آخر الأخبار

نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح: تجديد القيادة وتحديات المرحل

شارك

د. رائد الدبعي: النتائج عكست التوازن بين القيادات التاريخية والأسماء الجديدة دون المساس بجوهر البرنامج السياسي أو التوجهات الاستراتيجية بالمرحلة المقبلة
محمد هواش: "فتح" نجحت بعقد مؤتمرها الثامن وتجديد نصف أعضاء لجنتها المركزية وأعضاء مجلسها الثوري وإرضاء الرئيس لكنها لم تعطه كل ما يريد
د. قصي حامد: الإطار القيادي الجديد أمام مسؤولية نقاش رؤية "فتح" السياسية وآليات عملها بما يسمح بإعادة استنهاضها واستعادة دورها القيادي
د. أسامة عبد الله: أي عملية تجديد داخل "فتح" ستنعكس على مجمل النظام السياسي باعتبارها العمود الفقري للمنظمة وركيزة أساسية في بنية السلطة
عوني المشني: الحرس القديم داخل الحركة يغادر مواقعه بصورة شبه كاملة وهندسة العضوية والتحالفات الرئيسة لعبت دورًا حاسمًا بصياغة النتائج
د. رهام عودة: ما يقارب نصف أعضاء القيادة الجديدة يمثلون حالة تغيير وتجديد داخل الحركة لاستعادة حيويتها وتعزيز دورها في المرحلة المقبلة


رام الله- خاص- بـ"القدس"-

تأتي النتائج الأولية للمؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" لتحمل مؤشرات لافتة بشأن اتجاهات الحركة في السنوات المقبلة، في ظل تغييرات طاولت تركيبة القيادة، عكست ميلاً نحو المزج بين الخبرة التنظيمية وتجديد الوجوه خاصة ما كان لافتاً بإدخال الشباب، بما يوحي بمحاولة إعادة ترتيب المشهد الداخلي للحركة في مرحلة فلسطينية تتسم بتعقيدات سياسية وميدانية غير مسبوقة.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه النتائج تأتي في توقيت فلسطيني حساس، ما يمنحها أبعاداً تتجاوز الإطار التنظيمي، حيث ينظر إلى ما إذا كانت القيادة الجديدة ستنجح في تحويل التغيير الذي أفرزته صناديق الاقتراع إلى أدوات أكثر فاعلية على المستوى السياسي والتنظيمي، بما ينعكس على موقع الحركة ودورها في المشهد الوطني.

إرادة واضحة للتغيير

يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، د. رائد الدبعي، أن نتائج المؤتمر الثامن لحركة "فتح" عكست وجود "إرادة واضحة للتغيير"، لكنها في الوقت ذاته حافظت على توازن بين القيادات التاريخية والأسماء الجديدة، بما يعكس توجهاً نحو تجديد جزئي داخل الحركة دون المساس بجوهر برنامجها السياسي أو توجهاتها الاستراتيجية في المرحلة المقبلة.
وبحسب الدبعي، فإن أبرز ما حملته النتائج تمثل في "الانتصار للشهداء والأسرى والقادمين من الميدان"، مشيراً إلى نجاح شخصيات ذات رمزية نضالية، من بينها زكريا الزبيدي، وتيسير البرديني، إلى جانب تصدر الأسير مروان البرغوثي قائمة نتائج الذين منحوا عضوية اللجنة المركزية للحركة، معتبراً أن ذلك يعكس رسالة واضحة من أعضاء المؤتمر بتقدير رمزية الأسرى وتجديد التأكيد على الهوية الوطنية والنضالية والثورية للحركة.
ويرى الدبعي أن المؤتمر حمل مؤشرات على رغبة حقيقية بإحداث تغيير، لكنه "تغيير جزئي" وليس تحول جذري، موضحاً أن هذا التوجه تجسد أيضاً في الحفاظ على حضور شخصيات تاريخية وازنة داخل الحركة، من بينها الرئيس محمود عباس، و جبريل الرجوب، ومحمود العالول، بما يشير إلى وجود رسالة داخلية تسعى للموازنة بين شرعية التاريخ ومتطلبات التجديد.

بروز جيل جديد من القيادات الشابة

وفي سياق التجديد القيادي، يلفت الدبعي إلى "الاختراق الكبير" المتمثل بصعود إياد صافي، معتبراً أن وصوله بصفته قائداً حالياً للشبيبة الفتحاوية في قطاع غزة يعكس بروز جيل جديد من القيادات الشابة ذات الامتداد الميداني، إلى جانب حضور جغرافي متنوع، وإن كان المؤتمر قد افتقد تمثيلاً من الخارج في عضوية اللجنة المركزية هذه المرة.
ويشير الدبعي إلى وجود ملاحظات تتعلق بضعف تمثيل المرأة في المؤتمر الثامن، موضحاً أن التوقعات كانت تتجه نحو الالتزام بنسبة 30% للكوتا النسوية، إلا أن التمثيل اقتصر على امرأتين فقط من أصل 18 عضواً.
ورغم حديثه عن ضخ دماء جديدة داخل الحركة وانخفاض متوسط أعمار القيادة المنتخبة مقارنة بالمؤتمر السابع، يشدد الدبعي على أن التغيير المتوقع سيبقى ميدانياً وتنظيمياً أكثر منه سياسياً، متوقعاً أن ينعكس ذلك على الحضور بين أبناء الحركة وعلى الأداء التنظيمي، دون أن يمتد إلى مستوى "السياسات العليا" أو البرامج السياسية، التي يرجّح استمرارها ضمن النهج التقليدي القائم على برنامج إعلان الاستقلال لعام 1988.
ويعتبر الدبعي أن خروج بعض القيادات التاريخية لم يكن مفاجئاً في ظل انعقاد المؤتمر بعد عشر سنوات، مؤكداً تقديره لدورهم النضالي، لكنه يرى أن التغيير في الأسماء كان متوقعاً أكثر منه صادماً.

انعقاد المؤتمر بظروف معقدة

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش نجاح حركة فتح بعقد مؤتمرها الثامن، وتجديد نصف أعضاء لجنتها المركزية، وتجديد أعضاء مجلسها الثوري، وكذلك إرضاء الرئيس محمود عباس، ولكنها لم تعطه كل مايريد.
ويشدد هواش على أن الأهمية لا تكمن فقط في نتائجه الانتخابية، بل في انعقاده ذاته في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة.
ويؤكد أن حركة فتح نجحت تنظيمياً وإدارياً في إدارة المؤتمر بصورة اتسمت بـ"الفاعلية والانضباط"، وأن المؤتمر كان "سيد نفسه" في اتخاذ القرارات وإدارة العملية الانتخابية، خلافاً لانتقادات صاحبت مؤتمرات سابقة، بينما يؤكد أهمية انعقاد مؤتمر حركة فتح وإجراء انتخابات لها بهذا الحجم كحزب في السلطة، وهو ما تفتقر إليه تجربة الأحزاب والحركات السياسية في الدول العربية.

سياسة واضحة مستمرة

ويوضح هواش أن الرسائل السياسية للمؤتمر تجسدت أساساً في خطاب الرئيس محمود عباس الافتتاحي، الذي مثّل التعبير الواضح عن السياسة الفلسطينية العامة التي تتبناها حركة فتح.
ويشير هواش إلى أن النقاشات داخل المؤتمر لم تشهد اعتراضات جوهرية على هذا المسار، بل أظهرت تأييداً عاماً للنهج السياسي القائم، خصوصاً فيما يتعلق بآليات مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتداعيات الحرب على قطاع غزة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بمحاولات ضم الضفة الغربية ومحاولة تهميش القضية الفلسطينية دولياً.
ويشدد هواش على أن السياسة للحركة لم تتغير ولم يعترض عليها المؤتمر، لكن التحدي يكمن في توفير أدوات تحقيق هذه السياسة.
ويبيّن هواش أن الأصوات المنتقدة للمؤتمر جاءت أساساً من خارج أطر المؤتمر ومن أوساط منشقة عن الحركة أو قواعد تنظيمية معترضة، لافتاً إلى أن ما يُعرف بـ"التيار الديمقراطي" المرتبط بمحمد دحلان بقي خارج البنية التنظيمية للمؤتمر، رغم مشاركة بعض الأفراد المحسوبين عليه بصفات شخصية.
وفي قراءته لنتائج الانتخابات الداخلية، يعتبر هواش أنها شكّلت "العنوان الجديد" للمؤتمر، وعكست مؤشرات سياسية مهمة، أبرزها أن أعضاء المؤتمر لم يمنحوا الرئيس كل ما أراده بالكامل، رغم عدم اختلافهم مع توجهاته السياسية العامة، موضحاً أن بعض الأسماء التي كان يُراد لها الوصول إلى اللجنة المركزية لم تنجح، بما يعكس استقلالية نسبية في خيارات أعضاء المؤتمر.

الأمر لا يدعم اتهامات "التوريث"

وتطرق هواش إلى انتخاب ياسر عباس، نجل الرئيس، عضواً في اللجنة المركزية، معتبراً أن الأمر لا يدعم اتهامات "التوريث" بالشكل المطروح، إذ إن ترتيبه الانتخابي جاء في موقع متوسط وليس متقدماً، ما يعكس قبولاً بوجوده داخل الإطار القيادي دون منحه دوراً محورياً أو موقعاً متقدماً في هرم القيادة.
ويؤكد هواش أن المؤتمر الثامن شهد قدراً كبيراً من النزاهة الانتخابية، نافياً حدوث تدخلات أو تغييرات في النتائج كما أُثير في مؤتمرات سابقة، ومعتبراً أن ذلك يعكس استجابة لرغبة فلسطينية أوسع في توسيع الهوامش الديمقراطية داخل المؤسسات الوطنية.

التغيير لنحو نصف أعضاء "المركزية"

ويرفض هواش توصيف خروج بعض القيادات من عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح بأنه إقصاء، معتبراً أن التجديد أمر طبيعي في الحركات السياسية، وأن التغيير شمل نحو نصف أعضاء اللجنة المركزية، في خطوة تعكس رغبة في ضخ وجوه جديدة، من بينها شخصيات ذات خلفية نضالية وأسرى، مثل القائد الأسير مروان البرغوثي والأسير المحرر زكريا الزبيدي، بما يعزز البعد الكفاحي للحركة.
وفي ملف تمثيل النساء والشباب، يرى هواش أن مشاركة المرأة لا تزال دون الطموح، لكنها ترتبط بواقع المجتمع ومزاجه العام، معتبراً أن تعزيز حضور النساء يحتاج إلى تحولات اجتماعية وسياسية أوسع.
ويلفت إلى وجود تنوع عمري نسبي في القيادة الجديدة، مع توقعات بحضور شبابي أكبر في المجلس الثوري.
ويشير هواش إلى أن الأزمة الفلسطينية لا تتعلق بغياب البرامج السياسية لحركة فتح فهي غنية ببرنامجها، بل بضعف الأدوات القادرة على تنفيذها، خاصة أنه لا توجد استجابة إسرائيلية أميركية لقبول هذه البرامج.
ويؤكد هواش أن التحدي الأبرز يتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية وتطوير أدوات كفاحية وسياسية أكثر فاعلية لمواجهة الاحتلال وتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.

قدر من التفاؤل بإمكانية إحداث تغيير

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن نتائج المؤتمر الثامن لحركة "فتح" حملت قدراً من التفاؤل بإمكانية إحداث تغيير داخل البنية القيادية للحركة، من خلال إدماج أسماء جديدة إلى جانب الحفاظ على حضور شخصيات تاريخية، بما أوجد حالة من التوازن بين الأجيال والتيارات المختلفة داخل الجسم القيادي، معتبراً أن مخرجات الانتخابات تعكس احتكاماً لصندوق الاقتراع وتنوعاً في مكونات القيادة الجديدة إلى حد ما.
ويوضح حامد أن التشكيلة التي أفرزتها الانتخابات عكست حضوراً متوازناً بين ما يُعرف بالحرس القديم والجيل الشاب، إلى جانب شخصيات ذات خلفية نضالية وميدانية، فضلاً عن حضور شخصيات أفرزتها المؤسسة الأمنية، الأمر الذي يعكس تعددية في الأوزان والثقل التنظيمي داخل الحركة، دون أن يطغى تيار واحد على القرار الفتحاوي.
ويشير حامد إلى أن إحدى الدلالات اللافتة للنتائج تمثلت في حضور الأسرى ضمن المواقع القيادية، بما يعكس استمرار مركزية قضية الأسرى في الوعي التنظيمي والسياسي للحركة، ويؤكد مكانتها الرمزية والوطنية داخل "فتح"، لافتاً إلى أن هذا التنوع قد يسهم في الحد من الصراعات الداخلية التي لطالما ألقت بظلالها على أداء الحركة خلال مراحل سابقة.

أمام إحداث مراجعة سياسية وتنظيمية جدية

وفي تقييمه للمشهد السياسي الداخلي للحركة بعد المؤتمر، يشدد حامد على أن القضية الجوهرية لا تتعلق فقط بالأسماء التي فازت، وإنما بما إذا كانت القيادة الجديدة ستنجح في إحداث مراجعة سياسية وتنظيمية جدية تعالج إخفاقات السنوات الماضية.
ويعتبر حامد أن المؤتمر لم يشهد نقاشاً سياسياً عميقاً حول البرنامج السياسي للحركة، كما غابت مراجعة حقيقية للمرحلة الممتدة منذ المؤتمر السابع وحتى الثامن، والتي امتدت لنحو عشر سنوات، وهي فترة شهدت تحولات كبيرة على صعيد الواقع الفلسطيني ودور الحركة في قيادة المشروع الوطني.
ويشير حامد إلى أن الإطار القيادي الجديد أمام مسؤولية إعادة فتح النقاش حول رؤية الحركة السياسية وآليات عملها، بما يسمح بإعادة استنهاض "فتح" واستعادة دورها القيادي داخل المجتمع الفلسطيني والحركة الوطنية، مؤكداً أن نجاح هذا المسار يتطلب مراجعة معمقة للأداء السابق وتطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي.

ثلاث قضايا رئيسية

ويطرح حامد ثلاث قضايا رئيسة، يرى أنها ينبغي أن تتصدر أجندة القيادة الفتحاوية في المرحلة المقبلة، أولها تتمثل في ضرورة مأسسة العلاقة بين حركة "فتح" والسلطة، عبر تحديد حدود واضحة بين دور السلطة باعتبارها مؤسسة سياسية وإدارية، وبين دور الحركة بوصفها حركة تحرر وطني معنية بمواجهة الاحتلال وتعزيز حالة التعبئة الوطنية.
ويبيّن حامد أن غياب هذا الفصل في السابق أدى إلى تحميل "فتح" تبعات أخطاء السلطة الفلسطينية وأزماتها الإدارية والسياسية، وهو ما انعكس سلباً على صورة الحركة وشعبيتها، الأمر الذي يستدعي إعادة بناء العلاقة مع القاعدة الجماهيرية والانطلاق مجدداً نحو المجتمع الفلسطيني، من خلال تعزيز الخطاب المرتبط بالتحرر الوطني وإعادة صقل القاعدة التنظيمية.
أما القضية الثانية، وفق حامد، فتتعلق بالحاجة إلى إعادة الاعتبار للبرنامج السياسي الخاص بالحركة، بحيث لا تكتفي "فتح" بأدوار السلطة محلياً ودبلوماسياً، بل تعمل على تطوير أدواتها السياسية والتنظيمية الخاصة، وصوغ رؤى واستراتيجيات أكثر وضوحاً واستقلالية.
وفيما يخص القضية الثالثة، يشدد حامد على ضرورة تجاوز أسلوب الخلافات والتجاذبات الذي طبع العلاقة بين أعضاء اللجنة المركزية خلال مراحل سابقة، والعمل باتجاه بناء حالة من الانسجام الداخلي، بما يمكّن القيادة الجديدة من التوجه نحو إعادة تنشيط الحركة داخل الشارع الفلسطيني، معتبراً أن نجاح "فتح" في عملية التجديد قد يشكل نموذجاً لبقية الفصائل الفلسطينية التي تواجه تراجعاً في الشعبية وضعفاً في القدرة على تعبئة الشارع، الأمر الذي يجعل إعادة استنهاض القوى الوطنية مدخلاً ضرورياً لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني بصورة أوسع.

أهمية استثنائية

يرى الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح لا ينبغي أن تُختزل في أسماء الفائزين والخاسرين، بل يجب التعامل معها بوصفها محاولة لإعادة إنتاج الحركة في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية، وسط تحديات داخلية وخارجية متسارعة تفرض على الحركة إعادة تعريف دورها الوطني والسياسي.
وبحسب عبد الله، فإن انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت يمنحه أهمية استثنائية، في ظل الحرب المتواصلة على قطاع غزة، وتصاعد المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، إلى جانب أزمة الثقة الداخلية وتراجع فاعلية النظام السياسي الفلسطيني، وهو ما يجعل أي تحولات داخل الحركة تتجاوز بعدها التنظيمي لتطال مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمّته.
ويوضح عبد الله أن النتائج أظهرت بوضوح وجود توجه داخل الحركة نحو إدماج وجوه جديدة وإحداث حالة من التجديد في البنية القيادية، وهو مطلب ظل حاضرًا لسنوات لدى قواعد الحركة وقطاعات واسعة من الشارع الفتحاوي، التي طالبت بتطوير الأداء وتجديد الدماء داخل المؤسسات القيادية.
ويشير إلى أن هذا التوجه يعكس إدراكًا داخليًا متزايدًا لدى الحركة بأن الاعتماد على البنية التقليدية وحدها لم يعد كافيًا في مواجهة التحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون، خصوصًا في ظل اتساع الفجوة بين الأجيال الشابة والخطاب التنظيمي الكلاسيكي، الأمر الذي يفرض ضرورة تطوير أدوات العمل السياسي والتنظيمي لتصبح أكثر قربًا من الواقع الفلسطيني الراهن.
لكن عبد الله يشدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير الأشخاص، بل في قدرة هذا التجديد على التحول إلى مراجعة سياسية وفكرية أعمق، موضحًا أن ثمة فارقًا بين إعادة تدوير النخبة داخل الأطر التنظيمية وبين إنتاج رؤية جديدة تستجيب للمتغيرات الوطنية والسياسية الحالية.
ويبيّن عبد الله أن حركة فتح مطالبة اليوم باستعادة روحها التاريخية كحركة تحرر وطني قادرة على الموازنة بين المشروع السياسي والانشغال بالهموم اليومية للمواطن الفلسطيني، بدل الاكتفاء بإدارة السلطة أو التوازنات التنظيمية الداخلية.

أهمية ترميم الثقة الشعبية

ويؤكد عبد الله أن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بحجم تمثيل الأجيال الجديدة داخل الأطر القيادية، بل بقدرة هذه الوجوه الصاعدة على ترميم الثقة الشعبية، وإعادة تقديم الحركة بوصفها الحامل الوطني الجامع للمشروع الفلسطيني، مشيرًا إلى أن أي عملية تجديد داخل الحركة ستنعكس بصورة مباشرة على مجمل النظام السياسي الفلسطيني، باعتبارها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية وركيزة أساسية في بنية السلطة.
ويشدد عبد الله على أن الرهان القائم اليوم يتمثل في أن يتحول المؤتمر الثامن من محطة تنظيمية عابرة إلى نقطة انطلاق لمراجعة وطنية شاملة، تشمل إصلاح آليات العمل الداخلي، وتعزيز الديمقراطية التنظيمية، وإتاحة المجال أمام الكفاءات الشابة للمشاركة الفعلية في صناعة القرار، محذرًا من أن يبقى التجديد شكليًا إذا لم يترافق مع إصلاحات حقيقية تستجيب لتحديات المرحلة وتعيد وصل الحركة بجمهورها وبالمشروع الوطني الفلسطيني.

تكريس المسار السياسي والتنظيمي

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن النتائج الأولية للمؤتمر الثامن لحركة فتح جاءت منسجمة إلى حد كبير مع التوقعات السابقة، وكرّست المسار السياسي والتنظيمي الذي انتهجته الحركة خلال السنوات الأخيرة، دون أن تحمل تحولات استراتيجية جوهرية على مستوى الرؤية أو التوجهات السياسية.
وبحسب المشني، فإن المؤتمر بدا أقرب إلى "كرنفالية انتخابية" منه إلى محطة سياسية تهدف إلى رسم استراتيجية جديدة للحركة، موضحًا أن العملية الانتخابية ركزت بصورة أساسية على إعادة توزيع موازين النفوذ داخل الأطر القيادية، أكثر من انشغالها بإنتاج مراجعات سياسية أو فكرية تستجيب للتحولات الفلسطينية الراهنة.
ويشير المشني إلى أن نتائج الانتخابات أظهرت تعمق الخط السياسي الاستراتيجي القائم داخل حركة فتح، مع تعزيز نفوذ وحضور ممثلي هذا التوجه، معتبرًا أن المشهد العام لم يشهد تغييرًا نوعيًا، حيث أن ما جرى اقتصر على تعديلات محدودة "على الحواف" دون أن تمس البنية الأساسية أو تؤثر على المشهد الرئيسي للحركة.

مغادرة الحرس القديم

ويرى المشني أن الحرس القديم داخل الحركة يغادر مواقعه بصورة شبه كاملة، في مشهد إسدال للستار على مرحلة سياسية وتنظيمية كاملة، سواء من حيث الأشخاص أو النهج والسياسات، مشيراً إلى أن هندسة العضوية والتحالفات الرئيسة لعبت دورًا حاسمًا في صياغة النتائج النهائية، بينما غابت المفاجآت التي كان يترقبها بعض المراقبين.
ويرى المشني أن المؤتمر قد يخلّف حالة غضب شخصية ومؤقتة لدى بعض الأطراف المتضررة من النتائج، إلا أن هذا الغضب لن يستمر طويلًا، في وقت تتعزز فيه قناعة شريحة أوسع من أبناء الحركة والمتابعين بأن "فتح" تسير في مسار منفصل عن تاريخها وأدبياتها وجوهر انطلاقتها، الأمر الذي أسهم في تراجع الرهان على إمكانية الإصلاح من داخل المؤسسة التنظيمية.
ويعتبر المشني أن المؤتمر لم يقدّم إجابات على الأسئلة الاستراتيجية الكبرى، بل أفرز تساؤلات جديدة تتعلق بقضايا مثل التوريث ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، معتبرًا أن الحركة باتت أقرب، من حيث الشكل والبنية، إلى نماذج النظام العربي الرسمي، وهو نموذج قد يكون مناسبًا لدول مستقرة، لكنه لا ينسجم مع طبيعة حركة تحرر وطني تواجه تحديات مفتوحة ومعقدة.

إعادة ترتيب البيت الفتحاوي

ترى الكاتبة والمحللة السياسية د.رهام عودة أن نتائج المؤتمر العام الثامن لحركة فتح عكست حالة من التوازن داخل الحركة، عبر المزج بين تجديد القيادة والحفاظ على التنوع التنظيمي والسياسي، معتبرة أن المؤتمر حمل مؤشرات على إعادة ترتيب البيت الفتحاوي استعداداً للمرحلة السياسية المقبلة.
وبحسب عودة، فإن القراءة الأولية لنتائج المؤتمر تظهر أنها جاءت "متوازنة نوعاً ما"، إذ جمعت بين انتخاب قيادات شابة ووجوه جديدة، خاصة من قطاع غزة، مشيرة إلى انتخاب إياد صافي الذي كشخص يمثل جيلاً شاباً داخل الحركة، إلى جانب حضور لافت لقيادات من الحركة الأسيرة، يتقدمها الأسير القيادي الفتحاوي مروان البرغوثي الذي تصدّر القائمة، في دلالة سياسية وتنظيمية على استمرار حضور البعد النضالي والكفاحي داخل الحركة.

حضور نسوي بارز

وتوضح عودة أن نتائج الانتخابات أظهرت كذلك حضوراً نسوياً بارزاً من خلال شخصيات تتمتع بقبول جماهيري وحضور سياسي، من بينها محافظة رام الله والبيرة د. ليلى غنام، والتي تحظى بمحبة وحضور واسع في محافظة رام الله والبيرة، إضافة إلى دلال سلامة، معتبرة أن هذا التنوع يمنح القيادة الجديدة زخماً إضافياً.
وتؤكد عودة أن ما يقارب نصف أعضاء القيادة الجديدة يمثلون حالة تغيير وتجديد داخل الحركة، وهو ما يضخ "دماً فتحاوياً جديداً" قادراً على استعادة حيوية الحركة وتعزيز دورها في المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل التحولات السياسية الراهنة، والتحديات التي فرضتها تداعيات السابع من أكتوبر، وما أعقبها من حرب ودمار في المجتمع الفلسطيني.
وترى عودة أن انعكاسات هذه النتائج على المشهد السياسي الفلسطيني تتمثل في إعادة ترتيب البيت الفتحاوي ليصبح أكثر وحدة وتنوعاً، من خلال إشراك قيادات شابة ونسوية وأخرى من الحركة الأسيرة، بما يعزز قدرة الحركة على قيادة المرحلة السياسية المقبلة وصياغة مشروع وطني تحرري.
وتعتبر عودة أن إجراء الانتخابات بصورة ديمقراطية، وإظهار الحركة قدراً من المرونة والانفتاح على الانتقادات الداخلية والخارجية، يعكس وجود مراجعة داخلية للسياسات، وقدرة على التجدد السياسي، بما قد يمهد لمرحلة جديدة تدعم مشروع حل الدولتين وتعيد ترتيب الأولويات الوطنية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا