معها الأوساط الثقافية حضور نموذج فريد للمثقف الإنسان، الذي جمع بين المعرفة العميقة والالتزام الأخلاقي الصارم. لم تكن كتابة عاشور مجرد ممارسة جمالية أو أكاديمية معزولة، بل كانت مساحة للفعل والتأثير والاشتباك مع قضايا الناس في لحظات التحول الكبرى.

آمنت الراحلة بأن دور المثقف لا يكتمل بالتحليل النظري وحده، بل بالانخراط الميداني والانحياز التام لقضايا العدالة والحرية. ومن هنا جاءت نصوصها امتداداً لوعيها النقدي، ووسيلة لمساءلة السلطة وكشف آليات القمع، مع التركيز الدائم على حق الشعوب في الحفاظ على ذاكرتها الجمعية من التشويه.

لقد شكلت الكلمة لدى رضوى عاشور أداة للمقاومة، حيث سعت من خلال السرد إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي ومنح صوت للمهمشين والمنسيين. تحولت أعمالها إلى جسر يصل بين المعرفة الأكاديمية الرصينة والهم الإنساني اليومي، مما جعلها جزءاً نابضاً من وجدان القراء العرب بمختلف انتماءاتهم.

بالنظر إلى تكوينها العلمي، نجد أن دراستها للأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة وحصولها على الدكتوراه في الأدب الأفروأمريكي من جامعة ماساتشوستس قد صقلا منظورها النقدي. هذا التكوين المتعدد سمح لها بتفكيك المركزية الغربية في الدراسات الأدبية والبحث عن نظريات تنبع من تجارب الشعوب المضطهدة في الجنوب العالمي.

بدأت مسيرتها الروائية بعملها 'حجر دافئ'، الذي كشف مبكراً عن توجهها لعدم التعامل مع الرواية كحكاية مجردة، بل كفضاء لطرح الأسئلة الوجودية. ركزت في أعمالها على ثنائية الذات والجماعة، حيث لا يمكن فصل معاناة الفرد عن السياق السياسي والاجتماعي المحيط به، كما ظهر في 'خديجة وسوسن'.

تعتبر 'ثلاثية غرناطة' ذروة مشروعها الروائي، حيث لم تكتفِ فيها بسرد وقائع سقوط الأندلس، بل جسدت التجربة الإنسانية للمنفيين والمقهورين. حولت رضوى التاريخ في هذه الثلاثية إلى مرآة تعكس واقع الهوية العربية المعاصرة ومحاولات محو الذاكرة، مما جعلها عملاً يطرح أسئلة البقاء والاندثار الحضاري.

في رواية 'سراج'، قدمت عاشور نموذجاً للكتابة الرمزية التي تتجاوز المرجعية التاريخية المباشرة لتكشف بنية الاستبداد وآليات القمع العابرة للزمان. هذا التوازن الدقيق بين ما هو تاريخي توثيقي وما هو رمزي خيالي يمثل أحد أهم ملامح مشروعها السردي الذي استهدف حماية الوعي من التزييف.

آمنت رضوى عاشور بأن الكلمة أداة مقاومة، وأن السرد قادر على إعادة تشكيل الوعي وفتح نوافذ جديدة لفهم الذات والمجتمع.

لم تغب السيرة الذاتية عن نتاجها، ففي كتابها 'الرحلة' سجلت تجربتها كطالبة مصرية في الولايات المتحدة، كاشفة عن وعي مبكر بطبيعة الصراع الثقافي. قدمت في هذا النص رؤية نقدية للذات والآخر دون تجميل، مؤكدة على أهمية تدوين التجربة الفردية كجزء من التاريخ الجماعي للأمة.

أما كتابها الأخير 'أثقل من رضوى'، فقد جاء كشهادة إنسانية مؤثرة حول صراعها مع المرض، لكنها لم تصوره كمأساة شخصية منعزلة. بل ربطت بين وهن الجسد ومعاركها الطويلة ضد الظلم والقمع، لتثبت أن الكتابة تظل فعل مقاومة حتى في أقسى لحظات الضعف الإنساني.

تميز عالمها السردي بقدرة فائقة على المزج بين التوثيق والتخيل الإبداعي، كما يظهر في 'قطعة من أوروبا' التي أعادت صياغة وقائع تاريخية بمنظور جديد. وفي أعمال أخرى مثل 'رأيت النخل'، ركزت على التفاصيل الإنسانية الصغيرة المشحونة بالدلالات، مما يعكس مرونة فنية وقدرة على التنقل بين الأزمنة.

إن مشروع رضوى عاشور الأدبي والنقدي هو في جوهره مشروع مقاومة شامل؛ مقاومة للنسيان، وللقمع، ولطمس الهوية الوطنية والقومية. كتبت عن التاريخ لتضيء عتمة الحاضر، وكتبت عن الذات لتكشف هموم الجماعة، مؤكدة أن المثقف الحقيقي هو من يقف في خندق الناس.

لقد كانت فلسطين حاضرة دوماً في وعي رضوى وكتاباتها، حيث اعتبرت القضية الفلسطينية بوصلة أخلاقية ومعياراً للالتزام الإنساني. وانعكس هذا الاهتمام في دراساتها النقدية وأعمالها الروائية التي تناولت الصراع العربي الإسرائيلي كجزء أصيل من معركة الدفاع عن الوجود والكرامة.

رحلت رضوى عاشور جسداً، لكن أعمالها تواصل الحياة كذاكرة حية وشهادة على زمن مليء بالتحديات والانكسارات والآمال. تظل نصوصها دعوة مستمرة للحرية والعدالة، وتذكيراً بأن الثقافة ليست ترفاً أو برجاً عاجياً، بل هي مشاركة فاعلة في صياغة مستقبل الشعوب.

في ذكرى ميلادها، يبقى صوت رضوى عاشور مقاوماً للصمت، ومواجهاً للقمع، ومعيداً للاعتبار للإنسان البسيط الذي غالباً ما يُقصى من السرديات الكبرى. إنها نموذج للمثقف الذي لم يساوم على مبادئه، وظل وفياً للحقيقة حتى الرمق الأخير من مداد قلمه.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا