يواجه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1948 تحديات استثنائية في طريقهم لأداء فريضة الحج بسبب حملهم الجنسية الإسرائيلية، وهو ما يحول دون دخولهم المباشر إلى الأراضي المقدسة. ومع ذلك، تبرز المملكة الأردنية الهاشمية كشريان حياة وحيد يتيح لهم أداء المناسك عبر ترتيبات خاصة ومعقدة يتم تنسيقها بدقة مع السلطات السعودية.
تبدأ رحلة الحجاج من مدن وبلدات الداخل الفلسطيني، مثل باقة الغربية والمثلث والجليل، حيث تنطلق القوافل نحو المعابر الأردنية. هناك، يتم استبدال الهويات المؤقتة بإجراءات إدارية تضمن وصولهم إلى الديار الحجازية، في رحلة يصفها الحجاج بأنها ولادة جديدة تتجاوز مجرد التنقل الجغرافي لتصبح تجربة إيمانية عميقة.
تاريخياً، عانى فلسطينيو الداخل من غياب تام عن مواسم الحج لعقود طويلة عقب نكبة عام 1948، نظراً للواقع السياسي المفروض عليهم. ولم تتغير هذه المعادلة إلا في نهاية السبعينيات، وتحديداً في عام 1978، حين حدثت انفراجة مفصلية سمحت لهم بالوصول إلى مكة المكرمة عبر وساطة أردنية مباشرة.
جاءت هذه الانفراجة بجهود قادتها شخصيات إسلامية بارزة في الداخل، بالتنسيق مع وزارة الأوقاف الأردنية، مما أثمر عن صيغة تنظيمية فريدة. وبموجب هذه الترتيبات، تولى الأردن رعاية وتنظيم شؤون حجاج الداخل، موفراً لهم الغطاء الرسمي اللازم للتحرك عبر الحدود الدولية وصولاً إلى السعودية.
أكدت مصادر مطلعة أن المسار المعتمد حالياً يعتمد على 'مكرمة أردنية' تمنح الحجاج والمعتمرين جوازات سفر أردنية مؤقتة صالحة لفترة محددة. وتتولى وزارة الداخلية الأردنية إصدار هذه الوثائق عبر إجراءات سريعة ومهنية، تضمن عدم تعطل الرحلات أو تأخر الحجاج عن المواعيد المقررة للمناسك.
سنوياً، يتم تخصيص نحو 4500 مقعد لحجاج فلسطينيي 48، بالإضافة إلى عشرات الآلاف الذين يؤدون مناسك العمرة على مدار العام. وتعمل بعثة الحج الخاصة بهم بالكامل تحت مظلة وزارة الأوقاف الأردنية، التي تشرف على كافة التفاصيل اللوجستية من السكن والإقامة إلى التنقل بين المشاعر المقدسة.
تضم جمعية الحج والعمرة لمسلمي 48 طواقم إدارية متخصصة ترافق القوافل منذ لحظة انطلاقها وحتى العودة إلى ديارها. وتشمل مهام هذه الطواقم تنظيم السفر البري والجوي، ومتابعة جودة الفنادق في مكة والمدينة، بالإضافة إلى الإشراف على مخيمات الحجاج في منى وعرفات لضمان راحتهم.
من الناحية الاقتصادية، تتوفر ثلاث درجات رئيسية لبرامج الحج لتناسب مختلف المستويات المادية، بدءاً من فنادق الخمس نجوم وصولاً إلى الخيارات الاقتصادية. وتشير المصادر إلى أن أسعار هذه الرحلات تعد منافسة نسبياً، حيث يتم تحديد التكاليف بناءً على نوعية الخدمات ووسائل النقل المختارة من قبل الحاج.
لا تقتصر الرحلة على الجوانب اللوجستية، بل تشمل تحضيرات نفسية وفقهية مكثفة ينظمها المجلس الإسلامي للإفتاء في الداخل الفلسطيني. حيث يتم عقد محاضرات إرشادية ودروس فقهية متخصصة تهدف إلى تهيئة الحجاج دينياً، والإجابة على تساؤلاتهم المتعلقة بأحكام الإحرام والمناسك بأسلوب مبسط.
يحرص المجلس في فتاواه على اتباع منهج التيسير، نظراً للمشقة الكبيرة التي يتكبدها حجاج الداخل في رحلتهم الطويلة. ويؤكد القائمون على هذه الدروس ضرورة الالتزام بالأحكام الشرعية المعتمدة، والابتعاد عن الآراء الشاذة التي قد تسبب الالتباس للحجاج خلال تأدية الشعائر في الزحام الشديد.
بالنسبة للعديد من العائلات الفلسطينية، تعتبر رحلات العمرة، خاصة في فصل الصيف، فرصة ذهبية للجمع بين العبادة والسياحة الدينية. وتصل تكلفة رحلة العمرة لمدة 10 أيام في فنادق متميزة إلى نحو ألفي دولار، شاملة كافة المصاريف من تسجيل وسكن ومواصلات وجولات في المواقع التاريخية.
تمنح لجنة الحج والعمرة الأولوية دائماً لمن لم يسبق لهم أداء الفريضة، وذلك لضمان عدالة التوزيع في ظل محدودية المقاعد المخصصة سنوياً. ويتم تطبيق معايير وشروط تنظيمية دقيقة لاختيار الحجاج، مع التركيز على كبار السن والحالات الخاصة التي تتطلب رعاية متميزة خلال الرحلة.
أثبتت تجربة تسيير الرحلات عبر الأردن نجاحاً واستقراراً كبيراً على مدار أكثر من أربعة عقود، مما جعلها المسار المفضل والموثوق للفلسطينيين. ويرى القائمون على هذه البعثات أن المظلة الأردنية توفر حماية ورعاية لا يمكن الاستغناء عنها في ظل التعقيدات السياسية المحيطة بالمنطقة.
يبقى الحج بالنسبة لفلسطينيي 48 أكثر من مجرد فريضة دينية؛ فهو وسيلة لتعزيز الانتماء العربي والإسلامي وكسر سياسات العزل. وفي رحاب مكة والمدينة، يرفع هؤلاء الحجاج دعواتهم لفلسطين وشعبها، مؤكدين على وحدة المصير والامتداد الروحي الذي لا تقطعه الحدود أو جوازات السفر.
المصدر:
القدس