أثارت التصريحات الأخيرة للفنان الفلسطيني محمد عساف موجة واسعة من الجدل في الأوساط العربية، بعد حديثه المؤثر عن 'النظرة الدونية' التي يواجهها الفلسطيني في محيطه. وأوضح عساف في لقاء إعلامي حديث أن هذه النظرة تتجاوز كونه فناناً مشهوراً، لتلمس جرحاً عميقاً في الهوية الفلسطينية التي تُحصر دائماً في قوالب جاهزة.
تتراوح النظرة النمطية للفلسطيني بين قطبين متناقضين؛ فإما أن يكون بطلاً أسطورياً وشهيداً محتملاً يُطالب بالصمود المطلق، أو لاجئاً يثير الريبة في بلاد الاغتراب. وفي كلتا الحالتين، يُجرد الفلسطيني من حقه البسيط في أن يكون بشراً عادياً يخطئ ويصيب، ويحزن ويفرح، بعيداً عن التوقعات السياسية المفروضة عليه.
استعاد المحللون مقال الروائي الراحل إلياس خوري 'يحبون فلسطين ويكرهون الفلسطينيين'، الذي فكك فيه التناقض العربي تجاه القضية. فالكثيرون يعشقون الرمز والأرض، لكنهم يضيقون ذرعاً بالإنسان الفلسطيني حين يطالب بحقوقه المدنية أو يسعى للعيش بكرامة ومساواة في المجتمعات التي لجأ إليها.
هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل حذر منها الشاعر الكبير محمود درويش منذ عام 1969 في مقالته الشهيرة 'أنقذونا من هذا الحب القاسي'. انتقد درويش حينها المبالغة في تقديس الفلسطيني، معتبراً أن هذا النوع من الاحتفاء قد يتحول إلى سجن يمنع المبدع من التطور ويحرمه من إنسانيته الفطرية.
تظهر تجليات هذا التنميط في مواقف سياسية واضحة، كما حدث في تونس عام 2020 عندما أثار منح الجنسية لعدد محدود من الفلسطينيين مخاوف غير مبررة. ورغم الطابع الإنساني للقرار، إلا أن أصواتاً ارتفعت محذرة من 'التوطين'، مما يعكس الفجوة بين التضامن الشعبي مع القضية والخوف من استقرار الإنسان الفلسطيني.
في المجال الثقافي، حاولت جائزة 'الأركانة' المغربية مؤخراً كسر هذا الطوق عبر تكريم 'الشعرية الفلسطينية' كقيمة فنية إنسانية. اللجنة اختارت أربعة شعراء فلسطينيين بناءً على جودة نصوصهم الكونية، وليس فقط لكونهم يعبرون عن مأساة وطنية، في محاولة لإنصاف المبدع بعيداً عن هويته السياسية.
محمد عساف، الذي انطلق من مخيم خان يونس ليصبح ظاهرة فنية عربية، وجد نفسه محاصراً بتوقعات متناقضة منذ فوزه بلقب 'أراب آيدول'. فبينما يراه البعض 'ناجياً' يجب أن يظل في حالة حداد دائم، يرى آخرون في نجاحه وتأنقه خروجاً عن صورة الضحية التي رسموها له في مخيلتهم.
أكد عساف في حديثه الأخير أنه اختار الصمت والاعتزال المؤقت خلال حرب الإبادة على غزة، شعوراً منه بعجز الفن أمام هول الدمار. هذا الموقف يعكس الصراع الداخلي للفنان الفلسطيني الذي يجد نفسه مطالباً بتمثيل شعبه في كل لحظة، حتى في أدق تفاصيل حياته الشخصية ومهنته.
يشير الكاتب الفلسطيني خالد جمعة إلى أن العالم لا يريد للفلسطيني أن يظهر بغير الصورة التي رسمها له، سواء كانت صورة المقاوم أو الضحية. ويروي جمعة كيف اندهش جمهور أمسية شعرية من إلقائه قصائد صوفية، إذ كان المتوقع منه أن تكون كلماته 'معبأة بالصواريخ والرشاشات' ليتناسب مع كونه قادماً من غزة.
إن محاولات 'أنسنة' الفلسطيني تواجه عقبات صلبة في اللاوعي الجمعي العربي والدولي على حد سواء، حيث يُطرد الفلسطيني من دائرة الإنسان العادي إلى الأعلى بالتقديس أو إلى الأسفل بالتبخيس. هذه المعضلة تجعل من أي نجاح فردي للفلسطيني معركة لإثبات الجدارة الإنسانية قبل الفنية أو المهنية.
تاريخياً، لم يسلم حتى أثرياء فلسطين ومثقفوها من هذا القفص النمطي الذي وُضعوا فيه منذ أربعينيات القرن الماضي. فالمجتمع المحيط غالباً ما يطالب الفلسطيني بأن يظل 'مسألة' أو 'قضية' متحركة، ويستنكر عليه الاندماج الكامل أو التمتع بحقوق المواطنة الطبيعية في بلدان اللجوء.
يُعد بكاء محمد عساف خلال المقابلة تعبيراً عن ألم مزدوج؛ ألم الفقد لما يحدث في غزة، وألم الإنكار الذي يواجهه الفلسطيني في الشتات. هو خوف من 'إبادة معنوية' تتمثل في حصر شعب كامل في قوالب جامدة تمنع عنه حق التطور والتنوع الإنساني الطبيعي.
إن تصحيح هذه الصورة يتطلب جهداً ثقافياً وتربوياً طويلاً لتفكيك الصور النمطية التي تراكمت عبر عقود من الصراع. فالاعتراف بالفلسطيني كإنسان كامل الأهلية، له الحق في الإبداع والحياة والرفاهية، هو جزء لا يتجزأ من عدالة قضيته الوطنية الكبرى.
في النهاية، تبقى صرخة عساف ودرويش وخوري نداءً واحداً لرفع الوصاية عن 'الإنسان' الفلسطيني. ففلسطين ليست مجرد خارطة أو شعار، بل هي ملايين البشر الذين يستحقون أن يُنظر إليهم بعيون ترى أحلامهم وطموحاتهم، لا فقط جراحهم ومعاناتهم المستمرة.
المصدر:
القدس