آخر الأخبار

ليندسي غراهام واتفاقيات أبراهام: ضغوط على السعودية وقطر

شارك

تتصاعد وتيرة التحركات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن في محاولة لإنهاء حالة الصراع المفتوح وتأمين الممرات المائية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز. وتأتي هذه المفاوضات في وقت تصر فيه الأطراف الدولية على تجاوز ملفات ساخنة تتعلق بالعدوان المستمر على قطاع غزة ولبنان، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الترتيبات الأمنية القادمة.

وفي هذا السياق، برزت تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام التي عكست رغبة جامحة في توظيف أي اتفاق مع إيران لخدمة المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر. حيث دعا غراهام إدارة الرئيس ترامب إلى ممارسة ضغوط حقيقية على عواصم عربية وإسلامية وازنة للانخراط في مسار التطبيع المعروف باتفاقيات أبراهام.

غراهام لم يكتفِ بالدعوة العامة، بل حدد بالاسم كلاً من المملكة العربية السعودية ودولة قطر وجمهورية باكستان كأطراف يجب أن تكون جزءاً من المنظومة الجديدة. واعتبر السيناتور الأمريكي أن انضمام هذه الدول سيمثل نقطة تحول تاريخية في الشرق الأوسط، واصفاً اللحظة الراهنة بأنها وقت 'الجرأة' من أجل المستقبل.

ولم تخلُ تصريحات غراهام من لغة التهديد المبطن والصريح، حيث حذر من أن رفض السير في هذا الطريق سيؤدي إلى عواقب وخيمة على مستوى العلاقات الثنائية مع واشنطن. ويرى مراقبون أن هذه اللغة تعكس عقلية استعلائية تحاول رهن مصالح دول المنطقة بالرؤية الإسرائيلية والأمريكية المشتركة.

وتشير القراءات السياسية إلى أن إدارة ترامب، المدفوعة بتوجهات 'الصقور' في فريقها، تسعى لتقديم إسرائيل كمركز لإدارة المنطقة تحت غطاء السلام. هذا التوجه يتجاهل تماماً الحقوق الفلسطينية المشروعة ويقفز فوق جرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال في الأراضي المحتلة.

إن محاولة تصوير الاتفاق المنتظر مع طهران كـ 'نصر' على ما يوصف بالشر الإيراني، تهدف بالأساس إلى تلميع صورة الاحتلال وتقديمه كشريك استراتيجي. وتعمل هذه الاستراتيجية على تحويل الأنظار عن الفشل في تحقيق الأهداف العسكرية الميدانية في غزة ولبنان عبر تحقيق مكاسب دبلوماسية مجانية.

ويرى محللون أن العقل السياسي الأمريكي لا يزال يرفض قراءة التداعيات الحقيقية لانصياعه المطلق للرغبات الإسرائيلية على حساب استقرار المنطقة. فالمطالبة بتطبيع مجاني في ظل استمرار الاستيطان والقتل الممنهج تعكس فجوة عميقة بين الواقع الميداني والطموحات السياسية لواشنطن.

إذا رفضتم السير على هذا الطريق كما اقترح الرئيس ترامب، فسيكون لذلك عواقب وخيمة على علاقاتنا المستقبلية ويجعل هذا الاقتراح السلمي غير مقبول.

ويبدو أن هناك إصراراً من قبل دوائر صنع القرار في واشنطن على تجاهل النزيف المستمر في غزة والضفة والقدس، والتركيز فقط على ترتيبات أمنية تضمن تفوق الاحتلال. هذه السياسة تضع الأنظمة العربية أمام تحديات كبرى تتعلق بسيادتها ومواقفها التاريخية من القضية الفلسطينية.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تصريحات غراهام، بل في محاولة فرض واقع سياسي جديد يجعل من التبعية للمركز الإسرائيلي شرطاً للاستقرار. وتستخدم واشنطن في هذا الإطار أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لترهيب الدول التي قد تعارض هذا المسار الإجباري.

وفي المقابل، تبرز شهادات النشطاء الدوليين حول ممارسات الاحتلال الفاشية كعائق أخلاقي وإنساني أمام أي محاولات للتطبيع الشعبي أو الرسمي. فما نقله نشطاء أسطول الصمود عن صنوف التعذيب والانتهاكات يعكس الوجه الحقيقي للكيان الذي يحاول غراهام تسويقه كـ 'حمامة سلام'.

وتشير المعطيات إلى أن رياح نتنياهو وترامب قد لا تجري كما تشتهي سفنهم، خاصة مع تنامي الوعي العالمي بطبيعة المشروع الصهيوني الاستعماري. فالأجيال الصاعدة في المنطقة والعالم باتت أكثر قدرة على كشف زيف الادعاءات السلمية التي تترافق مع سفك الدماء.

إن أي اتفاق ينهي الحرب مع إيران دون معالجة جذور الصراع في فلسطين سيبقى اتفاقاً هشاً ومنقوصاً، ولن يؤدي إلى استقرار حقيقي. فالسلام الذي يقوم على إبادة أصحاب الحق وكي وعيهم هو مجرد وهم تحاول الإدارة الأمريكية تسويقه لخدمة أهداف انتخابية وإيديولوجية.

ويبقى السؤال المطروح حول مدى قدرة الدول العربية المستهدفة على الصمود أمام هذه الضغوط المتزايدة والمقايضات السياسية الصعبة. فالتاريخ سيحكم على هذه المرحلة بناءً على المواقف المتخذة تجاه الحقوق الفلسطينية والسيادة الوطنية بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

ختاماً، فإن تصريحات ليندسي غراهام قد تكون بالون اختبار لقياس ردود الأفعال، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن النوايا الحقيقية للإدارة القادمة. إن محاولة رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط بـ 'بصمة صهيونية' واضحة ستواجه حتماً حقائق الجغرافيا والتاريخ التي لا يمكن تجاوزها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا