تجاوزت عملية اغتيال القائد العام لكتائب القسام، عز الدين الحداد، حدود الاستهداف العسكري التقليدي لتتحول إلى أداة سياسية معقدة في يد حكومة الاحتلال. ويأتي هذا الخرق الصارخ لاتفاق وقف إطلاق النار في سياق زمني حساس، يهدف من خلاله الاحتلال إلى تحقيق مكاسب استراتيجية تتجاوز مجرد تصفية الشخصيات القيادية في المقاومة الفلسطينية.
تتجلى غريزة الانتقام في هذه العملية ضد كل من شارك في التخطيط لعملية السابع من أكتوبر، حيث تعتبر تل أبيب الحداد أحد أبرز المطلوبين المتبقين من المجلس العسكري للقسام. وتؤكد هذه الخطوة أن مسارات التفاوض والاعتبارات الدبلوماسية لا تشكل عائقاً أمام الاحتلال عندما تلوح فرصة ميدانية لاغتيال قيادات الصف الأول.
يحمل توقيت الاغتيال رمزية متعمدة، إذ وقع في ذكرى النكبة الفلسطينية، وبالتزامن مع الذكرى السنوية لاغتيال القائد السابق محمد السنوار. وتسعى حكومة نتنياهو من خلال هذه الرمزية إلى استثمار الحدث في الداخل الإسرائيلي لرفع الروح المعنوية وترسيخ صورة النصر المفقودة منذ شهور طويلة.
تمثل العملية وسيلة ضغط مباشرة على قيادة حركة حماس لتقديم تنازلات في الملفات العالقة، خاصة بعد رفض الحركة اشتراطات تسليم السلاح مقابل المساعدات الإنسانية. وقد أفادت مصادر بأن الاحتلال حاول عبر الوسطاء مقايضة فتح المعابر وانسحاب الجيش بإنهاء الوجود العسكري للمقاومة، وهو ما قوبل برفض فلسطيني قاطع.
يأتي اغتيال الحداد، وقبله نجل رئيس وفد التفاوض خليل الحية، كرسالة عقاب جماعي لقيادة المقاومة على مواقفها المتشددة في المفاوضات. ويرى مراقبون أن الاحتلال يراهن على إمكانية تليين موقف حماس عبر استهداف عصبها القيادي في لحظات سياسية فارقة وحرجة.
تزامنت العملية مع إجراءات داخلية في حماس لانتخاب رئيس جديد للمكتب السياسي، مما يشير إلى رغبة إسرائيلية في عرقلة مسار تعافي الحركة التنظيمي. ويهدف الاحتلال من خلق شغور في المناصب القيادية إلى إحداث ثغرات أمنية وارتباك إداري يسهل عمليات تعقب واستهداف كوادر أخرى في المستقبل القريب.
على الصعيد السياسي الداخلي في إسرائيل، يسعى حزب الليكود لتوظيف الدم الفلسطيني كوقود للحملات الانتخابية المرتقبة في ظل الحديث عن حل الكنيست. وتعتبر عمليات الاغتيال الكبرى الورقة الرابحة لنتنياهو لتعزيز فرص ائتلافه اليميني المتطرف في مواجهة الخصوم السياسيين الذين يتهمونه بالفشل الأمني.
يضع هذا التصعيد حركة حماس أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الرد العسكري الذي قد يشعل حرباً شاملة بضوء أخضر أمريكي، أو الصمت الذي قد يغري الاحتلال بمزيد من الاغتيالات. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن قرار التصعيد قد اتخذ بالفعل في أروقة القرار الإسرائيلي لخدمة أجندات انتخابية وميدانية محددة.
لم تقتصر اعتداءات يوم الاغتيال على استهداف الحداد، بل شملت غارات متفرقة في قطاع غزة أسفرت عن ارتقاء سبعة شهداء وإصابة العشرات. وتعكس هذه الوتيرة المرتفعة من العنف رغبة الاحتلال في فرض واقع جديد يتجاوز تفاهمات التهدئة الهشة التي تم التوصل إليها سابقاً بوساطات إقليمية.
تثبت التجارب التاريخية للنضال الفلسطيني أن سياسة الاغتيالات لم تنجح يوماً في كسر إرادة المقاومة أو دفع الشعب الفلسطيني نحو الاستسلام. ومع ذلك، تصر حكومة نتنياهو على نهج القوة المفرطة، معتقدة أن تصفية القيادات ستؤدي بالضرورة إلى انهيار الهياكل العسكرية والسياسية للفصائل.
يثير الصمت العربي والإسلامي تجاه هذه الخروقات تساؤلات كبرى حول دور الدول الضامنة لاتفاقات التهدئة، خاصة في ظل الغطاء الأمريكي الكامل لنتنياهو. ويمثل هذا الصمت تحدياً للمصداقية السياسية للوسطاء، ويفتح الباب أمام مسارات بالغة الخطورة قد تؤدي إلى انفجار الأوضاع في المنطقة برمتها.
إن إصرار الاحتلال على ملاحقة أعضاء المجلس العسكري للقسام يعكس فشلاً استخباراتياً يحاول تعويضه عبر عمليات نوعية في توقيتات مدروسة سياسياً. وتظل قضية سلاح المقاومة حجر العثرة الأكبر في المفاوضات، حيث تعتبرها الفصائل شأناً وطنياً داخلياً غير قابل للنقاش مع الجانب الإسرائيلي.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن غزة مقبلة على مرحلة من التصعيد المدروس، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه التفاوزية عبر الميدان. ويبدو أن نتنياهو يفضل الاستمرار في دوامة العنف لضمان بقائه السياسي، مستفيداً من الدعم غير المحدود الذي توفره إدارة ترامب لسياساته المتطرفة.
في نهاية المطاف، يبقى اغتيال عز الدين الحداد محطة فارقة في صراع الإرادات بين الاحتلال والمقاومة، حيث تتداخل فيها الحسابات الشخصية لنتنياهو مع الاستراتيجيات العسكرية. وستكشف الأيام المقبلة مدى قدرة المقاومة على استيعاب هذه الضربة وإعادة ترتيب صفوفها لمواجهة التحديات الوجودية القادمة.
المصدر:
القدس