تحولت حظائر المواشي في قطاع غزة، التي كانت تضج بالحياة والبهجة قبل حلول عيد الأضحى، إلى مساحات خاوية تعكس حجم الدمار الذي خلفته الحرب المستمرة. عائلات غزية كثيرة، مثل عائلة الزعيم في مخيم الشاطئ، اعتادت لعقود على إحياء شعيرة الأضحية بذبح عدد من الخراف وتوزيع لحومها على الفقراء، لكن هذا العام يمر بغصة وألم مع اختفاء المواشي من الأسواق وارتفاع أسعارها إلى مستويات فلكية.
يروي عبد الله الزعيم كيف كانت عائلته تشتري سبعة خراف سنوياً، بتكلفة لم تكن تتجاوز 300 دينار أردني للخروف الواحد قبل الحرب. اليوم، تبدلت الأحوال تماماً، حيث وصل سعر الخروف الواحد إلى نحو 6 آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة أي عائلة، مما دفعهم للاعتذار حتى عن استقبال أموال الأضاحي من أقاربهم في الخارج لعدم جدوى الشراء بهذه الأسعار المروعة.
الأزمة لا تقتصر على العائلات فحسب، بل ضربت في عمق قطاع تجارة المواشي الذي انهار بشكل شبه كامل. جمال النادي، أحد كبار التجار الذين ورثوا المهنة أباً عن جد، فقد مزرعته بالكامل في حي الزيتون، حيث دمرت القوات الإسرائيلية حظائره التي كانت تضم عشرات العجول والأبقار، مقدراً خسائره بنحو 300 ألف دينار أردني نتيجة فقدان 70 عجلاً.
يحاول النادي العودة للعمل بإمكانيات بسيطة جداً، حيث جمع 35 رأساً من الأغنام ووضعها أسفل منزل متصدع، لكنه يصطدم بواقع مرير يتمثل في ندرة الأعلاف وارتفاع ثمنها. ويشير إلى أن سعر الجدي الصغير الذي كان يباع بألف شيكل، قفز اليوم ليتراوح بين 11 و15 ألف شيكل، مما يجعل بيعها للمواطنين العاديين أمراً شبه مستحيل في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
تؤكد المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة في غزة أن قطاع الثروة الحيوانية يعيش حالة انهيار شامل بفعل سياسات الحصار ومنع إدخال المواشي. فبينما كان القطاع يستورد سنوياً ما يصل إلى 36 ألف رأس من العجول لتغطية احتياجات السوق والأضاحي، توقفت هذه الإمدادات تماماً منذ اندلاع حرب الإبادة، مما أدى لخلل حاد في الأمن الغذائي.
الأرقام الصادمة تشير إلى تراجع أعداد الأغنام والماعز في غزة من 60 ألف رأس قبل الحرب إلى نحو 3 آلاف رأس فقط حالياً. هذا النقص الحاد لم يترك للسكان خيارات سوى الاعتماد على اللحوم المبردة المستوردة أو المساعدات الإنسانية الشحيحة التي تدخل عبر المعابر، في ظل انعدام الإنتاج المحلي وتوقف دورات التسمين بشكل كامل.
الناطق باسم وزارة الزراعة، رأفت عسلية، كشف أن إجمالي خسائر القطاع الزراعي والحيواني والسمكي تجاوزت 4 مليارات دولار. وأوضح أن الاحتلال تعمد استهداف البنية التحتية للزراعة، بما في ذلك مزارع الأبقار الحلوب التي لم يتبقَ منها سوى بضع بقرات لدى مربين أفراد، بعد أن كان القطاع يمتلك آلاف الرؤوس التي توفر الحليب الطازج للسكان.
أمام هذا الواقع المأساوي وانعدام القدرة على توفير بهيمة الأنعام، أصدر مجلس الاجتهاد الفقهي بوزارة الأوقاف في غزة فتوى شرعية استثنائية. دعت الفتوى الميسورين وأصحاب الأموال إلى توجيه نفقاتهم نحو الصدقات العامة وتوزيع اللحوم المبردة والسلال الغذائية على العائلات النازحة والجائعة، كبديل عملي في ظل تعذر ذبح الأضاحي.
وأوضح المجلس في قراره أن ذبح الأضحية يقوم في أصله الشرعي على إهراق الدم، ولكن في ظل المنع الإسرائيلي لإدخال المواشي، فإن التقرب إلى الله بالصدقات يصبح هو السبيل المتاح للتوسعة على الفقراء. وشدد القرار على أن تقديم المساعدات الغذائية واللحوم المجمدة يعد من القربات العظيمة التي تتضاعف أجورها في ظل المجاعة التي تضرب القطاع.
يعيش تجار المواشي المتبقون حالة من اليأس، حيث يضطرون لشراء كميات قليلة من الأعلاف بأسعار مضاعفة من المؤسسات الدولية نتيجة إغلاق المعابر أمام التجار. هذا الغلاء في المدخلات ينعكس مباشرة على سعر الكيلو من اللحم الحي، الذي بات يحسب بأرقام لا تتناسب مع القيمة الغذائية الناتجة عن الذبيحة بعد تنظيفها.
الحاج صقر، جد عائلة الزعيم، يعبر عن حزن عميق لعدم تمكنه من أداء هذه الشعيرة لأول مرة في حياته، وهو شعور يشاركه فيه آلاف المسنين في غزة. فالعيد بالنسبة لهم ليس مجرد طعام، بل هو طقس اجتماعي وديني يربطهم بأرضهم وتراثهم، وقد جاءت الحرب لتنتزع منهم حتى هذه اللحظات البسيطة من الفرح والعبادة.
المشهد في أسواق غزة اليوم يخلو من مظاهر الزحام المعتادة عند الحظائر، حيث غابت أصوات المواشي وحلت مكانها أنقاض المنازل والمزارع المدمرة. ويأمل المربون والتجار أن تفتح المعابر قريباً لإدخال المواشي والأعلاف، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى انقراض كامل للسلالات المحلية المتبقية من الأغنام والماعز.
تظل أزمة الأضاحي في غزة وجهاً آخر من وجوه المعاناة الإنسانية التي يفرضها الحصار والعدوان، حيث تُحرم العائلات من ممارسة أبسط حقوقها الدينية. وبينما ينتظر العالم حلول العيد، يرقب الغزيون معابرهم المغلقة، آملين في كسر طوق الجوع الذي بات يهدد كل بيت في القطاع المحاصر.
ختاماً، يبقى التكافل الاجتماعي هو السمة البارزة في غزة، حيث تحاول المبادرات المحلية والمؤسسات الخيرية تعويض غياب الأضاحي الحية ببدائل غذائية. ورغم أن هذه البدائل لا تعوض القيمة الشعائرية للأضحية، إلا أنها تساهم في تخفيف حدة الجوع وتجسد روح الصمود والتضامن بين أبناء الشعب الفلسطيني في أحلك الظروف.
المصدر:
القدس