يحل عيد الأضحى المبارك على قطاع غزة هذا العام مثقلاً بآلام الفقد ومرارة النزوح، حيث غابت المظاهر الاحتفالية التقليدية التي اعتادت عليها العائلات الفلسطينية. في مخيم الشاطئ، لم تعد عائلة بارود تجوب الشوارع بمركباتها كما في السابق، بل باتت تجتمع لمواساة بعضها بعد فقدان أكثر من 80 شهيداً من أفرادها خلال حرب الإبادة المستمرة.
يتأمل ولاء بارود صورة عائلية قديمة تضم 22 وجهاً، غاب منهم 13 شهيداً معظمهم من حملة الشهادات العليا الذين استهدفتهم غارات الاحتلال. وبدلاً من ذبح الأضاحي وتوزيع الحصص على الأقارب، تقف العائلة اليوم في بيت عزاء شقيقهم بهاء الذي ارتقى قبل أيام، بينما لا يزال ابنه المصاب يرقد في المستشفى.
على أرصفة الطرقات، تعيش الحاجة شمعة الزوربتلي واقعاً مريراً داخل خيمة صغيرة لا تحميها من حرارة الشمس أو نظرات المارة. تقول المسنة السبعينية بمرارة إن العيد لا يطرق أبواب الخيام، فهي تعيش في عزلة تامة بلا كهرباء أو وسيلة اتصال، ولا تعرف من العيد سوى ذكريات حي الشجاعية الذي دمره الاحتلال.
تستذكر الحاجة شمعة أيام الرخاء حين كانت تشتري كسوة العيد لأحفادها وتصنع الكعك المنزلي، بينما تكتفي اليوم بثوب بالٍ وحذاء مهترئ. ولم تتمكن المسنة من حبس دموعها وهي تشاهد مقاطع للحجاج، معبرة عن حسرتها لحرمان سكان القطاع من أداء الفريضة هذا العام بسبب إغلاق المعابر.
في خيمة مجاورة، يجلس المسن محمد عبيد على كرسيه المتحرك، مستحضراً حياته السابقة حين كان يملك منزلاً من أربعة طوابق في الشجاعية. الحرب لم تكتفِ بتدمير منزله، بل سلبت منه زوجته وقدميه اللتين بُترتا جراء القصف، ليتحول من صاحب أضاحٍ يوزع اللحوم على جيرانه إلى منتظر للمساعدات.
ميدانياً، أعلن منسقو مشاريع الأضاحي في المؤسسات الخيرية عن توقف الموسم بالكامل هذا العام داخل قطاع غزة. ويعود هذا التوقف القسري إلى إغلاق المعابر الحدودية وشح المواشي الحية في الأسواق المحلية، بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني في الأسعار الذي تجاوز قدرة المؤسسات والأفراد على حد سواء.
تشير الإحصائيات إلى أن سعر الخروف الواحد قفز من 350 دولاراً قبل الحرب ليصل إلى نحو 6000 دولار في بعض الأحيان. هذا الارتفاع غير المسبوق جعل من تنفيذ شعيرة الأضحية بالطريقة التقليدية أمراً مستحيلاً، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وانعدام السيولة النقدية لدى المواطنين.
أفادت مصادر محلية بأن المؤسسات الإغاثية اضطرت للجوء إلى بدائل اضطرارية لتخفيف وطأة الحرمان عن العائلات النازحة. وتمثل ذلك في توزيع كميات من اللحوم المجمدة المستوردة بدلاً من ذبح الأضاحي الحية، حيث جرى تخصيص نحو 10 أطنان لتوزيعها على الأسر الأكثر فقراً خلال أيام العيد.
في أسواق اللحوم، يوضح التجار أن الإقبال على الأضاحي الحية انعدم تقريباً، حيث وصل سعر الكيلو الواحد من لحم الخروف القائم إلى 300 شيكل. وتهيمن اللحوم المجمدة المستوردة من مناشئ أرجنتينية وبرازيلية على السوق بنسبة 80%، وهي التي باتت المصدر الوحيد المتاح للجمعيات الخيرية.
لا يقتصر الانهيار الاقتصادي على قطاع المواشي، بل امتد ليشمل أسواق الملابس والمستلزمات الأساسية التي بدت خاوية من الزبائن. ويؤكد أصحاب المحلات في حي الرمال أن تكلفة شحن البضائع تضاعفت ثماني مرات، مما أدى إلى رفع الأسعار بشكل يفوق القدرة الشرائية للمواطنين المنهكين.
يقول تجار الملابس إن المواطنين يدخلون المحلات للاستفسار عن الأسعار فقط ثم يغادرون في حالة صدمة، حيث تتركز أولوياتهم الآن على تأمين لقمة العيش. وقد تسبب الحصار الصارم والتحكم في المعابر بزيادة تكاليف الاستيراد، مما جعل شراء كسوة العيد للأطفال ترفاً لا تملكه أغلب العائلات.
رغم القصف والدمار، تحاول بعض النساء في مخيمات النزوح صناعة أجواء بسيطة للعيد عبر إعداد كميات قليلة من الكعك يدوياً. هذه المحاولات لترميم الفرح تصطدم بواقع مرير يفرضه الاحتلال، الذي يواصل استهداف المنشآت الحيوية والمدنيين حتى في أيام المناسبات الدينية.
تغيب مظاهر العيد التقليدية عن شوارع غزة، ولا يقطع صمت الحزن سوى أصوات التكبيرات المنبعثة من مكبرات الصوت في سيارات تجوب المخيمات. هذه التكبيرات تمتزج بآهات الجرحى وعويل الثكالى في المستشفيات التي لا تزال تستقبل ضحايا العدوان المستمر بلا توقف.
يمر عيد الأضحى الأول بعد وقف إطلاق النار المزعوم وغزة لا تزال غارقة في دماء أبنائها وفقر مدقع طال كافة مناحي الحياة. ويبقى صمود الحاضنة الشعبية هو المشهد الأبرز، رغم محاولات الاحتلال إبادة كل ملامح الحياة والبهجة في القطاع المحاصر.
المصدر:
القدس