تعيد مشاهد التنكيل التي مارستها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق ناشطي مبادرة "أسطول الصمود العالمي" إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من الانتهاكات الممنهجة. وقد وثقت مقاطع مصورة عمليات تقييد وضرب وامتهان للكرامة الإنسانية تعرض لها المتضامنون الدوليون، مما يعكس العقلية الأمنية التي تتعامل بها سلطات الاحتلال مع كل من يحاول كسر الحصار عن قطاع غزة.
وأثار مقطع فيديو نشره وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، متباهياً بإهانة عشرات النشطاء المختطفين، موجة غضب دولية عارمة. واعتبرت أوساط حقوقية أن هذا التبجح الرسمي يثبت تورط الحكومة الإسرائيلية في سياسات العنف والترهيب ضد المدنيين العزل والناشطين الإنسانيين الذين يسعون لإيصال المساعدات للقطاع المحاصر.
وفي ردود الفعل الدبلوماسية، أدانت دولة قطر بشدة التنكيل بنشطاء الأسطول، مؤكدة أن هذه الممارسات تكشف حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون منذ عقود. وشددت وزارة الخارجية القطرية على أن هذا السلوك يمثل نهجاً إسرائيلياً ثابتاً يضرب بعرض الحائط كافة القوانين الدولية والأعراف الإنسانية.
وعلى الصعيد الأوروبي، اتخذت عدة دول خطوات تصعيدية باستدعاء سفراء إسرائيل لديها لطلب تفسيرات رسمية حول الاعتداءات، ومن بين هذه الدول فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا. كما أعربت بريطانيا عن صدمتها الشديدة من المشاهد المسربة، مشيرة إلى أن تصرفات بن غفير تعكس نهجاً حكومياً قائماً على العنف المفرط.
ويعد "أسطول الصمود العالمي" المحاولة الثالثة خلال عام واحد لكسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة، الذي يواجه حرب إبادة جماعية منذ أكتوبر 2023. ويهدف الأسطول إلى لفت الأنظار للنقص الحاد في الغذاء والدواء، إلا أن الاحتلال يواصل اعتراض هذه السفن في المياه الدولية واقتياد من عليها لمراكز الاحتجاز.
وأفادت شهادات لناشطين شاركوا في الأسطول الأخير بتعرضهم لانتهاكات قاسية شملت العنف الجسدي والجنسي أثناء فترة احتجازهم. ووصف رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، يوسف عجيسة، ما جرى بأنه اعتداء صارخ على الكرامة، شمل سحل المتضامنين وتقييدهم وعصب أعينهم لساعات طويلة.
من جانبها، روت الناشطة الأيرلندية تارا أوغرادي تفاصيل المعاملة الوحشية التي تلقاها النشطاء، مؤكدة أن 32 شخصاً نُقلوا إلى المستشفيات جراء الإصابات البالغة. وأشارت أوغرادي إلى أن صور الناشطين المنشورة تظهر بوضوح آثار الضرب المبرح والدماء والكدمات التي غطت وجوههم وأجسادهم دون أي مبرر قانوني.
هذا السلوك الإسرائيلي ليس جديداً، إذ يستذكر العالم مجزرة سفينة "مافي مرمرة" التركية عام 2010، حين قتلت قوات الاحتلال 10 متضامنين في المياه الدولية. وتثبت هذه الوقائع المتكررة أن الاحتلال لا يتوانى عن استخدام القوة المميتة ضد المبادرات الإنسانية الدولية، مما يتسبب في أزمات دبلوماسية متلاحقة مع دول العالم.
وعلى الموازاة من قمع النشطاء، يواجه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال واقعاً مأساوياً وصفه حقوقيون بالإجرام المنهجي. فمنذ بدء العدوان الأخير، تصاعدت وتيرة التعذيب والتنكيل بشكل غير مسبوق، مما أدى إلى استشهاد عشرات المعتقلين نتيجة سوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية الأساسية.
وأكد المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ثمين الخيطان، التحقق من وفاة ما لا يقل عن 90 معتقلاً فلسطينياً جراء التعذيب. وأوضح الخيطان أن الانتهاكات شملت عنفاً جنسياً ممنهجاً وحالات اغتصاب، طالت في بعض الأحيان أطفالاً قاصرين، في ظل غياب تام للمساءلة القانونية داخل منظومة الاحتلال.
واعترفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في افتتاحيتها بالتدهور الحاد في ظروف الاحتجاز، محملة الوزير بن غفير المسؤولية عن تحويل السجون إلى مقابر. وذكرت الصحيفة أن المعتقلين المفرج عنهم يظهرون كأشباح وهياكل عظمية، مما يعكس سياسة التجويع والتعذيب التي تُمارس ضدهم بشكل يومي وبتعليمات سياسية مباشرة.
وفي سياق متصل، أحدث تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز هزة في الأوساط الدولية بعد كشفه عن فظائع الاعتداءات الجنسية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. واستند التقرير إلى شهادات حية لـ 14 معتقلاً سابقاً، مما أثار ذعراً في تل أبيب ودفعها لشن هجوم مضاد على الصحيفة الأمريكية لمحاولة التغطية على الجرائم.
ويرى قانونيون أن هذه الممارسات تشكل خرقاً جسيماً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، وتستوجب ملاحقة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية. ومع ذلك، تواصل إسرائيل تجاهل كافة الإدانات، وتلجأ كعادتها إلى وسم النشطاء والأسرى بـ "الإرهاب" لتبرير جرائمها أمام الرأي العام الداخلي وحلفائها.
إن مشهد التنكيل بنشطاء أسطول الصمود يمثل الوجه الآخر لمعاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون الموت البطيء خلف القضبان. وتظل هذه الانتهاكات وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي يفشل حتى الآن في فرض عقوبات رادعة تلزم الاحتلال باحترام حقوق الإنسان ووقف آلة القمع الممنهجة.
المصدر:
القدس